حامد فاضل وبلدة في علبة (2).


المحرر موضوع: حامد فاضل وبلدة في علبة (2).  (زيارة 708 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل هاتـف بشبـوش

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 169
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)

حامد فاضل وبلدة في علبة (2).

 

العلبة تتكلم عن مدير مدرسة أيام كان الحليب ودهن السمك يوزع على الطلاب في زمن عبد الكريم قاسم . كان المدير هذا يطلق على كل طالب لا يعجبه بالزنديق وكان في يوم رفعة العلم يردد بأعلى صوته عاش الزعيم عبد الكريم قاسم والطلاب يرددون وراءه النشيد أيضا بأعلى أصواتهم . . وفي يوم مقتل الزعيم وفي 8 شباط 1963 جاء المدير نفسه ليأمرنا بإنزال صورة عبد الكريم وتمزيقها ناعتا الزعيم بالزنديق. فهل هناك أكثر من هذا التلون والإنتهازية التي لا تستحي من نفسها . لكنّ الخوف والبطش من الأنظمة الجائرة هو الذي يخلق هكذا رجال بهذا المستوى المتدني .
كلمة الزنديق لم تأتِ اعتباطاً على لسان الآخرين وانما لها تأريخ خاص . وما أخطر الزنادقة على الرسول (ص) ، حيث دخل في مجادلات مفحمة معهم ولم يتوصل الى جرّهم نحو جادة الصواب فقتلوا أغلبهم في الحروب ..فيذكر الكاتب والشاعر العراقي جمال جمعة في كتابه (ديوان الزنادقة ) من انّ زنادقة قريش كانوا ثمانية وكلهم قتلوا ومنهم ابو سفيان بن حرب وهو الزنديق الوحيد الذي عاش وأسلم . ثم النظر بن الحارث وهو طبيب ورجل علم درس في بلاد فارس وأمهُ خالة النبي وقد نزل بخصوصه في القرآن الكريم ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) حتى قتله علي بن ابي طالب في يوم بدر. ثم أبو جهل صاحب القول الشهير ( وعشرون ناقة مني تحمل دنان الخمر) فقتل هو الآخر مثلما رأيناه في الفيلم الشهير (الرسالة) لمصطفى العقاد. أما عبد الله بن المقفع توفّي مقتولًا على يد سفيان بن معاوية والي البصرة من قِبل الخليفة المنصور، فقيل إنّه أعدّ تنورًا وبدأ بتقطيع أعضائه عضوًا، عضوًا ويلقيه في التَّنور بسبب زندقته .
ولذلك استمرت كلمة الزنديق حتى يومنا هذا فأطلقها هذا المدير على الرئيس الشجاع عبد الكريم قاسم الذي يذكرنا بتأريخ الانعطافة المهمة من الملكية الى الجمهورية ، وهذا التحول مرّت به غالبية الشعوب الغربية لأن الملكيات كانت باطشة تتوارث السلطة بين العائلة نفسها ، فكان أول اول شخص اعلن النظام الجمهوري في فرنسا هو( جان جاك روسو) فلقبّ بالقديس العلماني .
رواية بلدة في علبة أستطيع القول عنها من أنها تعتمد على البانوراما المتنقلة وكأن هناك كاميرا محمولة تدور بنا زمكانيا فتعطينا كل انطباعاتها حول مدينة بحالها بكل أمكنتها وماحل بهذا الأمكنة تسايرا مع التأريخ وعامل الزمن وتطور البنى التحتية . كما وانّ اللعبة التي استخدمها حامد كانت في غاية الذكاء، فهو لا يستطيع أن يروي لنا كل ما حصل في تلك الأزمنة في هذه البقعة السومرية وهذه من المستحيلات أو تتطلب جهدا كبيرا عاليا ، فراح يعتمد على أسلوب الليغو ( لعبة الليغو) أو على الإختيارات العشوائية حين يمد يده في العلبة فيختار صورة تاريخية لا على التعيين فيتفحص فيها فيراها ذلك الزمن والتأريخ المذهل بكل شخصياته وأبطاله وشعوبه بل وحتى الطبيعة ببساتينها وأشجارها السنديانية السادرة مع الابدية أو مياه أنهارها التي تفيض فتشكل الخطر الحقيقي على المدن ويا ليتها بقيت هكذا لأن نهري دجلة والفرات اليوم عبارة عن سواقي كبيرة وليست أنهراً كما سابق هديرها .
يعتمد الروائي أيضا على اليد الليغوية وهي تختار تأريخا عن مدارس السماوة وشخصيات السماوة الذين لا يخطرون على بال أحد فيما فعلوه أنذاك وظلوا في الذاكرة بعد موتهم في المنافي أو في أرض سومر ومنهم كاظم السماوي الشاعر الذي مات غريبا في السويد وهذا الرجل كان مديرا للإذاعة والتلفزيون في زمن عبد الكريم قاسم وهو الذي أذاع خبر محاولة اغتيال الزعيم وطمأن الشعب على سلامته ونجاته بعد تعرضه الى اطلاق نار في منطقة راس القرية .
خوص سماوية لها صدى في الذكرى أمثال محمد حسين الشيخ كاظم ونعيم مسير مدرس اللغة الإنكليزية وأنور طالب وابراهيم عنيد وغيرهم . وكل هؤلاء كان لهم دورا نضاليا بارزا في الحركة الشيوعية أنذاك. وهناك من الذين سجنوا في متصرفية الديوانية في عام 1958 طلابا دون السن القانونية فكانوا يهربون من السجن ليلا بطريقة ذكية ليذهبوا الى السينما فيعودوا فجرا مما أضحك مدير الشرطة بحق لهذا الحدث الغريب فأمر بأطلاق سراحهم بعد المشاورة مع رؤساء عشائرهم. فهنا تشير لنا الحياة بالتناقضات الرهيبة التي تحصل في سجون العالم فكم هي حالات الهروب من السجون والقلاع المحصنة التي ترويها لنا الأفلام العربية والعالمية فهي لا حصر ولا عد لها ومنها فيلم الهروب من الشاوشنك الذي مثله كلنت إيستوود بنسخته القديمة ثم مورغان فريمان بنسخته الجديدة وسلسلة افلام الغرب الأمريكي وكيف كانت شبابيك السجون تقلع عن طريق ربطها بحبال متينة الى الأحصنة التي تحطم الشباك بقوتها الحصانية فيهرب السجناء.
أحاديث العلبة الفوتوغرافية عن الحمّال عبد المصارع الذي كان يرفع الأعمدة الحديدية للجسر المعلق حين تم إنشاءه من قبل بريطانيا في الخمسينيات والمهندس الإنكليزي الذي كان يقول له (كود...كود... تعني جيد) فتصور عبد المصارع الأمي من انه يقول له (كوّاد) مما أدى الى غضبه واستهجانه. فهل عبد المصارع هذا يشبه شمشون اليهودي واسطورته في القوة العضلية حيث كان يحطم أعمدة المعبد فيقول (علّي وعلى أعدائي)
وهناك حمال أقوى من عبد المصارع كان يترك أزرار دشداشته مفتوحة فيظهر شعر صدره فأعجبت به أحد الغجريات وغنت له الأغنية المعروفة ( منين أجيب ازرار للزيجة هدل) . وهذه الحكاية تشبه الى حد ما لفلم (وكالة البلح) وصراع التجار الجشع و(نادية الجندي) الفتاة المثيرة التي تعشق( محمود ياسين ) الشهير بشعر صدره الكث والذي هو الآخر يفتح أزرار قميصه في تلك الأيام الرومانسية للسينما المصرية التي لن تتكرر .
الزمن الهادر ينطلق بنا الى الخمارات في تلك البلدة التي احتوت على كحوليين أصبحوا صرحا في الذاكرة فمن منا لا يعرف الضحاك علوان بشيشي وياسين ملوكي . معظم الخمارات في العراق يديرها مسيحيون وايزيديون بينما شاربيها أغلبهم مسلمون معربدون الى أقصى غايات العربدة فكان منهم من يشتم الحكومة علنا أثناء سكرته ومنهم كاتب العرائض ومردان سائق السيارة وآخر مثقف يتذكر قول الرصافي ( لا يخدعنك هتاف القوم بالوطن ....فالقوم في السر غير القوم في العلنِ ) وهذه تنطبق الى حد كبير على سياسينا في سلطة اليوم الذين منعوا الخمور والخمارات لكنهم سراق محترفون. منذ ذلك الوقت والخمارات موجودة لما لها من أصالة عريقة وإله خاص منذ آلاف السنين يعرف بالإله ديونيسيس، وحتى سقراط كان يعصر نبيذ العنب لامرأته بأقدامه، وأما العراق فكان البلد الأول في صناعة الخمور وتعاطيها في كل الأزمنة والدهور ابتداءً من الخمار الأول كلكامش وسكرتهِ في حانة سيدوري ، الى الأخطل الكبير في العصر الأموي الذي قال :

إذا ما زياد علّني ثم علّني ثلاثَ زجاجاتٍ لهنّ هديرُ
خرجتُ أجرُ الذيل زهواً كأني عليكَ أميرَ المؤمنين أميرُ

الرواية تتطرق الى أرض كلكامش وأوروك( السماوة) التي ذاع صيتها في كل أمصار الكون فكان رجالها وملوكها يبحثون عن أكسير الحياة .. هي اليوم ذاتها يصل إسمها الى بقاع الارض عن طريق الأديب الشيخ عبد الحميد السماوي الذي رد بنص قصير على الطلاسم لرائعة إيليا ابو ماضي والتي تتحدث عن كيفية مجيئنا الى الحياة ومن خلقنا وعن الخلود ومعنى الحياة والوجود وعن الرب والفلسفة اللاأدرية وزعيمها (هيوم) والتي مفادها من انه( لو رمينا قطعا من الفحم الحجري في النار فقسما منه يشتعل أي يحيا مرة أخرى والقسم الآخر لا يشتعل بل يظل ميتاً ... بمختصر مفيد يجيب هيوم من انه لا يعرف هل يعيش بعد مماته مرة أخرى كما هو حال هذا الفحم أم لا؟ ..فالجواب كان لا أدرياً !) . لكنّ عبد الحميد أجاب بقصيدته من أنه يدري من أين أتى . وكل هذه جدليات مغلقة لا تأتي بنتيجة حتمية منتصرة ولكن يبقى الإنسان باحثا عن الحقيقة التي لم نحصل عليها حتى الآن ، فهل يلقى الأنسان جوابا لهذا في قادم الأزمان ؟ .
البانوراما الليغوية تدور بنا الى حيث التقاليد العراقية في عاشوراء والمواكب التي كانت عبارة عن تظاهرة سياسية ضد الطغاة فكان الشعراء يكتبون بهذا الشأن ومنهم الشاعر السماوي عبد الحسين الخطيب وأشعاره التي ظلت محفورة في الذاكرة وفي ديوانه ( نداء الجراح ) يذكر لنا موكب عزاء الجمهور في عجد موسكو الذي كان يديره الشيوعيون أنذاك . ورغم هذه التقاليد الدينية كانت بعض النساء تسير حاسرة الرأس وأكثر انفتاحاً ودلالا وغنجاً ليس كما اليوم حيث يرجع العراق القهقري رغم ان العالم أكثر تطورا وحضارة فيما يخص المرأة .
ثم تحكي لنا أجناس الفوتوغراف الساكنة في علبتها كما المومياء من انّ العراق أول من أنشأ السكك لنقل المسافرين عن طريق رصف الحجارة على الارض كي تمر عليها العربات التي تجرها الخيول في زمن السومريين وما تلاهم . ولكن للأسف تمر الدهور فاذا بهذه السكك تحمل القطارات التي تستعمل في أكبر جريمة شهدها التأريخ العراقي وهي الجريمة الشهيرة في محاولة قتل خمسمئة سجين شيوعي في القطار القادم من بغداد بعد حركة العريف في الجيش العراقي حسن سريع الذي أعدم لمحاولته الانقلابية في عام 1963 ضد مجرمي البعث ، ولكن يد القدر وبطولة سائق القطار عباس المفرجي أنقذ هؤلاء المناضلين في السماوة وتم اطلاق سراحهم في عمل بطولي وشجاع من قبل أهالي السماوة وعشائرها التي هبت لإنقاذهم من موت محقق .
قصة أخرى تسردها لنا لعبة الليغو عن الصدفة العجيبة لثلاث كازينوهات في السماوة على شاطئ الفرات والتي سميت بنفس الاسم ، مقهى علي سلمان وعلي خضير وعلي كديرة . الصدفة التي لها مدلولاتها وكيف أصبحت مثار جدل علمي في خلق الكون وكيف حصل الإنبجاس والانفجار الكوني عن طريق الصدفة. وهنا أود أن أشير لحكايات الصدف الحقيقية التي لا يمكن تصديقها ولكنها حصلت بالفعل.. حدث ذات يوم تصادم بين سيارة تكسي وماتور سيكل في أحد شوارع كندا وفي الساعة الثانية ظهرا من يوم الاثنين مما أدى الى موت سائق الماتور سايكل ونجاة سائق التاكسي وزبونه الذي كان جالسا بقربه . الماتور أخذه شقيق السائق المتوفى ورماه في كراج البيت وأقسم أن لا يقود ماتورا في حياته . لكن بعد عشر سنوات ألح القدر على هذا الشقيق أن يخرج بالماتور نفسه ويقوده فيصطدم ويموت بنفس المكان واليوم والزمن ونفس سيارة التاكسي التي قتلت أخاه ونفس سائقها ونفس الزبون الجالس بقربه.


يُتبــــع فـــي الجزء الثالـــث.....