زكية المرموق،حين ترتدي فساتين القصائد (1).


المحرر موضوع: زكية المرموق،حين ترتدي فساتين القصائد (1).  (زيارة 1027 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل هاتـف بشبـوش

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 171
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)

زكية المرموق،حين ترتدي فساتين القصائد (1).

زكية المرموق شاعرة تعطّرت أوّل نسيمات روحها بعذوبة بحر المغرب ثمّ اصطفاها القدر وإمكانية الإبداع أن تغتسل بماء دجلة والفرات حيث زارت العراق في مهرجان المربد وكان لها صدى هناك . زكية المرموق استطاعت أن تقسّم شطري الحبّ إلى شطرين، حبّ النّاس وحبّ امرأة نعشقها حدّ الجنون أو رجل تعشقه المرأة حدّ الهيام والخبل . شاعرة ومترجمة إلى الفرنسية صدر لها حتّى الآن أربعة دواوين ( أخرج إلى النهار،المشي على الماء وأكثر،كل غياب وأنت قريب،سيلفي مع ظل بعيد ) وخمسة أخرى قيد الطبع . شاركت في العديد من المهرجات الدولية في العراق،الأردن،تونس،مصر،الجزائر .
زكية المرموق هي الزكية تصرّفا وروحا وهي المرموقة شعرا وأدبا خالصا . زكية استطاعت أن تشقّ طريقها في حبّ الحياة والشّعر بنجاح دون الإنصات إلى أعاصير الرّيح المخادعة،الحياة بالنّسبة لها هي الأذرع التي تشكّل هيئة طيران الحبيبين أمام عباب البحر كما في فيلم تايتانك لكي يرسمان السرمدية للعشق الإنساني، فلا المال ولا ما يدّخره المرء من نفائس يمثّلان الحياة . هي من أولئك الذين ناموا على جهة اليسار وتركوا اليمين إلى أراذل الجشعين . لا تجامل لو أرادت العثور على البصيرة والتّنوير لنيل الحقيقة،هي الشّخصية الهادرة والضاربة في النّثر الجميل،هي الفنار والمنار والبوصلة للكثير من محبّيها،لما فيها من قابلية استقطاب شعريّة تحسد عليها . زكية كامرأة شاعرة لو مسكت الإبرة لاستطاعت أن تخيط ثوب العرس فحسب وتترك الكفن للمختصّين (( الإبرة الواحدة تخيط ثوب العرس والكفن ... رسول حمزاتوف)) .
زكية المرموق مع كونها شاعرة فهي الأمّ الحنون وهذا يعني لها من القلب الذي بمستطاعه أن يكون فنتازياً مخيالاً باذخا وفي نفس الوقت رؤوفاَ ومسامحاً كما يقول الممثّل الشّهير كريستيان بيل (العالم ليس مثل أمّك ..تغضب عليها وتصرخ في النّهار وفي نهاية اليوم تناديك للعشاء،العالم سيتركك تموت جوعا) .
زكية قدمت عروضا نثرية متجاوزة فيها خلطة من المواعظ والحكم والواقعية والاستعارة والفاكهة الشعرية و أطياب المنى والسلوى وحلاوة الحرف والفنتازيا التي لابدّ منها لكلّ شعر. زكية رسمت الجمال الشعري الأبدي الذي ظلّ ينظر إلى نفسه في مرآة مثلما تنظر هي كإمرأة في لحظات التزويق والتجميل والمانكير والدلال عند الهيام بالذات أو عند التّحديق في جمالات الجسد والإنصات لما تقوله الأنا العليا حوله،أو عند التعطير بالديور أو أيّ ضوعٍ فرنسي. علاوة على ذلك هي ترفع أعلام الحيف والقهر للبائسين والجياع في العديد من نصوصها متمنية لهم وطناً يحملهم على أكفّ الراح، لنقرأها بهذا الخصوص في نصّ(علبة كبريت مبللة)...

على كرسيٍ أحادي اللغة
كان الوطن يجلس وحيدا
يعاقر أمسه
مع بيانو يعاني من حول في الصوت
من إفراط في الإفرازات العاطفية
يجهش بخيانة المخرج
يحدث النازحين من وراء الزجاج
دون أن يكلمهم.
بينما تعد العاشقة سعفها وسادة
للشيوعي العائد من أرصفة اليأس
لكن البذلة لم تكن على مقاس الضوء
ولا المنجل يتكلم لغة الفلاح
والمطرقة أفلتت من زند العامل
أيتها الكأس
لك أن تدفني الطلاء الأحمر
في يتم الصورة
ولك أن تعدي العواصف على شفاه
القادمين
ولي رتابة قاعة الانتظار
وعلبة كبريت مبللة .

حينما يكون الشّاعر صريحا يكون أكثر سطوعا وبهاءً،يكون قد أطلق العنان لكلّ الكلمات البوحية التي سوف تتوالى من دماغه،على سبيل المثال ( عاشقة،شيوعي،منجل،مطرقة) كلها كلما تترادفية نابعة من وطنية الشاعرة وانتمائها، حتى لو كان الانتماء لمجرّد أن تقوله في الكلام السردي فأنا لا أعرف بالضبط ما هو انتماء الشاعرة زكية ولم أسألها يوما ولكنّني أدرك علاقتها بحبّ النّاس والحياة وتراب المغرب من خلال ما تقوله في بوحها الشاعري الطاغي أنوثة ًوغنجاً مترفاً عكس ما نراه في من يحاول أن يطمس الحقائق فنراه يستبدل الجمال بالقبح ولكنّ هذا حتما لن يستمر بل سيزول عاجلا أم آجلاً،وهناك من لا يستطيع التّصريح بحقيقته الكاملة فيقول أنا علماني أو يساري،وهناك من يتزلّف ليشوه الجمال،مثلما قرأنا الطبعة الأخيرة من ديوان محمود درويش،حيث رفع الناشر كلمة الشيوعية من أعظم بيت قاله شاعر عربي الا وهو محمود درويش بحق الشيوعية حيث يقول البيت الأصلي لمحمود من قصيدته المعروفة والشهيرة ( بطاقة هوية..)
أنا من قرية عزلاء منسية/ شوارعها بلا أسماء/ وكل رجالها في الحقل والمحجر/ يحبون الشيوعية / فهل تغضب /سجل أنا عربي .....
الناشر المتزلّف رفع هاتين الكلمتين ( يحبون الشيوعية) الذي أربك القصيدة وجعلها عرجاء من دون مضمونها الأصيل الذي يعطينا انتماء الشاعر محمود درويش وعقيدته مثلما تدلنا نصوص زكية المرموق على إنتمائها الحقيقي للحب والوطن والأسرة والصديق والروتين ودوامة الرتابة القاتلة رغم ما فيها من الدواخل التي لو اتقدت لأصبحت كشعلة حب المجوس الأبدية،لكنها للأسف ولشدة اليأس أحيانا نراها كما عود الثقاب المبلل الذي لا ينفع في المطبخ لطهي طعام العرائس والأفراح ولا في إشعال الحرائق لغرض الدمار والتخريب .
زكية من يراها بقامتها الفارعة الشقراء يخيّل إليه من أنها تعيش حياة مترفة ناعمة تنتمي الى ربات الخدور لكننا حين نقرأ ما تحت السطور نرى نقيضا لذلك تماما ...
كأس
وطاولة
وأنا لا شيء
وسط الأشياء
أحتسي الحزن
والعطش
وأبيع غدي على الرصيف
كي أصير لا أحدا

صيرورة محيرة بلا مستقبل يلوح في الأفق مثلما نشتهيه،بلا تقدّم حاصل وسط هذه المتغيرات في الحياة التي لم ترضخ لمطالبنا، فترانا على الدوام لا نشرب غير الحنظل والأسى ونحن جالسون بثرثرتنا حول الطاولة التي أصابها الأنين من كثرة شكوانا ونحن في المقاهي المشرفة على أرصفة السابلة التي نتماها فيها ونضيع بين الحشود كحال سائر البشر الذين لو أطلعنا عليهم لولينا إدبارا أو بكينا دما بدل الحسرات التي تتفصد في الحناجر.  وبين هذا وذاك نراها وسط التيه والضبابية التي لا تؤدي إلى برّ الأمان،بل إلى حياة معقدة تسوء أكثر وأكثر في عالم يتجه نحو الصراع الكوني الذي ربما يؤدي إلى الفناء والعدمية وحرب عالمية أخرى من أجل المصالح الجيو سياسية . وفي خضم هذا الهلاك نرى الشاعرة زكية غير بعيدة عن هذا الصراع فهي التي تحسّ وتتألّم وما من دواء غير الكتابة والبوح فهما المتنفس الوحيد و إلاّ فهي غرقى لا محال كما نرى أدناه في الشذرة الزجاجية :


امتلأ البحرُ بالزجاج
وليس بيدي غير سفينةٍ
من ورق

الكاتب الروسي ليف تولستوي قال في بداية روايته "آنا كارنينا ": ("كل العوائل السعيدة متشابهة في سعادتها،بينما العوائل الحزينة كل منها حزينة بطريقتها"،وللناس حكايات وكل حكاية هي عالم بحاله) . أما حكاية زكية المرموق فهي تتلاءم قولا وفعلا على حالة العراقي الذي يعيش وسط شظايا المفخخات التي هي بمثابة الزجاج لدى توصيف الشاعرة ( امتلأ البحر بالزجاج ) وليس للعراقي أيّ درع يقيه من الموت سوى صدره العاري ضدّ الرّصاص فهو ميت لا محال وإذا نجا فهي مشيئة الصدف والعجب العجاب . وتظلّ الشاعرة في دروبها المغلقة أو المطلة على هاوية الأحزان وكلما فتحتْ بابا ترى بابا آخراً يتوجب فتحها . لنشاهد زكية وهي في زمنها الموصد .... زمن اللاّحب :

لماذا كلما فتحت كتابا عن الحب
تطل علي ياكامي مستهزئا
أعلم أن هذا زمن اللاحب
وأني الغربية في اللوحة
لكن دعني أحلم قليلا
.......
البحر الآن لم تعد تحرسه الشمس
ولا النوارس
ماذا تريد منّي يا ألبير؟
هل أبيع كتبي في شارع المتنبي؟
هنا لا أحد يشتري الكتب اليوم
يفضلون المهرجانات الراقصة أكثر
ليأكلوا صدر هيفاء البلاستيكي
ومؤخرة لوبيز السحرية
مع كأس من الكبت الأحمر٠
سأرمي كتاب دوستويوفسكي
الجريمة والعقاب
فكل الجرائم لا يطالها العقاب الآن
من يقتل من؟
لا أحد يدري ٠٠٠
من يقتل من؟
لم لا نرحل إلى كوبا
ننتظر هناك في الجبال جيفارا
هو خبير في تنقية السوس من القطيع
ولنتصل بغاندي بقدميه النحيلتين
وسواعد شامي كابور
سيُغسل البحر من آثار الدم
وكل هذا الإعصار

نصّ ثقافي بامتياز فيه الكثير من الشخصيات التي هزت الضمائر في وقتها وعلى اختلاف أعمالهم وشهرتهم ( البيركامو،ديستويفسكي،جيفارا،غاندي ) ثمّ عالم التمثيل وصدر الدلوعة هيفاء وهبي وعجيزة لوبيز،الصدر العاري أو المحصّن قد أخذ الكثير من إبداع الرسام العالمي إيغون شيلي . أما العجيزة فغالبا ما تحرص النساء في الاهتمام بعجيزاتهنّ لما فيها من وقعٍ عظيم في الإثارة وتناسق الجمال مثلما عجيزة المغنية ميريام فارس أو الممثلة جنيفر لوبيز والتي يطلق عليها بالعجيزة الكمثرى وهناك مسميات أخرى للعجيزة حسب أشكالها ووقعها الموسيقي أثناء سير المرأة وحركة أقدامها وهذا ما نراه جليّا في المهرجان السنوي العجيب للعجيزات العارية تماما في البرازيل حيث تعرض آلاف النسوة عجيزاتهنّ في الشّوارع بلا كلسونٍ ولا حتّى ورقة توت سوى التلوين الذي يعطيها أديماً إلهياً يجبر الرّقاب المليونية الناظرة من الرّصيف أن تلتفت صاغرة ً فاغرة ً فاها ... حتّى صرختُ أنا كاتب المقال ...يا ربّ الخلق هات لنا صبرا ...أعطنا مصلاً ضدّ اندفاع الشّهوة والغريزة ..فهات ...هات ...يا ربّ جنيفر لوبيز .

يتبـــــــــــــــــــــــــــــع في الجـــــــــــــــــــــــــزء الثانــــــــــــــــــــــــــــــــــي