صدام والفخ الأمريكي غزو الكويت وحرب الخليج الثانية الحلقة الثامنة عشرة


المحرر موضوع: صدام والفخ الأمريكي غزو الكويت وحرب الخليج الثانية الحلقة الثامنة عشرة  (زيارة 495 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حامد الحمداني

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 591
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
صدام والفخ الأمريكي
غزو الكويت وحرب الخليج الثانية
الحلقة الثامنة عشرة
حامد الحمداني                               24/2/2018
بدء الحرب البرية الخاطفة
بعد 43 يوماً متواصلاً من الهجمات الجوية العنيفة بالطائرات والصواريخ بعيدة المدى، استطاعت الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين إلحاق الخسائر الجسيمة بالقوات العراقية في الكويت، وجنوب العراق، بالإضافة إلى تدمير كافة المرافق الاقتصادية والعسكرية داخل العراق، أصبح الجو مهيئاً للهجوم البري، الذي أرادته الولايات المتحدة أن يكون خاطفاً وسريعاً، وبأقل ما يمكن من الخسائر البشرية في صفوف قواتها وقوات حلفائها.

 كان وضع القوات العراقية بعد تلك الهجمات الجوية الوحشية التي استمرت كل هذه المدة، وبعد أن انقطعت عنهم كافة الإمدادات الغذائية والمياه مأساوياً، حيث تواصلت عليه الهجمات الجوية وهي تلقي بقنابلها فوق رؤوسهم دون توقف.

الهجوم البري الخاطف [ حرب الـ 100 ساعة]
وفي24 شباط بدأت القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها هجومها البري على القوات العراقية  تحت وابل من قذائف المدفعية والدبابات، لم يعرف العالم لها مثيلاً من قبل، منذُ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكانت الطائرات الحربية تركز هجماتها على القوات العراقية التي خرجت من مكامنها واستحكاماتها، لتصب عليهم حمما من القنابل الفتاكة، هي أحدث ما أنتجته مصانع الولايات المتحدة الحربية.

كان صدام حسين، قبل نشوب الحرب البرية قد وضع في حساباته أن الولايات المتحدة ستهاجم على جبهتين، الجبهة الأولى تنطلق من الأراضي السعودية حيث جرى تجميع القوات الأمريكية والحليفة هناك، والجبهة الثانية من البحر، حيث تقوم قوات المارينز بإنزال بحري على شواطئ الكويت، وبالفعل قامت القوات الأمريكية بمحاولة تضليلية، لتشعر القوات العراقية بأنها تنوي القيام بإنزال على شواطئ الكويت، وكان النظام العراقي قد ركز الكثير من قواته وأسلحته على طول تلك الشواطئ، لكن تلك المحاولة لم تكن سوى خدعة، وإشغال للقوات العراقية، وعزلها عن الميدان الحقيقي للمعركة.

 فقد كانت خطة الولايات المتحدة وحليفاتها بريطانيا وفرنسا هو مهاجمة العمق العراقي من داخل الأراضي السعودية، والقيام بحركة التفافية لتطويق القوات العراقية في الكويت وجنوب العراق، والإجهاز عليها، وبالفعل بدأت قوات التحالف بالتقدم نحو الحدود العراقية، مستخدمة أحدث طراز من الدبابات التي لم تستخدم من قبل، وهي من طراز A 1  و M 1 ، والتي يبلغ مدى نيرانها أبعد من أحدث الدبابات التي يملكها العراق، وهي من طراز T72، وهكذا كان بوسع الدبابات الأمريكية إصابة أهدافها بسهولة، دون أن تصيبها القذائف العراقية، واستطاعت تلك القوات من التقدم داخل جنوب العراق.

وهكذا اضطر صدام  إلى أصدار أمرٍ لقواته بالانسحاب من الكويت، والعودة نحو الأراضي العراقية، وانتهزت القوات الأمريكية والحليفة هذا القرار لترسل طائراتها، كي تصب حممها على تلك القوات المنسحبة، منزلة بها أقصى ما تستطيعه من الخسائر البشرية، وتدمير المعدات الحربية. لقد كانت تلك العملية جريمة نكراء بحق الجيش العراقي المنسحب، دون أي مبرر فقد امتلأت الصحراء بجثث الجنود العراقيين، وكانت الآليات العسكرية تسير على تلك الجثث، في الطريق المؤدي إلى البصرة، في جنوب العراق، حيث كانت الطائرات المغيرة تلاحق الجنود المنسحبين بنيرانها الكثيفة، دون وازع أخلاقي، وهذا العمل إن دل على شئ فإنما يدل على همجية الحضارة التي تدعيها الولايات المتحدة، واستهانتها بكل القوانين والأعراف الدولية والأخلاقية، فهي لا تتوانى عن أي عمل مهما كان، إذا كان ذلك العمل يخدم مصالحها الإمبريالية، حتى ولو اقتضى ذلك إبادة الشعوب، فالمهم أن تبقى مصالحها سالمة، وتمتلئ جيوب كبار أصحاب الشركات الرأسمالية بما تنهبه من ثروات الشعوب.

هزيمة نظام صدام، وتوقف الحرب
لم تدم الحرب البرية سوى 100 ساعة فقط، ليفاجئ الرئيس الأمريكي بوش العالم  يوم 28 شباط1991 بقراره وقف العمليات الحربية، بعد أن وافق صدام حسين على القبول بكل الشروط التي تفرضها الولايات المتحدة عليه، مهما كانت تلك الشروط، فالمهم بالنسبة لصدام هو بقاء نظامه، وبقاءه على رأس النظام الذي أوصل العراق وشعبه إلى هذه الكارثة المخيفة والمرعبة.

وتقرر على الفور أن يعقد الجنرال شواردزكوف وكبار قادته العسكريين، مع كبار الضباط العراقيين الذين أنتدبهم صدام برئاسة [الفريق سلطان هاشم]، في خيمة صفوان، ومعهم توجيهات من صدام بأن لا يرفضوا أي طلب للجنرال شواردزكوف، وليعلنوا استعداد العراق لتنفيذ كل ما تطلبه الولايات المتحدة من العراق.
 أما  شروط بوش لوقف الحرب فقد كانت التالية:
1ـ تدمير جميع أسلحة الدمار الشامل العراقية من صواريخ بعيدة المدى والأسلحة الكيماوية والبيولوجية، والمفاعل النووي.
2ـ أن يقوم النظام العراقي بتقليص عدد قواته العسكرية، ومنع تسلحه من جديد.
3ـ قيام فرق التفتيش التي سيعينها مجلس الأمن لغرض إجراء تفتيش دقيق وشامل عن كل الأسلحة العراقية ذات الدمـار الشامل، وتدمير كـل المنشآت، وكافة المصانع العسكرية الخاصة بها.
 4ـ تسليم كل الوثائق المتعلقة ببرامج التسلح العراقي منذُ عام 1980وحتى هذا التاريخ.
 5 ـ عدم وضع العراقيل أمام فرق التفتيش للوصول إلى أي بقعة من العراق للتأكد من تدمير كل الأسلحة المطلوب تدميرها، ومصانعها، ومخازنها.
6ـ وضع نظام للمراقبة المستمرة، عن طريق نصب كامرات حساسة ودقيقة في كافة المصانع الحربية للتأكد من أن النظام العراقي لا يخالف الشروط التي تم بموجبها وقف إطلاق النار.
7ـ إقرار النظام العراقي بدفع تعويضات الحرب، والتي تبلغ أرقاماً خيالية.
8 ـ استمرار الحصار الاقتصادي على العراق، واستمرار تجويع الشعب العراقي إلى أن يتم تنفيذ كافة قرارات مجلس الأمن الدولي. (3)
كان استمرار الحصار، في واقع الأمر، يعني استمرار الحرب ضد الشعب العراقي،  وليس ضد نظام صدام، وبأبشع صورها وإشكالها، فحرب التجويع بلا أدنى شك هي أسوأ أشكال الحروب التي عرفتها البشرية وأكثرها وحشية، حيث يفتقد الشعب العراقي الغذاء والدواء منذُ أن تم فرض الحصار في 2 آب 1990، واستمر ذلك الحصار حتى سقوط النظام في التاسع من نيسان عام 2003 على أيدي الجيوش الأمريكية والبريطانية.

 فقد كان مجلس الأمن يجدد الحصار كل شهرين، بحجة عدم تنفيذ النظام العراقي لشروط وقف إطلاق النار، ولم يكُن الشعب العراقي المنكوب بحكامه وبالولايات المتحدة  يدري متى تقرر الولايات المتحدة أن العراق قد نفذ تلك الشروط لترفع عنه الحصار.                                           لقد خلق ذلك الحصار المجرم وضعاً مأساوياً في العراق لا يمكن تصوره، ومهما حاول المتتبعون لتلك الأوضاع الكتابة عنها فإن أقلامهم تعجز عن وصف تلك المأساة.

لقد انهارت العملة العراقية حتى وصلت قيمة الدولار الواحد إلى 3000دينار، بعد أن كانت قيمته أقل من ثلث الدينار الواحد، أي ان الدينار العراقي انخفظت قيمته 10000 مرة وتدهورت القوة الشرائية للمواطنين من الطبقات المتوسطة والفقيرة إلى ما يقارب الصفر، بل لقد زالت الطبقة الوسطى من الوجود، وتحولت إلى طبقة فقيرة معدمة، وحتى الطبقة الغنية، فقد نالت نصيبها من تدهور الوضع الاقتصادي، فلقد أصاب الحصار بناره كل أبناء الشعب العراقي  ما عدا فئة من أزلام صدام ومريديه الذين اثروا على حساب جوع وشقاء الشعب العراقي، حيث يتاجرون بقوته، ويرفعون الأسعار كل يوم، بل كل ساعة، دون وازع أخلاقي.
إن ما يزيد على 4500 طفل عراقي كان يموت كل شهر، حسب تقرير منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، وفي واقع الحال فإن هذا الرقم هو أقل بكثير من الرقم الحقيقي، جراء فقدان الغذاء والدواء.  فقد أشار تقريرمنظمة الأغذية الدولية والزراعة الدولية التابع للأمم المتحدة إلى أن أكثر من مليون مواطن عراقي ماتوا جراء الحصار منذ عام 1990وحتى عام 1995، ومن بينهم 567 ألف طفل دون الخمس سنوات، وأن  أكثر من 4 ملايين عراقي معرضين للموت جوعاً إذا ما استمر الحصار.(4)

أما منظمة الصحة العالمية فقد ذكرت في تقريرها الصادر في آذار 1996 أن معدل الوفيات بين الأطفال قد ارتفع إلى أربعة أضعاف .(5)

لقد وصفت منظمة [ أصوات في البرية الأمريكية] في رسالة ساخرة بعثت بها إلى الرئيس بوش لدى زيارتها لمستشفيات الأطفال في العراق تقول فيها التالي: { لقد اكتشفنا أن أسلحة الدمار الشامل موجودة هنا في مستشفيات العراق حيث يموت مئات الأطفال الذين دون الخامسة كل يوم  يوم بسبب الحصار. (6)
ولا بد من العودة لحديث الرئيس الأمريكي [ ودرو ويلسن] في وصفه للحصار حيث قال{الحصار هو الدواء الساكت القاتل}.(7)

ورغم كل ما قيل، وما كتب، ورغم كل التقارير الرسمية وغيرالرسمية عن الوضع المأساوي للشعب العراقي، فإن الضمير الأمريكي بوجه خاص، والغربي بوجه عام لم تهزه كل تلك التقارير، فشعب العراق لا يعنيهم أبداً، والمهم هو تأمين مصالحهم الإمبريالية في منطقة الخليج، حتى ولو مات الشعب العراقي جوعا، أو مرضاً.

إن كل ادعاءات الرئيس الأمريكي بوش في خطاباته، من أن مشكلة الولايات المتحدة هي مع نظام صدام، وأن ليس لها مشاكل مع الشعب العراقي، وانه لا يكن للشعب العراقي العداء، لم يكن سوى محض افتراء ونفاق، ومحاولة خدع الرأي العام العالمي.  فقد اثبت الأيام، بعد انتهاء الحرب، أن صدام حسين قد نجا من العقاب، واستمر نظامه المسلط على رقاب الشعب، بل ودعمته الولايات المتحدة عندما قام الشعب العراقي بانتفاضته ضد النظام في 1 آذار 1991، بعد توقف الحرب مباشرة، ومكنته من سحب قواته المحاصرة جنوب العراق لضرب وقمع الانتفاضة، مستخدماً كل ما لديه من أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية والصواريخ والدبابات والمدفعية.

لم يكن في نية الولايات المتحدة إسقاط نظام صدام، بل أرادت إذلال الشعب العراقي وتجويعه، وإفراغ العراق من كوادره العلمية التي أخذت تهرب بالآلاف من جحيم العراق، حيث يقدر عدد الذين هجروا العراق، وانتشروا في بقاع الدنيا أكثر من ثلاثة ملايين عراقي. لقد أدى صدام حسين الدور الموكول له، وتنازل عن سيادة العراق واستقلاله، وأباح للإمبرياليين كل إسرار البلاد، وترك رجال مخابراتهم يسرحون ويمرحون في طول البلاد وعرضها، وترك أبناء الشعب العراقي فريسة للجوع والمرض، فالمهم هو أن يبقى نظامه، ويبقى هو على رأس النظام.