المجموعات الشيعية وتدمير الدولة الوطنية العراقية في أوّل تجربة حكم لهم


المحرر موضوع: المجموعات الشيعية وتدمير الدولة الوطنية العراقية في أوّل تجربة حكم لهم  (زيارة 777 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل زكي رضا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 329
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
المجموعات الشيعية وتدمير الدولة الوطنية العراقية في أوّل تجربة حكم لهم


غيّب الموت ببيروت عالم الإجتماع والمفكّر الدكتور فالح عبد الجبار، ليخسر العراق والعالم العربي واحدا من ألمع مفكرّيه في هذا الجانب والذي سيترك غيابه أثرا كبيرا وفراغا سيطول ملؤه لفترة ليست بالقصيرة في هذا الحقل الهام "السوسيولوجيا"، بإعتباره علما نقديا متخصصا بالظواهر الاجتماعية وسلوك الناس لتفسير أسباب حدوثها وتطورها "سلبا أم إيجابا". ولمّا كان علم الإجتماع بحاجة إضافة الى الدراسة الأكاديمية والعلمية وكم كبير من معلومات أرشيفية، الى معايشة مباشرة وقريبة مع الأحداث والشخوص ليكون قادرا على تفسير وتحليل الظاهرة الإجتماعية "وقتها" بأمانة علمية. فأن كتاب "العمامة والأفندي - سوسيولوجيا خطاب وحركات الإحتجاج الديني" للفقيد والتي كتب مقدمتّه البروفيسور العراقي "سامي زبيدة"، تلك التي كتب في نهايتها وعن حق "إنّ الكتاب أشبه بوليمة معرفية لكل دارس للعراق أو المنطقة ، كما لكل قارئ عليم وفضولي"، يعتبر وليمة فكرية دسمة لتأريخ العالم الشيعي الواسع والمليئ بالأحداث والصراعات السياسية والتي أثّرت تأثيرا كبيرا على شكل التطور السياسي بالعراق منذ بدايات تشكيل الدولة العراقية وحتى إستلامهم السلطة بعد الإحتلال الامريكي للبلاد ولليوم، كون الراحل "عبد الجبار" قد عايش الاحداث بنفسه عن قرب والتقى بعشرات الشخصيات الشيعية وغيرها وهو يلاحق المعلومة وإن كانت صغيرة من خلال لقاءات في بلدان عدّة ولساعات طويلة في جهد واضح كانت ثمرته كتابه الموسوعي هذا. ومن خلال فضولي كقارئ ومتابع لما يجري بالوطن من خراب سأتناول خمس نقاط أثارها المؤلف في موضوعة "ميادين النزاع - الشيعة والدولة الحديثة" والتي جاءت في نهاية الجزء الأوّل "ص 109 - 116" . لنتعرّف من خلال هذه النقاط عن موقف الشيعة من الدولة كحكّام وليس كمعارضة، وإن كانوا قد نجحوا بإعادة بنائها على أسس وطنية بعدما عانوا الأمرّين لعقود ثمانية تقريبا من تحجيم دورهم السياسي رغم أغلبيتهم العددية؟

كتب "فالح عبد الجبار" في هذه الموضوعة، من أنّ المجموعات الشيعية المختلفة وفي أزمنة شتّى من تأريخ الدولة - القومية العراقية الحديثة حسب وصفه،  كان لها موقفا معارضا من الدولة. وقد لعبت خمس قضايا رئيسية وفق رأيه دورا محوريّا في تحرّك الشيعة في معارضتهم للحكومات المختلفة. وقد لخّص القضايا الخمس هذه أو "المظلوميّات" وفق الأدب الشيعي بـ "القضية السياسية، وتتركز على الغبن السياسي للتمثيل الشيعي في السلطة كمحور أوّل، و التضييق الإقتصادي أو التظلمّات الاقتصادية كما جاء بالكتاب كمحور ثان، والإنتهاك الثقافي كمحور ثالث، والمواطنة ومشاكل الجنسية والتبعيّة الفارسيّة والعثمانية كمحور رابع، والعلمنة بتقليل دور الدين عن طريق تحديث نظم إدارة الدولة كمحور خامس".

قبل الدخول في صلب المقالة علينا أن نؤكد على أمر تناوله "عبد الجبار" وأكّد عليه من خلال تفسيره لطبيعة السياسات عند الحكومات العراقية "عدا الشيعية اليوم" كونها كانت على الأقّل في العهد الجمهوري من ضمن الخطاب القومي - الماركسي ، وتمثل من الوجهة الإقتصادية إجراءات "تقدمية" "دولتية لارأسمالية". وهذه السياسة تنفي صفة الطائفية عندما يتعلق الأمر ببناء الدولة رغم طائفية السلطة وحرمانها الشيعة من تبوأ مراكز قيادية فيها. وهذا عكس ما نراه اليوم، فالطائفية السياسية وهي جزء من نظام محاصصة طائفي - أثني، صبغت شكل السلطة وطبيعتها بالطائفية علاوة على نهجها المدمّر للدولة ومؤسساتها التي تمّ بناءها في الوقت الذي كان الشيعة فيه يعانون من الأضطهاد السياسي والثقافي والأقتصادي، كما أشار "فالح عبد الجبار" اليه في كتابه.

 وسنحاول هنا تناول هذه المحاور أو المعاناة وفق العقلية السياسية والمذهبية الشيعية حسب تسلسلها وما ورد فيها، لنرى إن كان الشيعة قد نجحوا وهم بالسلطة في تغيير واقع عانوا منه لعقود،  أو لصالح تغيير واقع جماهيرهم على الأقّل والأحزاب الشيعية تهيمن على مقدّرات البلد اليوم. وعندما نقول الشيعة فأننا نعني بهم الأحزاب والمؤسسة الدينية الشيعية تحديدا، وليس الجمهور الشيعي المختلف وغير المتجانس فكريّا وأجتماعيا وأقتصاديا بل وحتّى قوميا، علما أنّ "فالح عبد الجبار" ذكر الشيعة دون حصر الإسم بالجمهور الشيعي أو بالأحزاب والمؤسسة الدينية الشيعية.   

القضيّة السياسية "المعاناة الاولى" :

لقد تناول "فالح عبد الجبار" هذه النقطة بشكل مكثّف دون خوضه بالأرقام والجداول التي تزخر بها الكثير من الأبحاث التي تناولت التأريخ السياسي للحكومات العراقية في العهود المختلفة والتي توّضح وبالأرقام ضعف التمثيل الشيعي فيها ، لكنه ركّز بشكل مباشر وهو يهيئ القارئ لأحوال العراق بعد الأحتلال الأمريكي الى قضيّة التمثيل الشيعي قبل الاحتلال بأعتبار هذا التمثيل الهزيل إضطهادا أو ما يعرف "بالمظلومية" وفق الأدبيات الشيعية لأغلبية عددية سكّانيا. فمراجعة سريعة لعدد الوزارات العراقية إبّان العهد الملكي وتمثيل الشيعة فيها يؤكدّان الى ما ذهب الكاتب إليه، فمنذ تشكيل أوّل وزارة في العراق الحديث في أيلول/ سبتمبر 1921 برئاسة "عبد الرحمن النقيب"، لم يتبوأ شيعي واحد هذا المركز الّا صالح جبر في آذار / مارس 1947، ليليه بعد ذلك ثلاث رؤساء شيعة للوزارة وهم "محمد الصدر و فاضل الجمالي وعبد الوهاب مرجان". وهذا يعني أنّ الشيعة غابوا عن مركز رئاسة الوزراء لمدة 26 سنة تقريبا!! كما أنّهم شكّلوا خمس وزارات فقط طيلة العهد الملكي من مجموع 58 وزارة. ونفس الأمر وإن بشكل أقّل حدّة ينطبق على العراق الجمهوري حتّى الإحتلال الأمريكي للبلاد. الّا أننا ونحن نتناول مفهوم الدولة وترسيخ دور مؤسساتها وبنائها، علينا أن لا ننظر الى الحالة الطائفّية بتركيز كبير. لأننا في هذه الحالة سنكون مجبرين على إجراء مقارنة بين الطائفتين "الشيعة والسنّة" وطريقة إدارتهما للبلد ومدى صلابة مؤسسات الدولة أمام النزعة الطائفية لكليهما.

أن ترسيخ دولة المؤسسات بالبلاد تطوّر بشكل طبيعي منذ بداية تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وساهم النظام الملكي ببناء قاعدة أجتماعية مدينية ساهمت خلال العقود التالية بتحديد ملامح الدولة وسماتها. وكان العراق كبلد زراعي له فائض زراعي للتصدير ما ساهم في تراكم نقدي كما أشار اليه "حنا بطاطو"، وهذا يعني أكتفاء العراق ذاتيا بالكثير من المنتجات الزراعية الضرورية. لكن إيرادات النفط تبقى هي العامل الرئيسي في رفد خزينة البلاد بالعملة الصعبة والتي ساهمت وأن ببطء في بناء البنى التحتية للبلاد. لكن تمركز الثروة كما أشار بطاطو كان عند عدد قليل من العائلات، بل أنّ "قسما كبيرا من التجارة الجارية لم يضف الا القليل الى القوّة الأنتاجية الفعلية للبلاد" ولا زال القول لبطاطو.

ولأن الشيعة يتحدثون عن المظلومية السياسية، نرى لزاما سؤالهم اليوم وهم على رأس السلطة منذ الأحتلال للآن عن ما قدّموه للبلاد وأين تبخّرت مئات مليارات الدولارات؟ فالقاعدة الأجتماعية المدينية تراجعت عهد السلطة الشيعية لصالح الريف، فتمّ ترييف المدن ومنها العاصمة بغداد للقضاء على كل أشكال المدنية ولأستمرار حالة البداوة التي يستمد منه رجال الدين الشيعة وزعماء الاحزاب الشيعية القوة والديمومة. وفي عهدهم تراجع القانون لصالح قوانين العشائر التي تمثل العصب الرئيسي لخراب البلد وهو على ما يبدو هدف رئيسي للأحزاب الشيعية التي ترجمت "مظلوميتها" الى حقد كبير على العراق كبلد. فالثروة الهائلة التي "دخلت" خزائن البلد بعد أرتفاع أسعار النفط تمركزت بيد رجال دين وزعماء أحزاب ومافيات ولم تستغل الى القوّة الأنتاجية ، هذا إن كان لنا قوى أنتاجية أصلا، فالعراق عهد الحكم الشيعي يعيش بأسوأ حالاته، وإن أردنا توخي الدقّة فأنّه يعيش عهد أنهياره. ولو أخذنا الجانب الزراعي فقط لمقارنته مع مثيله عند كل حكومات العراق "السنية" فأن أستيراد مكونات صحن سلطة بأكمله من الخارج، دلالة ليس على فشل هؤلاء الحكام بل على جريمتهم الكبرى بحق الوطن.

التضييق "التظلمات" الأقتصادي "المعاناة الثانية":

لقد وضع "فالح عبد الجبار" كطبيب حاذق مبضعه على نقطة الألم وهو يتناول التظلمات الشيعية من السلطات المختلفة "سنّية" وأسبابها. ففي نهاية الحكم الملكي في تموز 1958 كان بالعراق سبع ملّاك للأراضي الزراعية من أولئك الذين تزيد مساحة أملاكهم عن المئة ألف دونم وفق ما جاء به بطاطو منهم سنّي واحد هو "أحمد عجيل الياور"  والباقون من الشيعة وهم "محمد الحبيب الأمير و بلاسم محمد الياسين وعلي الحبيب الأمير و حسن الخيّون القصّاب و نايف الجريان وعبد الهادي الجلبي، وكان مجموع ما يمتلكة هؤلاء الستّة ما يقارب المليون دونم.
 
أنّ أسباب تظلّم الشيعة إقتصاديا لا يعود الى فقر الجمهور الشيعي والذي كانت صرائف تخوم بغداد شاهدا حيّا عليه، ولا الى بؤس الفلاحين وفقرهم في الريف الشيعي أو البطالة التي كان يعانيه شبابهم. بل يعود الى ثلاثة أمور تناولها "عبد الجبار" بدقّة. وهي، موقفهم من قانون الإصلاح الزراعي الذي جرّد هؤلاء الملاك من أراضيهم. كون هؤلاء الملّاك وكزعماء عشائريين كانوا وكما اليوم في حلف مع المؤسسة الدينية، هذه المؤسسة التي وقفت ضد قانون الإصلاح الزراعي رغم أستفادة الفلاحين الشيعة الفقراء منه كما السنة والكورد!! كما وقفوا "ضد تأميم التجارة وفرض الضوابط عليها في العامين 1964 و 1970 ، وذلك من منطلقات طائفية على أساس أن هذه الأجراءات تسعى الى أضعاف الشيعة" كما يقول "عبد الجبار" ، والأهم من كل ذلك هو التظلم "من حرمانهم من موارد الأوقاف الدينية الكافية". فهل هناك تغيير كبير في هذا الموقف والشيعة على رأس السلطة؟

أن زعماء العشائر "الملاكين سابقا" وأحفادهم اليوم هم جزء من نسيج السلطة، وبالتالي ولشراء ولائهم فأن السلطة وللحفاظ على مصالحها تغدق عليهم بالأموال والمناصب حتى أشترت منهم بقايا وطنية كانوا يمتلكونها في وقت ما. ومن خلال الخراب الكبير الذي طال جميع مناحي الحياة ومنها التجارة، فأن السلطة الشيعية وهي تفسح المجال للفاسدين بأستيراد كل ما هو فاسد شرّعت الأبواب أمام تجارة غير منضبطة، ولا تعرف الضرائب اليها طريقا . وأقرب مثال على جريمة السلطة وليس فشلها هو سياسي شيعي كبير كعبد الفلاح السوداني، ولا أعتقد أنّ العراق "السنّي" كان له وزير تجارة بهذا الكم من الفساد طيلة تأريخ الدولة العراقية. والآن نعود الى النقطة الأهم عند الشيعة وهي "موارد الاوقاف الدينية" وبدقة أكبر موارد الوقف الشيعي، والتي تضاعفت آلاف المرّات عمّا كانت عليه قبل الاحتلال لنسأل ومعنا ملايين الجياع والمعوزين الشيعة عن أوجه صرفها؟ والطريقة التي أصبحت بها العوائل الدينية بارونات في التجارة والأقتصاد؟ يقول  فالح عبد الجبار "إنّ الأستبداد يجرّد المجتمع من دفاعاته الذاتيّة الحديثة، بينما يترك المؤسسات القرابية والدينية بلا مساس. بيد أنّ للدين جذورا دنيوية: فهو يلعب دور الترياق في مواجهة الحرب والموت، والجريمة والدعارة، وهو دالّة على الهوية، ومحفّز لأعمال البر والأحسان، ومصدر للدعم المعنوي، وبديل عن الآيديولوجيات الشائهة". الا اننا نرى في العهد الشيعي أن الأستبداد الديني الطائفي لم يترك المؤسسات القرابية والطائفية بلا مساس فقط، بل عمل على تقويتها وتجذّرها على حساب الوطن والمواطنة. كما أنه لم يلعب دورا كترياق في مواجهة الحرب والموت، بل أشاع نتيجة الكراهية والحقد الطائفي الحرب والموت ببلدنا، وكان ولا يزال المغذّي الرئيسي لفشله ببناء دولة ومجتمع عاملا أساسيا في أنتشار الجريمة والدعارة. أما كونه محفّز لأعمال البر والأحسان، فأننا نستطيع مشاهدته من أزدياد نسبة الفقر وأزدياد أعداد أطفال الشوارع والدعارة وبؤس دور الأيتام. وبالتالي فأن المؤسسة الدينية "شيعية وسنية" لا يحق لها التحدث عن أعمال البر والأحسان، وبلا شك فأن أي تغيير مستقبلي للسلطة وسيادة دولة القانون ستكشف لنا عن جرائم كبرى لهذه المؤسسة وتفضح أساليبها الأخطبوطية في سرقة ثروات البلد. 

الأنتهاك الثقافي وحقوق المواطنة "المعاناة الثالثة والرابعة":

تناول "فالح عبد الجبار" هذه القضية بترابط علمي رصين، متحدثا عن أشكال عدّة من القومية العربية، إبتداءا من "نسخة ساطع الحصري الثقافية القائمة على أساس اللغة والتأريخ المشتركين، الى الأشكال الإثنية للتوجه البعثي الذي قام بعلمنة الإسلام وتعريبه، كما هي الحال مع ميشال عفلق". وأستمر "عبد الجبار" ليقول من أن التوجهات العلمانية في المشرق لعربي أنشئت لتحقيق ثلاثة أغراض في الأقل: "إستبعاد مفهوم الوحدة الدينية من خلال التأكيد على تمايز العرب إثنيا عن الأتراك وفي وقت لاحق عن الفرس، ومن أجل تجاوز الأنقسام المسيحي - المسلم في صفوف الناطقين بالعربية بالمشرق، ولإعادة بناء التأريخ لغرض ترسيخ حق العرب في أن يكونوا أمّة واحدة". وفي الحقيقة وقد أشار "عبد الجبار" لذلك أيضا، فأن المؤسسة السنية كما الشيعية كانت ضد التوجه الأول بأعتباره يشكل عاملا لتدمير المكانة المركزية للدين كما يؤكد المؤلف. وقد تطابقت وجهات نظر الشيعة والسنة في النقطة الثانية أيضا بأعتبارهم أعلى مقاما من أتباع جميع الأديان ومنها المسيحية واليهودية، الا أن الخلاف بينهما "الشيعة والسنة" ظهر في النقطة الثالثة. فتمجيد الأمبراطوريات العربية "كالأموية والعباسّية" كان من صلب السياسة الثقافية لجميع الحكومات طيلة تأريخ الدولة العراقية الحديثة وحتّى الأحتلال الأمريكي، وهذا التمجيد هو ما أستفزّ ويستفز الشيعة كون تلك الامبراطوريتين هضمتا حق أئمة الشيعة بالولاية، إذ لا ولاية بنظرهم الا ولاية آل البيت وصولا الى المهدي الموعود.

لقد كانت سنوات ما بعد الأحتلال فرصة ذهبيّة للشيعة كي يثبتوا من أن التشيع ذو أرومة عربية وهو فعلا كذلك، وأن التشيع الفارسي المتّهمون به منذ عشرات العقود ليس الا مرض في عقول أعدائهم يستخدمونه فقط لقمع الشيعة وأبعادهم عن مراكز أتخاذ القرار، وأنّ النجف ستظل حاضرة التشيّع ومنها إنطلق التشيّع الى فارس ولبنان وغيرها من البلدان. الا أننا وعلى العكس رأينا الشيعة يثبتون من خلال ولائهم المطلق للمؤسسة الدينية والسياسية الإيرانية والجهر به علانية، من أنّ ما كان يقال عنهم لحقب مختلفة أمر قابل للنقاش. لقد كانت العلاقات الطائفية الأقليمية كما يقول المؤلف "جزءا من الحقوق المألوفة قبل نشوء الأمم الحديثة" . ولكننا اليوم نرى أنّ الشيعة قد أعادونا الى ما قبل عصر نشوء الأمم "الدولة الحديثة"، بتغليبهم الأواصر الطائفية داخليا وخارجيا على مصالح البلد والشعب، فتراهم ميّالون وبقوّة لأستمرار نهج المحاصصة العددية وليس السياسية لتكريس واقع طائفي لا يمت للوطنية بصلة داخليا، يقابله خضوع واضح وصريح لهيمنة المركز الطائفي الشيعي الاول بالعالم أي إيران، حتى باتت مصالح إيران وتقدمها ونموها وهيمنتها بالمقام الاول وعلى الضد من مصالح العراق أرضا وشعبا.

 أنّ الوطنية ليست جنسية وشهادة جنسية، بل ولاء للأرض وعمل دؤوب لبناء وطن قوي قادر على الوقوف بوجه الصعوبات، الوطنية مبدأ وليس بالضرورة أن يكون إسلاميا أو طائفيا أو قوميا أو شيوعيا. والأمر هنا ينطبق على جميع ممثلي سلطة المحاصصة الطائفية - الإثنية، وليس الشيعة كطائفة وأحزاب ومؤسسات فقط. ولو جلسنا اليوم الى مواطن عراقي شيعي بسيط وسألناه عمّا حققه له الحكم الشيعي خلال خمسة عشر عاما فماذا سيكون جوابه؟

العلمنة "المعاناة الأكبر":

بدأ أوّل صراع بين الدولة العراقية الحديثة وبين المؤسسة الشيعية تعليميا، حينما بدأت المدارس الحكومية تنتشر بالبلاد شيئا شيئا ما أثّر على دور رجال الدين في سلك التعليم، ما حدا بهذه المؤسسة الى إعلان حربها والذي فشلت به ضد التعليم الحكومي الذي أنتشر خلال عقود قليلة ليشمل كل العراق ومنه المدن الشيعية المقدّسة والتي لرجال الدين فيها السطوة والنفوذ. وما أن بدأ العهد الجمهوري الأوّل حتى بدأت العلمنة تشكل تهديدا واضحا للمؤسسة الدينية الشيعية، كونها حرمتها كما أشار "عبد الجبار" من أدارتها للشؤون القانونية، ليبدأ دور أفول الدين أمام الحياة المدنية التي أستقطبت غالبية سكان المدن وأعداداً لا بأس بها من سكان الريف الذين أنتقلوا الى المدن من أجل الدراسة أو العمل. وقد شعرت المؤسسة الشيعية كما أشار المؤلف من أنّ الخطر من هذا التوجه موجّه أساسا لها، كون المؤسسة السنّية كانت مدمجة بالدولة، وأعضائها ما هم الا موظفين فيها. فقانون الأحوال الشخصيّة وقانون المرأة والإصلاح الزراعي والموقف الرسمي من إيران بعد خروج العراق من حلف السنتو، وإلغاء قانون دعاوى العشائر، جعلت المؤسسة الدينية الشيعية في مهب الريح. ما دعاها الى التحرك بسرعة للوقوف بوجه هذا المد العلماني الذي همّش من مواقعها الى حدود بعيدة علاوة على تحجيم دورها السياسي. فأعلنت عن طريق "محسن الحكيم" عدائها لثورة تموز والشيوعيين وباقي القوى العلمانية، هذه الثورة التي كان نظامها السياسي هو أوّل نظام سياسي عراقي ينهي الطائفية السياسية عمليا بالعراق. الا انّ المفارقة التي علينا التوقف عندها طويلا هي، تحالف المؤسسة الدينية الشيعية مع حزب علماني فاشي هو البعث، ودعمه والوقوف الى جانبه حتّى أغتيال ثورة تموز ومقتل قادتها وعلى رأسهم "عبد الكريم قاسم" الذي كان أوّل رئيس وزراء بتأريخ العراق يزور مرجع شيعي أثناء مرضه!!

لقد بنيت كل مؤسسات الدولة العراقية وبنى البلد التحتية في عهد أنظمة علمانية بغضّ النظر عن طبيعة تلك العلمانية والفترة التأريخية التي كانت تمر وتعيش بها البلاد في حين نرى الخراب بكل تفاصيله وهو يضرب كل شيء بالبلد عهد سلطة الأحزاب الشيعية. فالعراق الذي توقف عن تصدير النفط منذ بدأ الحصار الأقتصادي عليه الا تلك الكمية التي كانت تُنتَج بعلم وموافقة الأمم المتحدة ليذهب ريعها لصندوق خاص، أستطاع ورغم همجية السلطة وبطشها والحصار المفروض عليها، أن يعيد بناء الكثير ممّا دمّرته الحرب وتجاوز آثارها ولو جزئيا، كما أستطاع أن يوفّر ضمن بطاقته التموينية مواد غذائية بشكل كان كافيا لحدود للمواطن العراقي. أما النظام "الشيعي" اليوم، فأنه لم يفشل ببناء البلد على الرغم من الميزانيات الهائلة فقط، بل دمّر ما كان موجود منها أصلا.

 في ظلّ الأنظمة العلمانية كانت هناك حروب قوميّة بين الحكومة والكورد، ولم يصل هذا الصراع الى صراع بين العرب والكورد كقوميتين، بل على العكس كانت العلاقات بين الطرفين تتطور وتتماسك أكثر كلّما شنّت الحكومات المتعاقبة حربها على الكورد. أما الصراع بين السلطة والكورد في العهد الشيعي فقد تحوّل الى صراع بين العرب والكورد على مستوى الشارع لأوّل مرّة بتأريخ العراق، وهنا علينا عدم تبرئة الجانب الكوردي ودوره في هذا الصراع، هذا عدا عن الصراعات القومية والأثنية بين المكوّنات العراقية المختلفة. أما على المستوى الطائفي، فأنّ الصراع الشيعي السني تحوّل الى حرب ضروس ذهب ضحيتها مئات الالاف من الأبرياء، علاوة على فتحه أبواب البلد مشرّعة لتدخل دول الجوار في شؤوننا الداخلية. وفي العهد الأسلامي أرتفعت وتيرة الكراهية الدينية لتهدد بأفراغ العراق من ساكنيه الأصليين من المسيحيين.

أن النظم العلمانية حتى تموز 1979 ، قدّمت للعراق كل ما نراه اليوم من بقايا بنى تحتيّة، والنظام الديني الذي تقوده العمامة أستطاعت خلال خمسة عشر عاما أن تنهي العراق كدولة وتُفقر شعبه وترهن ثرواته لعقود قادمة. لا أدري كيف يفّكر الجمهور الشيعي وهو يرى قادته ورجال دينه وهم يهينون الوطن وينهبون ثرواته، الا انني شخصيا أستطيع ومن خلال التجربة الحيّة التي نعيشها اليوم بالجزم، من أنّ عهد الحكومات الشيعية منذ الأحتلال لليوم هو أسوأ عهد مرّت به البلاد، وأن بقاء هذه الأحزاب وهذه العمائم في المشهد السياسي لفترة أطول لا تعني الا أنهيار العراق ودماره.  لقد "عانت"  القوى الشيعية عكس الجمهور الشيعي من العلمنة لعقود مثلما تدّعي، فماذا قدّمت للبلاد من خلال الأسلمة؟

لا حل لبناء عراق جديد الا بنظام علماني ديموقراطي ، يُقبِر نظام المحاصصة الطائفية القومية الى الأبد بفصله الدين عن الدولة في كل مجالات الحياة. لنكن جريئين بمواجهتنا لهذه الأحزاب ومؤسساتها الدينية ونحملّهم مسؤولية خراب بلدنا ودماره بالكامل.

الكذّاب والميْت سواء، لأن فضيلة الحيّ على الميْت الثقة به. فإذا لمْ يُوثَق بكلامه فقد بطُلت حياته "الإمام علي" ، فهل هناك بقايا ثقة بالأحزاب الإسلامية والمؤسسات الدينية وهما ينشران في الوطن طاعون الطائفية والسرقة والنهب والعمالة!؟

زكي رضا
الدنمارك
3/3/2018