صفحة المهى (6) من أجل عالمٍ متوازنٍ وسليمٍ وأجمل


المحرر موضوع: صفحة المهى (6) من أجل عالمٍ متوازنٍ وسليمٍ وأجمل  (زيارة 789 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل شذى توما مرقوس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 529
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


صفحة المهى / 6
           

( سلسلة صفحة المهى لأخبار الشأن الحيواني وعالم الطب البيطري  )
من أجل عالمٍ متوازنٍ وسليمٍ وأجمل
ــ إشراقات من بلادي ــ 

ليلو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ قِصَّة قَصيرة ( قِصَّة حقيقيَّة ) ــ
بقلم : شذى توما مرقوس
الأثنين 19 / شباط / 2018 م ــ الأثنين  26 / شباط / 2018 م


 ( ملاحظة : ليلو أحد الكلاب السائبة والذي تم إنقاذه من قبل الأخ حسن عبد الرزاق ضمن حملة التشجيع على اقتناء الكلاب المحلية ( السائبة ) و تبنيها وتربيتها في البصرة ...... ) .

 

ــ هل تعرف يا صديقي نوري إن رصيف هذا الشارع قد تآكل وعلى البلدية ترميمه ....
قال هذا لصديقه وهو يختبر بنظره رصيف الشارع على طول امتداد حركة السيارة ، رد عليه نوري :
ــ ليس الرصيف فقط بحاجة للترميم ، المدينة كلها تحتاج لإعادة إعمارها بعد كل هذا الخراب ، و لكن ..........
توقف فجأة عن مواصلة الحديث وداس بقوة على الكابح فتوقفت السيارة ، بينما تعالى صوت نعمان صائحاً :
ــ أحذر ، أحذر ، انتبه ، ستدهسها ، قِطَّة ، قِطَّة ...
نزل نعمان على عجل ليرى ما حلّ بالقطة ، تبعه نوري ، وأصحاب السيارات مِمَّن أضطروا خلفهم للتوقف صاروا يلعنون ويشتمون بغضب ، ثم تابعوا قيادتهم لسياراتهم عابرين إياهما  وكلٌّ يمرُّ بقربهما يصيح فيهما :
ــ مجنونان .... تباً  لكما ....
ثم يرمقهما بنظرةِ احتقارٍ وحيرةٍ من أمرهما ...
لكن نعمان ونوري نسيا كل ذلك وأنشغلا بالكائن الصغير الذي انتهى أمره بقرب عجلة السيارة ، حمله نوري في يده وهو متعجب وقال :
ــ يالله .. كنتُ أظنّها قِطَّة ....
ــ إِنَّهً جرو صغير ....
ضحك نعمان وهو يقولُ للجرو ممازحاً :
ــ أيها المشاكس الصغير ، هل رأيت ، بسببك شبعنا مسبة وشتائم ...
وضرب بأصبعه برقة على خطم الجرو الصغير ملاعباً إياه ، و عاد يكلمه كما يكلم طفلاً صغيراً : ـ
ــ أين والدتك إيها المشاكس ، ألم تعلمك إن من يعصي أمر أمه ويتجاوز نصائحها تأكله الوحوش ....
أما الجرو الصغير فكان مستريحاً بين يديّ نعمان ، ويصدر بين الحين والحين صفيراً ضعيفاً رقيقاً كطفلٍ صغير ، فقام يقلبه ويفحصه ليرى أن كان قد طاله أذىً ما ، لكن نوري طمأنه إنه بخير لأنه أوقف السيارة في الوقت المناسب .
فكرّ نعمان :
ــ ماذا يمكننا أن نفعل به ، لا يجوز أن نتركه في الشارع وهو صغير هكذا ، إنه بالكاد يمشي ....
ــ نعمان ، لنبحث عن والدته ، لعلها قريبة من هذا المكان ، وإلا ما الذي آتى به إلى هنا ....
وبعد أن أوقفا السيارة في إحدى الساحات ، عادا والجرو الصغير معهما يبحثان عن والدته ، وكان نعمان بين الحين والحين يلاعب الجرو الصغير قائلاً :
ــ دُلّنا أين والدتك أيها المشاكس ، ستحرق قلبها بغيابك ، بالتأكيد هي تبحث عنك الآن ، مسكينة ، دُلّنا على بيتك ....
وصار يُمسِّدُ براحة يده على رأس الجرو وظهره ، وبقيا يبحثان ويسألان أصحاب المحلات علّ من يدلّهم إليها ، لكن كل جهودهما كانت بلا جدوى ، فتوقفا فجأة ونظرا إلى بعضهما البعض وسألا السؤال ذاته وفي الوقت ذاته :
ــ والآن ؟؟
وللحظة انتبها للحيرة التي أخذت بهما ، وإلى عيون الجرو الصغير وهي تدور في محجريها تتفحص وجهيهما وتطلق نظرات ممتلئة بالعتب والبراءة والجمال ، فنظرا إلى بعضهما وغرقا في الضحك ، وصاح نعمان مسروراً :
ــ لقد غلبنا هذا المشاكس الصغير ، و حق السماء لقد غلبنا صاحب الكيلوات الثلاث ... سأخذه معي للبيت وسأهتم به ، ماذا أفعل ، لا أستطيع أن أتركه في الشارع لوحده .........

عاد نعمان بالجرو الصغير للمنزل ، التفت حوله كل العائلة وصارت تقلبه وتتفحصه ، والأسئلة تتوالى ونعمان يقصُّ عليهم الخبر ، لم يوافق الوالدان على إبقاء الجرو الصغير ولم يحبّاه ، وقال الوالد لنعمان :
ــ لن أسمح ببقاء هذا الكلب في بيتي .
وتابعت الوالدة :
ــ والدك على حق منذ متى ونحن نربي كلاب في المنزل ؟ ، هذا لا يجوز ، أنا أيضاً لستُ موافقة .
أجابهما نعمان متحيراً :
ــ ليبقى بضعة أيام ونرى ما سيكون من أمره ، وسأدبر له حلاً .
فأكدت والدته :
ــ فقط بضعة أيام ، لا أكثر ...
وأومأ الوالد برأسه موافقاً ، بينما التزم بقية الأبناء الصمت .
 في النهاية انصرف كل منهم لمهامه تاركين الجرو الصغير في أحد الأماكن المعزولة من حديقة الدار ، لكن الجرو الصغير تسلل إلى إحدى غرف الدار دون أن ينتبه أحد لذلك  .
عاد نبيل من تدريباته الرياضية وألقى بحقيبته أرضاً ، واستلقى فوق الأريكة فإذا بجرو صغير يقفز فوق صدره وينظر إليه بعينين حزينتين وينبح فيه نباحاً يبعث على الضحك لضعفه ورقته ، فهو ليس بنباح وإنما ما يشبه النباح ، كطفلٍ يتمرن على الكلام ويتعلم نطق الكلمات ، انتفض نبيل جزِعاً فوقعت عيناه في عيني الجرو الصغير ، وصارا ينظران إلى بعضهما ، فقطب نبيل حاجبيه وكوَّر عينيه سائلاً إياه :
ــ من أنت ؟ ومن أين جئتِ يا صغير ؟ ما إسمك ؟
ورفعه إليه وهو لا يزال يحدق فيه بتلك النظرات البريئة الجميلة  ، فأبتسم له نبيل وقال :
ــ هل أنت جائع ؟ هل تريدُ أن تشرب الماء أو الحليب ؟
لا جواب ، فقط نظرات ، وشعر نبيل بالعطف نحوه ، فأحضر له الماء والحليب وبعض الطعام ، ثم ذهب إلى والدته ليسمع منها قصة هذا الجرو الصغير ، وعاد إليه يسأله :
ــ ما إسمك ؟  .... ها .... لا أسم لك ... عليّ أن أختار لك إسماً ؟
وظل يلاعب الكلب ويفكر في إسم له ، وبعد تفكير صاح :
ــ ليلو ... سأسميك ليلو .... هل أعجبك هذا الأسم ؟
وكان الجرو الصغير ينظر إليه ويحرك رأسه يميناً ثم يساراً محاولاً أن يفهم ما المطلوب منه ، فمسد نبيل على رأسه وظهره وقال له :
ــ يبدو إنك موافق ، إذن أنت ليلو من هذهِ اللحظة ...
ــــــــــــــــــــــ

( بعد بضعة أيام وأثناء جلوس العائلة سوية عصراً لشرب الشاي )
 
ــ نعمان ، إبني ، حان الوقت لتعيد الجرو إلى المكان الذي وجدته فيه ....
تبعته الأم مؤيدة قوله  :
ــ نعم يا بني ، نحن لا نربي الكلاب ، ليس لائقاً ....
قال نعمان بهدوء وهو يرتشف الشاي :
ــ بالتأكيد سأفعل ، أنا مشغول بعملي والتزاماتي وليس لديّ الوقت ولا الرغبة لرعايته ..

أجابه والده برضى :
ــ حسناً تفعل يا بُنيّ ...
انتفض نبيل من جلسته وقال :
ــ سيبقى هنا ... هذا الجرو الصغير إسمه ليلو وسيبقى هنا ...
ــ ليس لك الحق لتقرير شيء من ذلك ، هذهِ ليست لك ، نعمان من جاء بالجرو إلى المنزل وهو المسؤول عنه وعن مصيره ، هل فهمت ؟
قال الأب بصرامة .
نظرت الأم إلى نبيل بانزعاج وقالت :
ــ لا ترفع صوتك أمام والدك أيها الولد ، الجرو يجب إعادته إلى المكان الذي وجدوه فيه وانتهى الأمر ، أي اعتراض مرفوض ..
ــ بل سيبقى ...
عقَّبَ  نبيل مؤكداً .
أخذ الغضب من الأم مأخذاً ، وهي التي لم تتعود من ولدها هذا التحدي :
ــ قلتُ لك لن يبقى .. عليك احترام رغبة العائلة ... إسمع ما يقوله لك والدك أيها المراهق ...
كرَّرَ الأب بحزم  :
ــ الموضوع ليس بحاجة للنقاش .. قلتُ  إن الجرو لن يبقى معنا ... لا أريد جدالاً .....
حزن نبيل جداً للأمر ، وقال موضحاً :
ــ لكنني أحبه وأريده أن يبقى ، أنا من سأعتني به ...
صرخ الأب بغضب :
ــ منذ أن جاء هذا الجرو وأنت تُعارض وتخلق المشاكل للعائلة ..
أغرورقت عينا نبيل بالدموع وقال :
ــ لكنني أحبه وأريدهُ أن يبقى ...
شعر نعمان بأن عليه أن يتدخل لتهدئة الأحوال فترجى والده أن يسمح للجرو بالبقاء بضعة أيام أُخر حتى يرون ما سيكون من أمره ، فكر الوالد لبرهة ثم أومأ برأسه موافقاً وأردف قائلاً :
ــ فقط بضعة أيامٍ أخرى لا غيرها ....

ترك نبيل الغرفة وهرع إلى سطح المنزل ، وبدأ بعمل بيت صغير للجرو من الكارتون المقوى الذي كان يستعمله لوضع بعض أدوات التمارين الرياضية ، وبعد أن انتهى من ترتيبه قص له باباً فيه ، وقبل أن يثبته على الأرض غطى الأرضية بأكياس نايلون سميك لأنهم كانوا قد بلطوا السطح بالقطران ( القير ) ليزداد السقف قوة وتماسكاً مانعاً أي نضوحٍ للماء داخل المنزل منه ، ثم قام بوضع حاجزٍ خشبي عالٍ على مسافة حتى لا يتلطخ ليلو بالقطران ، وبعد أن أتمّ كل هذا العمل شعر بارتياحٍ كبير وأخذ الجرو الصغير  ووضعه في بيته الذي صنعه له ، وجلس إلى جانبه يلاعبه ويقرأ بين الحين والحين عن الغذاء الذي يجب تقديمه للجراء وكيفية رعايتها والاعتناء بها ، وكل ما يتعلق بالموضوع ، كان يشعر برغبة ملحة لمعرفة كل شيء عن ذلك ..
أما ليلو فترك بيته الجديد بسرعة وقفز للجلوس في حضن نبيل يعض أصابعه تارة ، أو يسحب ملابسه أُخرى أو يُقطِّعُ في حذائه ، وكان نبيل يبتسم ويقول له مداعباً إيّاه :
ــ أيها المشاكس أحرقت قلب والدتك ، لكنني سأعتني بك ، لن أتركك أبداً ... أنت في رعايتي وحمايتي ...
 
مرت بضعة أيام وصار ليلو المشاكس قادراً على الحركة أكثر ، فعبر الحاجز الخشبي العالي الذي صنعه نبيل لحمايته ووقع في القير ، فالتصق به الكثير منه ، وحصلت خلال تلك الفترة الكثير من المشادات بين نبيل والعائلة لأنهم كانوا مصرين على إعادته إلى حيث عُثِرَ عليه ، ونبيل يحاول أن يُعيق كل محاولاتهم  ويُفشِلها ،  واستمر الحال على هذا المنوال لفترة ما كان خلالها نبيل يحاول أن يعثر على عيادة طبية بيطرية ليأخذ ليلو إليها ليخلصه من القير الذي لصق به ، وهو لا يدري ماذا يفعل لينقذه منه إذ لم تكن لديه الكثير من المعلومات حول تربية الكلاب ، فليلو هو كلبه الأول  ، وعن طريق أحد المعارف توصل لعنوان  إحدى العيادات المختصة بذلك وقرر أن يأخذه إليها في اليوم التالي ، حاول أن يزيل القير عن ليلو ببضعة قطرات من البنزين جرَّبها على مكان صغير من قدم ليلو ، لكن ليلو صار ينبح ويرفض ، فندم نبيل على عمله وقال لليلو بحنان :
ــ آسف ، هل آذيتك  يا صغير ؟
فأمسك بقدمه بحنان وغسلها بالماء وكفّ عن المحاولة وقرر أن ينتظر للغد ليأخذه للعيادة كأفضل حلّ .
وفي اليوم التالي آخر أيام عام 2017 م ، وبينما كان نبيل في ساحة الدار الخارجية يُمارِس بعض التمارين الرياضية ، نزل والده من السطح حاملاً الكلب ليلو تحت إبطه ، فتوقف عن متابعة تمارينه وسأله  :
ــ إلى أين تأخذ ليلو يا والدي ؟
أجابه :
ــ أخبرتك لا يجوز أن يبقى في المنزل ويجب إعادته إلى مكانهِ في الشارع ...
سارع نبيل إلى حيث والده وحاول أن يأخذ الكلب منه ، لكن والده صاح فيه :
ــ ماذا تفعل يا ولد ؟ ، سبق وأن حذرتك إنه ليس شأنك ، أهتم بدراستك ولا تتدخل فيما لا يعنيك ، شقيقك نعمان هو من آتى بالكلب للبيت ، وهو الذي يملك حق التصرف بشأن الكلب ، ولقد اتفقنا على إعادة الكلب إلى حيث كان ، فابتعد عن طريقي ....
خرجت الأم مسرعة من الغرفة وهي تسمع صوت زوجها الغاضب ، وبادرت ولدها :
ــ ما بك يا ولد ، لماذا تعارضُ وتُسبِّبُ لوالدك ولنا المشاكل ، هل تريد أن يُصاب والدك بالجلطة بسببك ، كلنا لا نوافق على إبقاء الكلب بيننا هل فهمت ؟ ابتعد عن طريق والدك ولا تزعجه ...
واستمر الشجار بين نبيل ووالديه ، حتى صرخت فيه والدته بعصبية وقالت :
ــ عليك الاختيار ، نحن أم ليلو ، فإن أصريت على بقاء ليلو في المنزل فلا مكان لك في العائلة ...
أشتدَّت وطأة الحزن على نبيل وتلبَّسهُ الغضب فغاب لدقائق في غرفته ، ثم خرج منها مسرعاً بحقيبة ملابسه ، و صفق الباب خلفه بعنف ، تاركاً والداه في انذهالٍ وتعجب  .
ترك نبيل المنزل ولجأ لبيت صديقه عازماً على أن لا يعود لعائلته ، كان حزيناً جداً ومتعباً وحائراً ، وفي فوضى حزنه وألمه وغضبه فاته أن يفكر في مصير ليلو الذي تركه بين يديّ والده .
أخذ الوالد الجرو ليلو بسيارته وأطلقه في إحدى المحطات ، وحين عاد في المساء كان يُخامِرهُ الأمل بعودة إبنهِ للمنزل  ، لكن نبيل لم يَعُد ، حاول الوالد الاتصال به مرَّات ومرَّات ، لكنه رفض الرد على هذهِ المكالمات الهاتفية وأهملها ، فأصاب القلق قلب الوالد وشرع يتصل بكل الأصدقاء مُستفسراً عن إبنه ، وحين عرف مكانه زفّ الخبر لزوجته فأطمأنا عليه ، وظلا يتشبثان بأصدقائه لإخباره بعروضهما وإقناعه بالعودة ، لكن نبيل كان مصراً على موقفه .
 
أخبر لطيف في مكالمة هاتفية أخوه نبيل بأمر إبعاد ليلو عن المنزل ورميه إلى الشارع ، فأظلمت الدنيا في عينيّ نبيل وشعر بأنّ أغلى ما لديه قد سُلب منه ، وسأل شقيقه بحرقة  :
ــ أين رموا به ، أين ،  ألا تعرف ؟
أجاب لطيف بحزن :
ــ ليتني أعلم لأخبرتك ، أنا أيضاً حزينٌ جداً ، لو كنتَ هنا لما استطاعوا رميه .

جُنَّ جنون نبيل ولم يعد قادراً على التفكير في حل ، صار يقطع الغرفة جيئة وذهاباً ،  وهو منغمر في حزن محموم ، والأسئلة تحولت في رأسه طنيناً  : أين رموه ؟ لماذا ؟ ماذا يأكل الآن ؟ من أين يشرب ؟ ما حاله ؟ ما مصيره دون حماية وهو لا زال جرواً صغيراً ؟ ، هذهِ الأسئلة جرته إلى الشعور بألم الأم وعمقه حين تفقد ولدها أو يضيع منها ، حاول صديقه التخفيف عنه ، لكن من دون جدوى ، وصار يفكر أين يبحث عنه ؟ من أين يبدأ ؟ عليه أن يعرف مكانه قبل أن يقع له مكروه .
اتصل بوالده وسأله عن المكان الذي رمى فيه الكلب ، لكن والده رفض إخباره وحاول أن يُغريه ببدائل عديدة فعرضَ عليه أن يُجازيه بشراءِ الآلة الموسيقيَّة التي يُحبها له إن تخلى عن فكرة تبني ليلو والعودة إلى العائلة ومتابعة حياته السابقة ، لكن نبيل رفض ذلك رفضاً قاطعاً ، وقال لوالده بأن لا شيء يرضيه غير عودة ليلو ، غير أن الوالد ظلَّ مصراً على موقفِهِ وواصلَ عرضَ البدائل على نبيل ، علَّ واحدةً منها تُصيب مِنهُ المنال . 
وكانت السنة الجديدة في أول يومها قد دارت ، والناس تحتفل ، بينما نبيل قد غرق في لجةِ حزنٍ عميق لا يعرف طريقاً للخروجِ  منهُ ، اتصلت به والدته فرفض مُجدداً كل العروض التي قدمتها له لإقناعه بالعودة دون ليلو ، بعدها اتصل به والده وحاول أيضاً إرضاءه وإغراءه بالعودة للمنزل لكن نبيل كان يبكي بحرقة وقال لوالده :
ــ لن أعود للمنزل دون ليلو ، حتى لو اضطررتُ أن أذرع شوارع البصرة شبراً ، شبراً بحثاً عنه .
أجابه والده بحنان :
ــ يا بني ، إنه مجرد كلب ، ما بك ، هل تتركنا لأجله ؟
قالَ نبيل من بين دموعه :
ــ لن أعود إلاَّ بِرفقتهِ  ، قل لي أين رميته ، أرجوك ؟
ردَّ الوالد بإصرار :
ــ لا ، لن أُخبرك ، أيها العنيد ..
قال نبيل مُعاتباً :
ــ منذُ متى وأنتَ تقسو على أولادك هكذا ؟ ما الذي جرى ، لقد عرفناك أباً حنوناً وطيباً ، لماذا تفعلُ هذا بي ؟ لماذا تعذبني ؟
رقّ قلب والده ، ونطقَ  باستسلام :
ــ محطة كراج السيارات ...
أفلتت يدهُ الهاتف ، وصار يردد مع نفسه " محطة كراج السيارات ، نعم محطة كراج السيارت ..... "  ، وهرول خارجاً متجهاً نحو المحطة  ، ثم أخذ يركض بأقصى سرعته حتَّى بلغها ، ووقف في وسط الساحة والدموع تنهال من عينيه ، ونادى بأعلى صوته :
ــ ليلو ...... ليلو .... ليلو ..
فإذا بكلبٍ يقف على بعدٍ منه ينظر إليه ويحرك رأسه يميناً ويساراً لبرهة ، ثم أخذ يركضُ باتجاهه مسرعاً إليه كالصاروخ ، وحين بلغه تشبث بساقهِ لا يريد أن يفلتها ، فاحتضنه نبيل بالقير الذي عليه وعاد به إلى المنزل ، وهو يشعر بالفرح والانتصار ، الآن هو من جاء بليلو للمنزل وهذا يعني إنه المسؤول عنه ولن يتمكن أحد من انتزاعه منه .
فرح الوالدان بعودة ولدهما إلى المنزل ، وتنازلا لأجل ذلك عن رفضهما لليلو رغم إنهما لم يكونا يُحبَّانه .

في اليوم التالي أخذ نبيل كلبه الجميل ليلو للمستشفى البيطري ، تلقفته يديّ الدكتور مجيد شهاب المشهور بحبه ورعايته للحيوانات ومتابعته لأحوالهم الصحية ، فأحاطه بكل رعايةٍ واهتمامٍ وأزال عنه ما علِقَ بهِ من قطران ، وبعد أن أتمّ عمله حمله بين ذراعيه بلطف ومسَّد على ظهره برأفة ولطف وووضعه بين يديّ نبيل قائلاً له :
ــ هذا الحيوان الجميل هو أمانة في عنقك ، عليك أن تحبه وترعاه وتهتم به وتحميه من كل أذى ، إنه مسؤوليتك أمام ضميرك والآخرين ....
ردّ نبيل بفرح :
ــ إطمئن دكتور إنه معي وفي حمايتي ، شكراً لك .

عاد نبيل بليلو إلى المنزل فرِحاً ، وهو يشعر بأنه قد أدى عملاً طيباً خيِّراً ، وبأنّه قد تعرَّف على طبيبٍ مُميّز نذر كل وقته وجهوده في خدمة هذهِ الكائنات الجميلة ورعايتها .

 

عملية إزالة القطران ( الجير ،  الزفت ) من الكلب ليلو :

https://www.youtube.com/watch?v=6ibWIefCTjI


 
مرّت  الأيام وانقلب حال العائلة فصارت كلها تحب ليلو وتعتني به  ، وكان الوالد  وفي كُلِّ يومٍ لدى عودته من عمله يُكافِئُ ليلو الذي يُسارِعُ لاستقبالهِ بقطعةٍ من الصوصج البيطري والتي كان يشتريها خصيصاً له إِذْ كانَ يُحبّها جِدّاً ويتلذَّذُ بأكلِها ، بينما كانت الوالدة تُعلِّقُ على ذلك بسرور :
ــ إنه يستحقها ، فهو كلبٌ ذكيٌ وجميلٌ ووفي ....
الكلب ليلو صار ينتمي لعائلة تُحبّهُ وتحنو عليه وتَحميه . 
 


المصادر :
1 ــ الأخ حسن عبد الرزاق .
شكراً لتعاونه وتواصله .

2 ــ الدكتور مجيد شهاب العبادي .
جزيل الشكر له .

3 ــ رابط فيديو إزالة القطران عن الكلب ليلو .

https://www.youtube.com/watch?v=6ibWIefCTjI


ـــــــــــــــــــــــــــــــ
خالص الشكر والتقدير للأخ باسم روفائيل والذي بذل جهداً في ترتيب الصور وإعدادها لتظهر بالشكل الذي هي عليه في الموضوع أعلاه .