صدام والفخ الامريكي غزو الكويت وحرب الخليج الثانية الحلقة التاسعة عشرة


المحرر موضوع: صدام والفخ الامريكي غزو الكويت وحرب الخليج الثانية الحلقة التاسعة عشرة  (زيارة 774 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حامد الحمداني

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 568
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
صدام والفخ الامريكي
غزو الكويت وحرب الخليج الثانية
الحلقة التاسعة عشرة
حامد الحمداني                                         27/2/2018
الشعب العراقي ينتفض ضد نظام صدام

عوامل الانتفاضة الشعبية ضد نظام صدام:
لم تكن انتفاضة الأول من آذار 1991 ، ضد نظام صدام وليدة ساعتها أبداً، بل كانت نتاج تراكمات هائلة لمعاناة الشعب العراقي من الحكم الدكتاتوري الذي مارسه منذُ مجيئه إلى الحكم عام 1968 مستخدماً أبشع أساليب التنكيل والاضطهاد، ومصادرة حقوق وحريات الشعب، حيث لم يمضِ يوم واحد دون أن يغمس صدام  وجلاديه أيديهم بدماء خيرة الوطنيين من أبناء الشعب، لكي يقمع أية معارضة للنظام الحاكم ولسياسته المعادية لمصالح الشعب والوطن، ولم تسلم أية قوة سياسية من بطشه، بدءاً بالشيوعيين والديمقراطيين، وانتهاءً بالقوميين والإسلاميين، بل لقد جاوز كل ذلك، ليبطش بمعظم قيادات حزبه كذلك.
 لقد سنّ صدام القوانين الجائرة التي تبيح له إعدام كل من انتمى إلى أي حزب سياسي دون حزبه،  لكي يخلو له الجو لفرض دكتاتوريته على الجميع، ولكي يصبح حر اليدين في اتخاذ كل القرارات الخطيرة التي تتعلق بمصير الشعب والوطن، فكان أن أقدم على شن الحرب ضد الجارة إيران بالنيابة عن الولايات المتحدة، وبتخطيط منها، ودفع خلالها الشعب العراقي دماء غزيرة لمئات الألوف من خيرة شبابه، هذا بالإضافة إلى تدمير اقتصاد البلاد، واستنزاف ثرواتها، وإغراقها بالديون.

وما كاد الشعب العراقي يجر أنفاسه، ليعود إلى الحياة الطبيعية حتى فاجأه صدام حسين بجريمة أخرى بإقدامه على غزو الكويت، والتنكيل البشع بأبنائها، ونهب كل ما امتدت إليه يد النظام من أموال وممتلكات الدولة الكويتية وأبناء الشعب الكويتي على حد سواء، ووجدت الولايات المتحدة ضالتها المنشودة في إقدام صدام على غزو الكويت، لتنزل قواتها، وطائراتها الحربية في السعودية، ولتملأ الخليج بأساطيلها الحربية، بالتعاون مع حلفائها الغربيين، بغية توجيه ضربة قاصمة للعراق، مستخدمة كل الوسائل العسكرية المتاحة لها، ومن أحدث ما أنتجته مصانعها من تكنولوجيا الأسلحة، لتنزل أقصى ما يمكن من الدمار بالبنية الاقتصادية والعسكرية للعراق، وإلحاق أبلغ الأذى بالشعب العراقي، وفرض الحصار الاقتصادي عليه لتجويعه  وإذلاله وإفراغ العراق من كوادره وعلمائه، والعودة به خمسون عاماً نحو الوراء، ثم أوقفت الولايات المتحدة الحرب في 28 شباط 1991، بعد أن أعلن صدام حسين كامل استعداده لتنفيذ كل ما تطلبه الولايات المتحدة، لقاء
 بقاء نظامه، وبقاءه هو على رأس النظام.
لقد ورط صدام جيشه وشعبه ووطنه في حرب كانت نتائجها محسومة سلفاً لصالح الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، وأصرّ على البقاء في الكويت، وبدا الأمر وكأن صدام يريد حقاً إنزال الكارثة بشعبه ووطنه، فلم يشك اثنان في عدم قدرة صدام على الصمود بوجه أعتى وأقوى الدول الإمبريالية، بما تملكه من أفتك أنواع الأسلحة، وأشدها تدميراً،
وهكذا وقعت الواقعة، وحلت الكارثة التي توقعها الجميع، ودفع الشعب من جديد ثمناً باهظاً من دماء مئات الألوف من شبابه، وإنزال أقصى ما يمكن من الدمار بالبنية الاقتصادية، والعسكرية للعراق، وجرى إذلال جيشه وشعبه.

لقد أوقدت تلك النتائج المفجعة للحرب نار الحقد والغضب العارم على نظام صدام لدى الجنود المنسحبين من الكويت تحت وابل القذائف التي كانت ترسلها الطائرات الأمريكية والحليفة على رؤوسهم لإنزال أقصى ما يمكن من الخسائر البشرية بين صفوفهم.

 كان ذلك الغضب العارم لدى الجنود ينذر بالانفجار ليطيح بالنظام ورأسه صدام، الذي سبب كل تلك الكوارث التي حالت بالبلاد،  وأستمر على الرغم من ذلك يتشبث بالبقاء في السلطة، وهو الذي يتحمل كل نتائج الحرب المفجعة، ومما زاد في خيبة أمل الجنود العائدين من الحرب أن قوات التحالف لم تتعرض للنظام ورأسه صدام، ولا كان في حساباتها إسقاطه، فكان لابد وأن يتحرك الشعب في ظل تلك الظروف التي أنضجت الانتفاضة، لتسقط هذا النظام الذي سبب كل المآسي والويلات للعراق وشعبه.

ثانياً:انطلاق الانتفاضة الشعبية
في اليوم الأول من آذار 1991، وبينما كانت القوات العراقية تنسحب من الكويت، بحالة  من الفوضى الشديدة، وقد تملكها الحنق على سياسة النظام الذي أوصلها إلى تلك الحالة، توقف رتل من الدبابات والمدرعات المنسحبة في وسط مدينة البصرة، واستدارت إحدى الدبابات، ووجهت فوهة مدفعها نحو جدارية ضخمة للدكتاتور صدام ، وأطلقت قذائفها عليها، وراحت تلك الجدارية تهوى متناثرة على الأرض، وهكذا نكسر حاجز الخوف من جلاد العراق ونظامه، وتفجر بركان الغضب لدى أبناء الشعب والجنود المنسحبين، والتحمت جموعهم ببعضها، وراحت تندفع في مظاهرات ضخمة لم تشهد لها البصرة من قبل ضد حكم الطاغية صدام.

 ولم تمضِ سوى ساعات حتى سيطرت الجماهير المنتفضة على المدينة، وتم اعتقال محافظها، وجرى إطلاق سراح كافة السجناء من ضحايا نظام صدام، ورغم كل المحاولات التي قام بها النظام وحرسه الجمهوري لاستعادة المدينة، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل الذريع، وأخذ لهيب المعركة يمتد كالنار في الهشيم إلى كافة أرجاء العراق من أقصاه إلى أقصاه.(1)
ففي 3 آذار، تم تحرير محافظة العمارة من قبضة النظام، بعد معركة عنيفة استمرت لمدة ساعتين، وانتهت باستسلام قوات النظام  وأخذ لهيب الانتفاضة يتصاعد بشكل متسارع ليمتد إلى مدن الكوت، والناصرية، وكربلاء، والنجف الأشرف، وعلى أثر هذا الامتداد لقوى الانتفاضة دخلت من جنوب إيران القوات الموالية لزعيم المعارضة الإسلامية[باقر الحكيم ] المعروفة بفيلق [ بدر] كما شوهدت مجموعات من حرس الثورة الإسلامية بعصاباتهم  يدخلون معها الأراضي العراقية، وكان ذلك يمثل تطوراً خطيراً للغاية على مصير الانتفاضة، وموقف الغرب منها، فقد حاولت هذه الحركة الإسلامية السيطرة على الانتفاضة والاستئثار بها، مما جعل الانتفاضة  تبدو وكأنها ثورة إسلامية، على غرار الثورة الإسلامية في إيران.

ومما ساعد على هذا التطور الخطيرفي مسيرة الانتفاضة، هو فقدان القيادة السياسية لأحزاب المعارضة العراقية جميعاً، فقد كانت معظم كوادر أحزاب المعارضة قد هجرت الوطن بسبب إرهاب النظام، ولم تستطع تلك الأحزاب أن تقدم شيئاً عملياً مهماً للانتفاضة سوى عقدها لمؤتمر بيروت وقراراته التي سرعان ما طواها النسيان.

استمرت قوى الانتفاضة في بادئ الأمر في اندفاعها، ففي يوم الاثنين المصادف 4 آذار استطاعت قوى الانتفاضة أن تبسط سيطرتها الكاملة على مدينتي [العمارة] و [علي الغربي ]، وانظم عدد كبير من قوات الجيش للانتفاضة، كما وردت أخبار عن سقوط مدينة النجف، ومدينة السليمانية في كردستان العراقية بأيدي قوات الانتفاضة.

وفي يوم الثلاثاء 5  آذار قامت لجنة العمل المشترك بنشاطات سياسية لدعم الانتفاضة تجلت في إرسال الرسائل إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة [ديكويار]، وإلى حكومات الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وإلى حكومات الجوار سوريا وإيران وتركيا والسعودية والكويت، وإلى جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي داعية إياهم جميعاً إلى الوقوف إلى جانب الشعب العراقي ومساندته من أجل الخلاص من حكم الطاغية صدام ونظامه الفاشي،  وناشدهم تقديم العون الضروري من المواد الغذائية والطبية، وأكدت تلك الرسائل على أن هذه الانتفاضة هي انتفاضة الشعب كله، بكل فئاته وقومياته وأحزابه السياسية الوطنية، وأنها تستهدف الحرية، وتطبيق حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية للشعب العراقي كافة.

وفي يوم الجمعة المصادف 8 آذار وقعت معارك عنيفة حول البصرة، بين قوات النظام وقوات الانتفاضة، وتم خلال تلك المعارك دحر قوات صدام، وإحراق 10 دبابات، والاستيلاء على عدد من الدبابات الأخرى سالمة، وتم إحكام السيطرة على محافظة البصرة. حاولت قوات صدام القيام بهجوم جديد على البصرة على المحور الشرقي مستخدمة 12 دبابة، وتم لقوات الانتفاضة دحر الهجوم، بعد تدمير 4 دبابات والاستيلاء على الدبابات الثمانية الأخرى، واستسلام تلك القوات لقوى الانتفاضة.
وفي اليوم نفسه حدثت مظاهرات عنيفة في مدينتي الموصل والرمادي، لكن قوات صدام كانت قد استعدت لها وقمعتها بقوة.
وفي المنطقة الشمالية سيطرت قوات الانتفاضة الكردية على مدينتي أربيل وكركوك، ومناطق واسعة من كردستان العراق، واستولت على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات ووقع في الأسر وحدات كبيرة الجيش.
 وفي بغداد قامت مظاهرات صاخبة في أحياء الشعلة والحرية والكاظمية والثورة، لكن قوات صدام استطاعت السيطرة على الموقف بعد أن استعملت أقسى أساليب العنف ضد المتظاهرين، وكان النظام قد كثّف تواجد قواته في تلك الأحياء تحسباً لكل طارئ،  نظراً لما عُرف عن سكان هذه الأحياء من الكره الشديد لنظام صدام.
وفي يوم الثلاثاء  12 آذار جرت محاولات جديدة لقوى الانتفاضة في مدينة الثورة أحد أحياء بغداد، إلا أن قوات صدام قمعتها بشدة.

 وفي الفرات الأوسط استطاعت قوى الانتفاضة هذا اليوم من السيطرة على مدينة الحلة، بعد قتال شرس مع قوى النظام، وجرى اعتقال جميع المسؤولين الحكوميين فيها.
 وفي نفس هذا اليوم قامت قوات النظام بمحاولة لاستعادة كربلاء، والعمارة، بعد أن مهدت للهجوم بقصف مدفعي، واستخدمت الطائرات المروحية في قصف المدينتين كذلك .
وفي يوم الأربعاء 13 آذار أعلنت القيادة السياسية للجبهة الكردستانية سيطرتها التامة على كافة منطقة كردستان العراق، وأعلنت حل المجلسين التشريعي والتنفيذي، الذين أقامهما نظام صدام، وتشكيل إدارة مؤقتة لحين إجراء انتخابات عامة في كردستان العراق.
 
حاول نظام صدام إعادة سيطرته على المناطق المحررة في محافظة صلاح الدين و ديالى بقواته التي تعززها الدبابات، والطائرات المروحية، والمدفعية الثقيلة وخاصة في محور خانقين ـ جلولاء، محاولاً السيطرة عليهما، وعلى طوز خورماتو، وتصدت لها قوات الانتفاضة واشتبكت معها في معارك عنيفة طوال هذا اليوم، وتم إسقاط 4 طائرات مروحية تابعة للنظام.
وفي يوم الخميس  14 آذار، أحكمت قوات الانتفاضة سيطرتها على كافة محافظة العمارة، وقتل محافظها، وجرى تعيين محافظ جديد لها من قبل قوى الانتفاضة، وفي محافظة بابل تمكنت قوات الانتفاضة من السيطرة على المحمودية القريبة من بغداد، وعلى المسيب، واليوسفية، وسدة الهندية، والقاسم، والحمزة، وتمكنت قوات الانتفاضة من السيطرة على كافة مراكز الشرطة وأسلحتها، وتم إطلاق السجناء الوطنيين من سجونها. وخلال معارك الحلة قتل كل من المحافظ [عدنان حسين] ومدير الشرطة [ جبر محمد غريب ] وأمين سر حزب البعث لفرع الحلة [ طه ياسين] ومدير أمن الحلة المقدم [ مزعل ].

وفي الديوانية تمكنت قوات الانتفاضة من السيطرة التامة على المدينة، وانظم محافظ المدينة إلى قوات الانتفاضة، فيما قتل أمين سر حزب السلطة[ خالد عبد الله التكريتي] كما سيطرت قوات الانتفاضة على مدينة النعمانية، وسيطرت على مراكز لشرطة، ودوائر الأمن فيها خلال ساعات رغم استخدام قوات النظام الطائرات المروحية ضد قوات الانتفاضة التي تمكنت من إسقاط 3 طائرات منها.
وفي الكوت كانت تدور معارك شرسة بين قوات الانتفاضة وقوات النظام طوال هذا اليوم، كما دارت معارك عنيفة في منطقة [كرمة على] شمال البصرة، واستطاعت قوات الانتفاضة تدمير العديد من الدبابات  التابعة للنظام، وقد دامت المعركة زهاء 9 ساعات. كما تم في هذا اليوم تحرير مدينة [ مخمور] التابعة لمحافظة أربيل، إضافة إلى قرى باكرك و ياسين أغا.
وفي هذا اليوم تعرضت مدينتي كربلاء، والنجف إلى قصف مدفعي وبالدبابات طالت الأحياء السكنية، ومراقد الأئمة التي أصيبت بإصابات مباشرة، وفتحت ثقوباً في قبابها، وفي هذا اليوم أيضاً تم تحرير مدينة [النشوة] شمال البصرة، واستسلم أعوان النظام  فيها لقوات الانتفاضة. وفي هذا اليوم أيضاً أنفجر بئران نفطيان في كركوك  نتيجة القصف المدفعي لقوات صدام واشتعلت النيران فيهما. وفي يوم الجمعة 15 آذار تم استيلاء قوات الانتفاضة على مدينتي [المشرح] و[الكحلاء]، وتم تطهير محافظة العمارة من قوات النظام تطهيراً تاماً. حاول نظام صدام هذا اليوم السيطرة على مدينة جلولاء، ودارت معارك شرسة بين قوات الانتفاضة وقواته، وانتهت المعارك بهزيمة قوات صدام، ومقتل أمر الفوج المهاجم الرائد [علي صالح الجبوري] واستولت قوات الانتفاضة على 4 دبابات سالمة. (2)

وهكذا استطاعت قوات الانتفاضة فرض سيطرتها على المناطق الجنوبية، ومنطقة الفرات الأوسط ، ومنطقة كردستان بكاملها خلال أسبوعين، وبدا نظام صدام في تلك الأيام قاب قوسين أو أدنى من السقوط .
 لكن سيطرة القوى الإسلامية على الانتفاضة ومحاولة الاستئثار بها، ورفعها للشعارات الطائفية والمتطرفة، وتدخل الحرس الثوري الإيراني، وعدم وجود قيادة ميدانية حكيمة تمثل القوى السياسية الوطنية المؤتلفة بموجب ميثاق دمشق، وضرورة رفع الشعارات الصحيحة التي تؤكد على الوحدة الوطنية، وإقامة نظام ديمقراطي تعددي، كل هذه الأمور جعلت قوى التحالف بقيادة الولايات المتحدة، وكذلك السعودية ودول الخليج تقلق من سيطرة القوى الإسلامية الموالية لإيران على الحكم في العراق، وما يسببه ذلك من خطورة على مصالحهم في المنطقة، وجعلتهم يضعون كامل ثقلهم إلى جانب نظام صدام، وتمكينه من استعادة سيطرته على البلاد من جديد.
وهكذا فتحت قوات التحالف التي كانت تطوق قوات الحرس الجمهوري في جنوب الناصرية الطريق إمام تلك القوات للعبور، بل لقد أقامت لها الجسور العسكرية لكي تستطيع التقدم نحو المناطق التي سيطرت عليها الانتفاضة، وبذلك بدأت مرحلة الانحسار للانتفاضة في 17 آذار1991.