زكية المرموق ، حين ترتدي فساتين القصائد (2)


المحرر موضوع: زكية المرموق ، حين ترتدي فساتين القصائد (2)  (زيارة 538 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل هاتـف بشبـوش

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 165
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


زكية المرموق ، حين ترتدي فساتين القصائد (2)

 

هذا الزمن ميت منذ فترة ليست بالقصيرة، حيث المنحى في تفضيل الراقصات وعارضات الجسد على الثقافة والأدب . عهد حركات التحرر لم نعد نسمع به كما كان سابقا ، لقد تحطم على يد الآلة التكنولوجية المتوحشة والمتفوقة بشكل كبير على كل البطولات التي تظهر ، وإذا ما ظهر شخص يعيد تلك الأمجاد التحررية يختفي فجأة وعلى حين غرةٍ كما حصل مع الرجل الثوري الفنزويلي ( تشافيز ) لقد غيبه الموت وهو في بداية قمة الثورة والتحرر . الشعوب العربية كل همها هو الإتصال ببوابات السماء علّها تجد طريقا للخلاص ، متصورة أنها تستطيع تحقيق الانتصار بالاعتماد على القوة الخارقة للرب ، لكنها نسيت أنها كمن يحارب بالسيف جيشا عرمرما متسلح بأحدث ما وصلته التكنولوجيا في حرب النجوم ، بحيث أن الطرف المدجج بالتسليح لا يقتل حامل السيف ، بل يظل يسخر منه مقهقها دون قتله . هذا هو العالم الجديد ولفترة طويلة سوف لا يشهد رجالا على غرار من رفعوا رايات السلام حتى بلغوا النصر من أمثال مانديلا ، لومومبا ، عدا مايفعله زعيم زيمبابوي بين فترة وأخرى وآخرها حين سخر من الرئيس الأمريكي اوباما الذي كان سعيدا بتشريع قانون زواج المثليين الرسمي وفي الكنيسة ، فرد عليه العجوز ( موكابي) ساخراً ، تعال هنا وإقبل زواجي منك كي نفعلها عمليا . هذا هو العالم الجديد البعيد عن كل لحظات الرومانسية التي كان يجسدها الجميل الهندي الراحل شامي كابور في (مومباي هماري مومباي) ، أنه عالم الدم المتخثر ومامن غسيل يستطيع إزالته من شوارع الإسفلت كما يحصل في عراق القتل والذبح . انه العالم الذي يجبرناأن نكتب ولانعرض كتبنا للبيع في شارع المتنبي الاّ في حالات التضور جوعاً بل نقتني منه كي ندين بلا هوادة ولا توقف عهر هذا الزمن المتردي كما فعلت زكية حين أصابها داء الكتابة والإنفصام عن العالم الخارجي لحظة البوح الذي نقرؤه أدناه :

أن تصاب بالكتابة
هو الخروج منك إليك
حالة انفصام بينك وبين الأشياء٠٠٠
هي ٠٠٠
صوت الناي إلى الروح٠٠٠
استمالة الماء للريح٠٠
مغازلة المرايا للصور
وكلام الصور للجدران
هي٠٠٠
ضوء هارب من النسبي إلى المطلق٠٠
حدبث الصوت للصدى٠
الكتابة٠٠
هي تعويض الحياة بالقافية...
حالة عشق بين الغموض والتأويل٠٠٠
خلوة بين المعنى واللامعنى٠٠٠
قلق المكان من الدهر٠
أن تكتب يعني
أن تطوع غيمة عصية
وعذراء
حتى تخضر حروفك
ويرقص المطر٠


الشعر هو ذلك الجنس الادبي الذي يرتكز الى فهم جدلي برّاق للاممية والتراث الايجابي ، هو العصارة الكلماتية التي تخرج من عمق زكية المرموق وتشكل أواصرها القوية مع الجماهير ، هو التجربة الذاتية لزكية بكونها عضوا فعالا لا ينفصل عن التجارب الموضوعية للحشود العامة . الشعر هو ذلك الضرب الفني الذي له القدرة على عكس الواقع والخيال في آن واحد . هو ذلك الممر الخرافي الطويل العريض الذي تمرق فيه زكية المرموق بوشاحٍ أبيض وكأنها تفتح لنفسها فيه آفاقا مستقبلية رومانسية عن طريق جمالية التوظيف .هو التشكيل البوحي اللامنهجي الذي يستنهض تواريخ الشعوب بما يمور فيها من صخب واهتزازات وصراعات ولواعج الشاعر الذي عاش مع ازمة حبٍ او غوايةٍ عاصفةٍ طارت به الى سحاب الكمد والجنون . لنحدق في عيون زكية المرموق والحب والآيروتيك الذي تراه بعينيها لابعيني غيرها في ( حب دون دسم ) :

اريده حبا لايت
ينام ساعات قليلة
يلعب الكولف مع الفراش
يدخن الكتب
لا يخفي الهالات السوداء
بنظارات صينية الحلم
يرفع قصيدة في وجه الخمير السود
يعري انا كارنينا بسيجارة
كلما صاح قمر
حي على القبل
حافيا يمشي على جسدي
غاندي ولا يتعثر
يغسل قيسا من درن الأعراف
والأزقة من الملل
يخطف قلبي كقرصان
اريده حبا يعشق الغابة
لايهوى القنص
لا يلوح بعصاه
كلما سقط نهد في الكأس
وكلما غنى ساق
في ترحالٍ قصير

حب لايت ، هذه العبارة والحق يقال إنفردت بها الشاعرة المبدعة زكية ، حب لايرفع لها نسبة كل ما يؤدي بها الى تهالك الجسد فهي أساسا متعبة قهراً وألماً على ماتراه بيئياً ومجتمعياً . هذا الحب ليس سوى في قلب الشاعر ، الشاعرة أو الشاعر يعشقون على سليقتهم وحينما تكون النساء بفساتينها البيضاء و بضوئها الأخضر الملوّح والحالم ، هاهنا أنا فيمكنكَ المجئ ياحبيبي . حينما تكون النساء على الشبابيك واقفة تلوّح أنني أختلسُ النظر اليك ، حينما تكون النساء بأشد الحاجة الى فتح الزيق المشاكس عنوة ً وتحدي ، حينما تكون النساء بأحر من الجمرالى اللقاء المرتقب ، لقاء الوصال الخطير الذي يشعل النار في الجسدين بلا خجلٍ بعد بلاءٍ وعنا. اما إذا سقطت الغضاضة في الكأس ، هذا يعني ان خمر الحب والغرام قد وصل سويداء الكبد ولضى العين الشاردة في رؤياها الى جمالاتها السكرى عبر زجاج الكأس . أما إذا غنى خلخالها فلتسكت أجمل اللحون ، لتسكتُ أحلى الأناشيد في الغابة الأجم بكل كناريها وعصافيرها ، لتصمت كل الأصوات النشاز في أرض أوطاننا التي لا تعرف غير حصاد الذل والخنوع والطاعة للمولى . هذه هي الحياة التي وصفتها زكية والتي انبثقت من السواد . أي انّ الشقاء والحزن لدى بني البشر منذ قابيل وهابيل ونوح ونشوء الخليقة وما جاء من خزعبلات وأساطير هو الأصل وماتلاه فهو فروع منه مثلما نقرأ الآتي :
صدق الغراب
وكذب الفراش
أصل الألوان سواد
وما تبقى
زاوية نظر

حرص الإنسان أن يعطي لكل لون معناه ، اللون الأحمر من بداعته خُلِقَ الود والهيام فعلى اللطيف أن يلطف . والأصفر من نكهته صنعت الغيرة والآلام وعلى الرئيف أن يرحم . والأبيضُ عفة ، بل نكهةُّ وغرام ، وعلى الشريف أن يعطف . كل هذه الألوان شكلت لنا الجمال القزحي في الأيام المشمسة الماطرة . في كوستاريكا شيدوا مكانا خرافيا يحتوي جميع الورود بألوانها القادمة من الأزل وأطلقوا عليها بالحديقة الجوراسية ، ولكن مهما فعل الإنسان من جمال للطبيعة وبنى وعمّر نراه يتراجع القهقري ويصيبه النكوص من جراء الصراع الطبقي الدائم لأجل المصالح ، أي ان السوداوية ترجع من جديد بألوانها السائدة منذ الأزل والتي لاتفارق أي أمة من الأمم ...وعلى وجه التحديد الأمة العربية التي هي أكثر الأمم تقلبا وهيجانا وتغييرا في الموازين مثلما شعرة معاوية التي قصمت ظهرالإسلام ومفاهيمه وظل مشوها حتى اليوم . لنرى الشاعرة زكية التي إتخذت هذه الشعرة للتورية العالية في نصها أدناه ( شعرة معاوية) لغرض التعبير فيما تريده بشكلٍ آخر يصب في المعنى الذي نقول عنه في قلب الشاعر وياما في السواهي دواهي :


هو لازوردي الطعم
حب صاخب لا يخشع للندى
ولا يعيد الفصول
يلبس سروال جينز لا منتمي
قميصا مفتوح الحلم
وقبعة جيفارية الاهواء
ندخن معا صخب الصعاليك
ونصطاد أفكارا شاذة
ونحن نرقص في كأس الطانغو
نشعل شعرة معاوية
نطهو عليها عشاء الفقراء
قبل أن تغسلنا الكوكاكولا
من رائحة الجنوب
أو تضعنا في المزاد العلني
تحالفات بكيتية
هاربة في الريح٠


شعرة واهنة اذا ماقطعت فانها تنهي كل شيء بين تأريخ مضى وتأريخ لازال مشتعلاً في الحروب رغم مايتخلله من حب صارخ يجسد لنا مدى الحيوية والنزق للشباب الطافح بين الخشب الداكن في البارات والموبيليا الثقيلة ، فتية وفتيات يزدهون بالساتان والمخمل ، يرتدون الجينز المهترئ تضامنا مع الفقير ، يجعلون من الستائر والشراشف زيا حديثاً وموضة ، يسألون عن نوع النبيذ ، وعن اللازورد المختفي في تركيز كحوله ، والزبد الذي يفيض على جنبي الكأس ، وهناك من يسال النادلة ببسالة الشجعان ، عن ولاّعةٍ كي يشعل بها شعرة رجلٍ أيقظ الفتنة بين الأخوة المتسامرين ، أو يحرق بها لحية رجل خبيثٍ كان يقود الفتنة في الليل بإحدى زوجات النبي . شعرة أخذت شططا كبيرا من التأريخ منذ ذلك الوقت الذي صالت به البداوة وأحرقت الأخضر ثم اليابس ، حتى عولمة هذا العصر بشهرة الكوكا كولا ، لكي يندثر الفقيرالصاعد من الجنوب في مهب الريح القادمة من شياطين هذا الكون الإمبريالي وإستغلالهم لمقدرات هذا الحب الذي من شأنه أن يرفع راية الجمال ، حب يجعلنا نتمسك بالشكوك لا باليقينيات والنصوص التي من شأنها أن تذبحنا ونحن متفاخرون بالرب دون أن نفهم المعنى . لنقرأ الشاعرة وما تقوله عن اليقين :



يتبــــــــــع في الجــــــــــــزء الثالـــــــــث