قرية عين نوني الاشورية .. نبذة تاريخية وجغرافية مختصرة


المحرر موضوع: قرية عين نوني الاشورية .. نبذة تاريخية وجغرافية مختصرة  (زيارة 859 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Edison Haidow

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 594
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كتابة / أديسون هيدو

عين نوني , ( الأم والوطن والحبيبة ) موطن ألأباء والأجداد ومرتع ألصبا وألشباب , كيف أنساها وهي مسقط رأسي ؟ , كيف أنساها وهي الأرض ألتي حضنتني , وتكحلت عيناي برؤية جبالها وواديها وسمائها ومعالمها الطبيعية الساحرة ؟ , كيف أنساها وقد تغلغلت في رئتي أنسامها , وفيها لعبت بين أحجارها وبساتينها وروابيها وينابيعها ونهرها الصغير ؟ كيف أنساها والشوق ينازعني أليها دوما للقائها ؟ كعاشق ولهان متلهف للقاء حبيبته , أنه الحنين !! ذلك ألعشق ألصوفي وسر ألأسرار ألذي يفيض بي من حين لحين ويأجج ألذكرى في نفسي ويؤرق ما في دواخلي , كيف لا وأنا اعيش في موطن قطبي أرتحلت أليه مكرهاَ , أعاني فيه كما غيري ( رغم العيش الرغيد ) مرارة ألأغتراب وحسرات ألمنافي , معاناة تمتد فيها آلام غربتي على مسافات ومساحات من الزمن مابين الوطن والمهجر , فأجسد معاناتي تلك حروفا وصورا وسجلا من ألذكريات ألتي لم يبقى لي شيئاَ سواها .
ذلك الحنين , وذلك العشق الأبدي الى قريتي عين نوني قادني أن أكتب هذه ألنبذة ألتأريخية المختصرة عنها ...

عين نوني وهذا أسمها ألأصلي , قرية آشورية موغلة في ألقِدَم ينتمي أهلها ألى كنيسة ألمشرق ويتكلمون أللغة ألآشورية , اِلا أننا للأسف لا نمتلك معلومات دقيقة وموثوقة عن تأريخ ألقرية وكيف ومتى جرى أول أستيطان لها . لها كنيسة تسمى ( مار ساوا ) تيمنا بألقديس ( ساوا ) أحد شهداء كنيسة ألمشرق ألذي يعتبر شفيع ألقرية , ومزار للقديسة ألشهيدة ( مارت شموني ) على مقربة من ألكنيسة , وعلى ألرغم من أن مار ساوا أستشهد في ألقرون ألأولى للمسيحية اِلا أن تأريخ تشييد ألكنيسة مجهول تماما , ويزعم ألبعض أن عمرها ستة قرون ولا يمكننا تأكيد أو نفي هذا ألزعم .

أن ألأسم عين نوني هو ألصيغة ألمجزومة ل ( عينا د نوني ) طبقا لأحدى قواعد ألجزم ( كَذاما ) في أللغة ألآشورية , اِذ تُقلب حركة ألفتح في لفظة ( عينا ) ألى زلام طويل ( زلاما قشيا ) وأسكان ألنون بعد حذف ألف ألأطلاق ودال ألأضافة فيصبح ألأسم ألمركب ( عين نوني ) أي عين ألسمك . وألعين هنا معناها عين ماء أي نبع ماء , أذ أن للعين معنيين كما هو معروف , وعين ألسمك هنا أشارة ألى نبع كان يكثر فيه ألسمك قديما حسب المتوارث من الحكايات ألذي تتناقله ألأجيال في ألقرية . وقد جف ألنبع أو ردم , ألا أن عينا أخرى من بين ألعيون ألعديدة التي يستقي منها أهل ألقرية مازال شاخصا بألقرب من ألموضع ويطلق عليها ( عينا د عومرا ) أي عين ألكنيسة نظرا لقربها من موقع كنيسة مار ساوا .

ينتمي أهالي قرية عين نوني كما ذكرنا ألى كنيسة ألمشرق الاشورية , ولم يتحول ألى ألمذهب ألكاثوليكي اِلا عدد قليل من ألعوائل لا يتجاوز عدد أصابع أليد ألواحدة . وقد أنجبت ألقرية ألعديد من رجال ألدين من شمامسة وكهنة . وبرواري بالا كما هو معروف أبرشية أسقفية قديمة مقرها قرية ( دوري ) ألواقعة شرقي عين نوني بمسافة قصيرة . وقد شغر ألكرسي ألأسقفي لهذه ألأبرشية عام 1976 بوفاة آخر أسقف لها من عائلة ( ياوآلاها ) وهو ألشهيد ( مار ياوألاها أندراوس ) الذي أغتالته حكومة البعث الفاشي , وظل هذا ألكرسي شاغرا حتى عام 2000 حينما رُقي ألقس خامس يوسف وهو من قرية عين نوني ألى ألدرجة ألأسقفية وأطلق عليه اسم ( مار أسحق خامس ) كأول أسقف لأبرشية برواري بالا ونوهدرا من قرية عين نوني , اِلا أن ألأسقف ألجديد لم يتخذ من قريته مقرا لأسقفيته بل مدينة ( نوهدرا ) دهوك .

لقد مرت على عين نوني أوقات عصيبة وتعرضت ألى كثير من ألظلم وألتعسف كباقي ألقرى الآشورية ألأخرى في عهود مظلمة وحلت بها نكبات وكوارث عديدة نشير ألى بعضها ..
ففي صيف عام 1946 رزئت ألقرية ومعها ألقرى ألآشورية ألأخرى في ألمنطقة بمقتل أحد أشجع أبنائها وأكثرهم فطنة على يد عصابة من ألقتلة ألمأجورين تنفيذا لمؤامرة قذرة حاكها جبناء حاقدون من بعض العشائر الكردية بدافع ألحسد وألخوف على نفوذهم من تعاظم شهرة ونفوذ ألقائد ( زخريا كَوركَيس يوخنا ) ذي ألشخصية ألجذابة ألموحية بألهيبة وألوقار . لقد تقاطر ألى ألقرية ألمئات من ألرجال الغاضبين ألحزانى لتوديع قائدهم ألمحبوب ألى مثواه ألأخير وخيم ألحزن على ألمنطقة ألتي لبست ألسواد حدادا على رحيل ألرجل ألكبير .
في عام 1961 قُتِل اكثر من ثلاثين رجلا من آشوريي برواري بالا وقعوا أسرى في أيدي بعض قطاع ألطرق الأكراد كان من بينهم كاهن ألقرية البريء ألراحل داود توما .
في عام 1963 وبعد أشهر من أنقلاب شباط ألأسود تعرضت ( عين نوني ) ألى قصف وحشي بطائرات ألبعث ألفاشي كان من ضحاياه الشهيدة ( ناني يوسف ) جدتي لوالدي , وألشهيد يلدا آدم الملقب بـ ( ألعم جونا ) .
في ألحرب ألعراقية ألأيرانية ألقذرة سقط العديد من خيرة شباب ألقرية وهم بعمر ألزهور أذكر منهم ( مع الأعتذار وقد خانتني الذاكرة في كتابة أسماء جميعهم ) وهم جنان نمرود يوسف , قليمس أسحاق باكوس , سمير حسدو أوشانا , نجم أنويا داود , داود أيليا , جميل أوديشو شموئيل , أشمايل أوشانا خاميس , ونبيل يوسف أسحاق الذي مازال مصيره مجهولاَ لحد هذه اللحظة .
في 27 كانون ألثاني من عام 1988 قامت سلطات ألبعث ألفاشي بترحيل ألقرية على حين غرة وتدمير بيوتها وكنيستها تدميرا تاما وأحرقت بساتينها وحقولها لتصبح القرية أرضا جرباء مُقفرة . أعيد أعمارها من جديد في بداية تسعينيات القرن الماضي وعاد قسم من أهلها أليها .

تقع عين نوني على مسافة 27 سبعة وعشرين كيلومترا شمال غربي ألعمادية بألقرب من ألحدود ألعراقية ألتركية في وادِ خصيب يمتد بين جبلين عملاقين تكسوهما انواع من ألأشجار , أحدهما يسمى ( بروشا ) وهي لفظة كردية على ما يعتقد ومعناها قبالة ألشمس أو مواجهة للشمس , اِلا أن ألتسمية قد تكون آشورية في ألأصل طرأ عليها بعض ألتصحيف كما يحدث لكثير من ألأسماء . أما ألجبل ألثاني فهو ( طِلانا ) أي ألظليل , أي كثير ألظل بألمقارنة مع بروشا ألذي تغمره ألشمس طول ألنهار . وفي القرية الكثير من التجمعات السكنية منها مركز القرية ( ماثا ) و (طلانا ) و (رومتا دبيبو ) و (القصرا ) , أضافة الى العديد من المعالم والأماكن المعروفة لأهلها وضيوفها من القرى الاشورية المجاورة , كانت وما تزال قبلة لهم , رجالاَ ونساء شيباَ وشباباَ وأطفال , وخاصة في مواسم الصيف ولياليها الرائعة نذكر منها ( ألمركَيشتا ) التي تقع في مركز القرية , وثلاثة من أشهر أشجار التوت في القرية وهي ( توثا دبوراني ) و ( توثا جوا ) أضافة الى ( توثا دكادا ) , والعديد من الينابيع وعيون الماء الصالحة للشرب مثل ( عينا دعومرا ) و( عينا دكُتو ) وعين ( مركَيشتا دكومايي ) وأماكن للسباحة التي نسميها ( كَرا ) والتي كانت أشهرها ( كَرا دمام آذو ) , والكثير من أماكن التسلية واللهو البريء والتي نسميها ( كَازينو ) حيث جلسات السمر ولعب الورق وأقامة الحفلات وغيرها , لربما كانت أشهرها في الوقت الحاضر ( كَازينو العم أويشالم ) و (كازينو العم تيدي ) و ( كَازينو الخال يوسب درويش ) .

وتعتبر قريتنا الحبيبة عين نوني اكبر ألقرى ألآشورية في برواري بالا وأجملها جميعا , فهي ألقرية ألمركزية في ألمنطقة , ومركز ناحية برواري بالا ألتابعة لقضاء ألعمادية , ألتابعة بدورها لمحافظة ( نوهدرا ) دهوك . يتميز وادي برواري بالا عموما بخصوبة تربته , وليست حقول وبساتين عين نوني أستثناء لا بل أن تربتها في غاية ألخصوبة . اشتهر فيها زراعة الحبوب والبقول الى منتصف خمسينيات القرن الماضي حين تخلى أهلها عن زراعتها ألى زراعة ألتفاح وعلى نطاق واسع , حيث نجحت هذه ألزراعة نجاحا مدهشا وصارت حقول ألقرية تزهو بألتفاح بمختلف أنواعه ( ألكَولدن ) وال ( ستار كينكَ ) وألصيفي ( ألقيطايي ) كما كنا نسميها فضلا عن أنواع أخرى من ألثمار .

تتمتع ( عين نوني ) بطقس جميل خلال ألفصول ألثلاثة ألربيع وألصيف وألخريف وتهب عليها أنسام عذبة رقيقة طيلة اشهر ألصيف . أما ربيع عين نوني فيعجز أللسان عن وصفه , ومن يتأمل ذلك ألجمال حين تتشح ألأرض بأبهى حللها ويصغي ألى زقزقة ألعصافير وترانيم ألشحارير وألعنادل ويمعن ألنظر في آلاف ألزهور البرية بألوانها ألزاهية وربوات من شقائق النعمان المتمايلة بقاماتها فوق ألأعشاب ألندية وألخضرة ألعميقة لنبات ألرآس ( راسا ) ألطري ألناعم الذي يكسو التلال وألروابي , ويستنشق ملء رئتيه ألهواء ألنقي المعطر بأريج ألزهور , كل ذلك يمنح ألأنسان حنينا ألى ألطيران وألتحليق في ألسماء ألصافية ألزرقاء . وخريف أينوني رائع أيضا فهو موسم الجني وأوآن مخاض الحقول ألحبلى بألتفاح , أما شتائها فهو بارد وتتساقط فيه ألثلوج وألأمطار .

وكانت للقرية أهمية خاصة حتى في العهد ألعثماني , وفيها كانت تعقد ألأجتماعات التي يدعو أليها أمير ألمنطقة للتباحث أو للمداولة في ألأمور ألهامة مع مختاري أو رؤساء ألقرى ألآشورية وألكردية . وقد كان لمختار ( عين نوني ) أهمية خاصة ومكانة متميزة ويتمتع بقَدر من ألنفوذ يميزه عن بقية ألمختارين . بعد أنهيار ألدولة ألعثمانية في أعقاب ألحرب ألعالمية ألأولى ( 1914 ــ 1918 ) وتحرر ألشعوب من ألأستعباد ألتركي , نال ألعراق أستقلاله وتأسست الدولة ألعراقية ألتي قسمت أداريا ألى ألوية وأقضية ونواح . ومازال هذا ألتقسيم ألأداري قائما حتى يومنا هذا . وطبقا لذلك ألنظام اصبحت عين نوني ( كاني ماسي ) بألكردية مركزا لناحية برواري بالا ألتي تضم أكثر من ثمانين قرية ثلاثون منها آشورية . ولكون عين نوني مركزا للناحية فيها أليوم كل ألدوائر ألحكومية التي يتطلبها مركز ألناحية كمركز ألشرطة وألبلدية ودائرة ألزراعة وألبريد وألماء وألكهرباء ودائرة ألنفوس والمستشفى , أضافة الى مدرستان أبتدائية وثانوية ومقران حزبيان أحدهما للحركة ألديمقراطية ألآشورية ( زوعا ) وألآخر للحزب ألديمقراطي ألكردستاني , وترتبط عين نوني أليوم مع مدينتي دهوك وزاخو ومع القرى ألمجاورة بطرق مبلطة .

لم يكن سكان ألقرية يتجاوز أل 500 شخص في نهاية ألخمسينات أي ما يقارب ألمئة عائلة , ويعتقد ان هذا ألعدد قد تضاعف خلال ألأربعين سنة ألماضية ألا أن معظم أهالي ألقرية يقيمون أليوم في ألمهجر وهم موزعون بين نيوزيلاند وأستراليا وأوربا وألولايات ألمتحدة ألأمريكية وكندا , نتيجة الهجرة ألتي أبتلى بها شعبنا الاشوري عموماَ , من جراء الظروف المعقدة والأحوال المأساوية والحروب وسياسات الحكومات المتعاقبة التي مورست ضده من التهميش والأقصاء وألغاء الهوية القومية لشعبنا , كحكم البعث الفاشي الذي جثم على صدور أبناء شعبنا العراقي عامة ما يقارب الخمسة وثلاثون عاماَ , أستبشرنا خيراَ بسقوطها بعد الأحتلال الأمريكي , الذي جاء بحكومة ملالي وأصحاب عمائم فاسدين لعبوا بمقدرات الوطن ونهبوا ثرواته بنظامهم القذر , مشرعين مع سيدهم بريمر نظام المحاصصة والطائفية البغيض الذي قتل في دواخلنا ذلك الحلم الجميل الذي عشناه بزوال الطاغية ليأتي بنظام أكثر فساداَ وأقذر من سابقه , أزدادت معه نسبة هجرة أبناء شعبنا عاماَ وابناء عين نوني خاصة لتصل الى مستويات مهولة بعد أزدياد أعمال العنف والقتل والخطف والتهميش وألغاء الهوية .