قراءة في رواية ( خان الشابندر ) يوتوبيا الخراب


المحرر موضوع: قراءة في رواية ( خان الشابندر ) يوتوبيا الخراب  (زيارة 966 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل جمعه عبدالله

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 359
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


قراءة في رواية (خان الشابندر) يوتوبيا الخراب

براعة الروائي (محمد حياوي) ابدع في رسم تقاسيم الكابوس العراقي  , في ظل الاحتلال الامريكي . في الاسترشاف والاستقراء الموضوعي , من ينابيع الواقع المزري والمرير , في مستجداته الجديدة , في تسلط الاحزاب الدينية على مقاليد السلطة  , واطلاق العنان للميليشيات  الدينية المتشددة والمتطرفة , في تخريب البنية الاجتماعية , في المفاهيم والقيم التي سقطت في قاع الحضيض , مما جعل عصابات الجريمة والارهاب , ان تشدد في تدهور  الانفلات الامني , نحو التدهور الكبير , لتبقى هي مسيطرة على الشارع , لتخنق الحياة في الرعب والفزع , وجعل الخوف يجري في عروق الناس , وجعلهم دمى وألعوبة , للقنص والاقتناص والانتهاك . وخاصة على الشرائح الفقيرة , المعدومة والمسحوقة والمهمشة والمهملة , المحرومة من ابسط شروط الحياة , لتكون جزء من الخراب العام , وكذلك التشديد في انتهاك المرأة بالظلم والانتهاك والاذلال . هذه المفاهيم الجديدة ,  التي جاءت مع الاحتلال الامريكي , بمباركة الاحزاب الدينية الحاكمة , التي دفعت الى العنف باقسى  اشكال  الخراب  , نحو اشعال الحروب الاهلية الداخلية . مما برزت ظواهر جديدة في ممارسة العنف الدموي , في الواقع اليومي , تحت مظلة الدين والفضيلة . هكذا تجسدت مضامين  المتن الروائي لرواية ( خان الشابندر ) التي ترجمت التراجيدية الخراب العراقي  , في لوحة العنف الفنتازي . في صورة اليوتوبيا الدمار  .

لاشك ان الروائي ( محمد حياوي ) تألق في في اسلوب ومنهجية  النص الروائي ,  في مزج الواقع والخيال , في وعاء واحد , لتخرج منه منصات السرد / الحكائي , في الحبكة الفنية القديرة  , في اسلوب فني متقن بتقنياته الابداعية  , الفنية والتعبيرية , وفي  ادارة دفة مسار الاحداث بتقنية منتظمة ومتناسقة . وفي تحريك شخوص الرواية , ان تتحرك بالفعل المأزوم , نتيجة لشظايا  الازمة العامة ,  التي اجتاحت  الحياة والوجود  . في واقع يعيش تحت وطئة  الانفجارات الدموية اليومية  . والحرية المطلقة لعصابات الجريمة والارهاب .

 × ×  المتن الروائي يشير الى  مغترب عراقي ( علي موحان ) كاتب وصحفي . يزور بغداد بعد غياب اكثر من عشرين عاماً . وخلال تجواله في مناطق بغداد القديمة , يواجه فعل  الصدمة العنيفة , للخراب المروع للواقع والمحطم والمزري , في السقوط الى  الانحطاط في القيم  , التي اصابت  العراق في منحره ,  في ظل الاحتلال الامريكي . في واقع يعم به الخراب في كل مكان  . ليجد فظاعة الواقع المعاشي المتدهور الى اسفل درجات البؤس  والفقر المدقع , ليجد الحزن المؤلم على وجوه الناس .  .  يأخذه صديقه الى قلب بغداد منطقة ( الحيدرخانة ) التي تحولت الى خرائب , وبيوت قديمة أيلة للسقوط , وبقايا خرائب شاخصة تبكي زمنها الراحل , مثل ( خان الشابندر ) , في الوقائع تصويرية  , ويعتزم اجراء بحث اجتماعي وصحفي لواقع دور الدعارة , والاطلاع على الجوانب الاجتماعية لبنات الهوى , ويلتقي في احد دور الدعارة العائدة  الى ( أم صبيح ) ليعرف عن قرب هواجس احلامهن وتطلعهن الى الحياة , وكيفية بيع الجسد لكل شاري  ( - أنا .. أريد ان اعمل بحثاً اجتماعياً .

- ماذا تقصد ببحث اجتماعي ؟

- كنت مراراً من هنا صدفة , فاقترح صديق لي الدخول الى البيت والاطلاع عالمكم .

ضحكت ضحكة خافتة وقالت معلقة

- عالم الفضيلة تقصد ؟

- لا . عالم القصص الحزينة والاحلام المحبطة والامنيات الذابلة ) ص26 .

 وخلال انصهاره بالاحداث الغرائبية للواقع المعاشي والمزري الذي يتعايشه يومياً , تجسدت له  بوضوح كامل مشاهد البؤس , المشحونة في مأساة الواقع المرير .

×× اهم شخوص الرواية :

× نيفين : صديقة ( علي موحان ) صحفية وتشتغل معه في الجريدة , وتعتني به بشكل خاص . سافر زوجها مع ابنها الى استراليا كمهاجر وتركها وحدها , التي رفضت السفر بسبب امها المريضة والمسنة , لقد فضلت البقاء على السفر الى استراليا  .

× ضوية : كانت في عمر 13 او 14 سنة , تتفاجئ  في احدى  الليالي , بأن والدها يريد اغتصابها بالزنى المحرم , واجرم بفعلته الشنيعة , وترك ابنته في رعب وشلل مروع  , وجدت نفسها تسيل منها الدماء بين فخذيها ,  وكتمت الامر بدواعي الخوف والرعب , واعتقدت أمها ان الدماء نتيجة العادة الشهرية , لكن والدها واصل فعل  الاغتصاب بالفحشاء الزنى  لمدة اربعة شهور , وحين ظهرت عوامل الحمل , وخشية من الفضيحة , اوصى امها ان تأخذها الى بغداد وتتركها هناك للقدر . اجهضت وتنقلت بعد ذلك في بيوت الدعارة . حتى استقر بها الحال في بيت ( م صبيح ) .

× هند : مدرسة جغرافيا . قتل زوجها في انتفاضة عام 1991 , من قبل رجال الحرس الجمهوري . وظلت تتنقل في الحياة الصعبة والبائسة مع ابنتها , . وبعد الاحتلال الامريكي عملت كمترجمة , وتعرفت على احد الجنود النيوزلانديين  , وعدها بالمساعدة على الهجرة الى نيوزلاندا . لكن سوء الحظ انتقلت وحدة الجندي النيوزلاندي . وضاع الوعد . وفي احدى الليالي ,  دهم بيتها رجال المليشيات . واقتادوها الى مكان الاعدام بتهمة جريمة  التعاون مع المحتل . وهناك استطاعت ان تفلت من حكم الاعدام . وتنقلات في العمل في الفنادق ودور الدعارة . حتى وصلت الى  بيت ( ام صبيح ) .  ارتبطت بعلاقة حميمة مع الصحفي ( علي موحان ) ووجدت فيه ضالتها المنشودة والغائبة . الذي يمكن ان  ينقذها من هذا البئر الخسيس , الذي وقعت فيه , في بيع جسدها لكل شاري ( لا أكره الرجال . أنا لست معقدة صدقني . أنا فقط أنتقم من جسدي بالنوم مع هؤلاء الحثالات , لانه سبب لي جميع تلك المآسي واصلني الى هذه الحال ) ص35 . هذه مرارتها من واقعها المزري , لكنها تظل متعللة بحب الحياة والامل  . لكي تتغلب على خساراتها وانكساراتها الحزينة, في الانتقام من الجسد بهذا الاذلال وبهذه الطريقة ( ألم أقل لك ؟ هذا الاذلال الذي قصدته , حتى تصدقني عندما اقول لك اذلال ) ص38 . لانها عانت بمرارة البؤس والاحتقار والاذلال. فلم تجد الرجل الذي يسمع ندوب شكواها ,  ويحترم آهاتها ومشاعرها  . لذلك وجدت الاحترام والعاطفة الملتهبة بالحب من ( علي موحان ) لذلك اطلقت   طيور احلامها لتغرد . وتجد نفسها في عاطفة جديدة ترقص في قلبها زهواً , انه  يعاملها باحترام , الذي  فقدته منذ سنوات طويلة , فكان الرجل يعاملونه كحيوانة متعة جنسية , ويفرغون سمومهم ويمضون دون مبالاة , لذلك فأن ( علي موحان ) ايقظ كرامتها التي دفنتها منذ اعوام طويلة , واعاد بريق احلامها المشتهاة . لكن رغم هذه الانفعالات الاحلامية التي تداعبها وتراقصها , تواجه الخشية الحزينة  في اعماق وجدانها  , تشعر بالقلق والخيبة , قد تنطفئ هذه الانوار , لذلك تبوح له بالخوف من الاتي الذي قد  يخطف احلامها (  ان احببتنا لو بعض الوقت . لن نتركك تغادر سالماً ) ص8 . وتفشي عباراتها القلبية ,  تدل هي من اعماق هواجسها   ( - لكننا سننقذ روحك من الغرق والتحطيم .

- اي غرق ؟

 -  الغرق في الحياة الفاسدة , حيث يلتهم عقلك وروحك , ولكن مع ذلك سنحبك , كما لم يفعل احد من قبل ) ص8

× زينب بائعة الكعك : الطفلة بعمر 13 او 14 سنة , تعيل اخوتها الاربعة الصغار , بعد وفاة والديها , فظلت وحدها تكافح في سد رمق الجوع عن اخوتها الصغار , وفي دواخلها تحلم ان تذهب الى المدرسة مثل الفتيات بقدر عمرها  . لكن القدر خطفها وهي حانية على قبر امها , بقذيفة صاروخية عشوائية سقطت في داخل المقبرة , لتحولها الى اشلاء متناثرة .

× ابو حسنين المصري : مصلح الفوانيس والمدافئ . جاء من مصر بحلم كبير في العيش بحياة كريمة في العراق . وسكن في القرية العصرية ( الخالصة ) التي أنشأها صدام , للاخوة الفلاحين المصريين , في مدينة ( الخالص ) . قتل ابنه في قادسية صدام , ثم ماتت أمه حزناً وكمداً على  ابنها . فظل وحيداً فاقد الامل , كل امنيته ان يدفن قرب عائلته .

× اخلاص ( لوصة ) حلمها ان تتطهر في النهر وتغسل خطاياها , وهي تساهم مع الاخريات في اعالة الايتام , من مهنة الدعارة . وتحلم بحياة خالية من العنف والدماء . وهي تشتغل في بيت ( ام صبيح ) ومرة جاءها شيخ مسن  ملتحي , من عصابة ( ملا جليل ) , اراد ان يشبع شبقه الجنسي . فقال لها , بأنه يريد جماعاً شرعياً وحلالاً , فجلس على الارض وطلب منها تردد وراءه فقال ( زوجتك نفسي أنا العاقلة الراشدة . لوصة بنت مجر , على مهر معجل قدره دينار , ومؤخر قدره عشرة دنانير , ترددت وراءه . قال . الآن اصبحتِ حلالي , انزعي ثيابك , فخلعت ثيابها , اما هو فاكتفى برفع جلبابه الى الاعلى ونام فوقها , تقول لوصة . ما ان لامس عضوه فخذها حتى اطلق شخيراً طويلاً , ونهض معيداً جلبابه وقبل ان يخرج . قال لها أنتِ طالق بثلاثة يا لوصة بنت مجر , وخرج فنادت وراءه الملعونة, والمؤخر يا شيخ ؟ ) ص111 .

× عصابة ملا جليل : العصابة الدينية المتشددة , التي تفرض الجباية والفدية  من الاهالي , في سبيل بقاءهم احياء يرزقون . وفرض ضرائب على بيوت الدعارة لتعمل شرعاً تحت حمايتهم , بدفع ضريبة ( الفرج ) .

 ×  تتارع الاحداث الدراماتيكية  في بتنازع العصابات على مراكز نفوذ المناطق . ويتم طرد عصابة ( ملا جليل ) من منطقة ( الحيدرخانة ) وتحل عصابة دينية اخرى ,  متشددة بالتطرف  . وفي زيارة ( علي موحان ) الى بيت ( أم صبيح ) يجد الجريمة الدموية المروعة امامه  في بشاعتها الهمجية  . فقد هجم رجال الميليشيات على البنات , بالسكاكين والسواطير الطويلة , في ارتكاب جريمة الذبح . توسلن وبكين بالرحمة بهن . ولكن فعلوا جريمتهم الوحشية الخسيسة بقتل ( هند . ضوية . اخلاص , ام صبيح ) . بقطع رؤوسهن وتعليقها على الجدران , بكل خسة ودنائة همجية , مخالفة حتى  لشرائع السماء الدينية ,  حتى السماء احتجت بغضب , وذرفت دموع المطر لثلاثة ايام متواصلة ( جسدي طازج مثل اوراق الحناء . اخضر من الخارج , لكنه لحم نيئ من الداخل / رحيلة موسكا . شاعرة افغانية شابة . قتهلها  رجال طالبان ) . هؤلاء الوحوش الذين يرتكبون الجرائم المروعة , بأسم الدين والفضيلة , في هذه الظلامية المتشددة والمتطرفة , يدفعنا الى التساؤل الوجيه , منْ هو اقرب الى الفصيلة . رجل الدين الذي يمارس العنف الدموي , في القتل والذبح و ويهدد الناس بالموت والرعب ؟ أم العاهرة التي تحمل مأساة انسانية , وهي ضحية المجتمع الظالم , الذي دفعها الى طريق الفحشاء ؟ وهي تحمل الجور والاهانة والاذلال والتهديد بالقتل ؟ . منْ المسؤول عن الرعب الفنتازي الاحزاب الدينية ؟  أم العاهرات المسالمات ,  لا يملكن سوى بيع الجسد ؟

× رواية ( خان الشابندر ) الروائي محمد حياوي
× اصدار : دار الادب . بيروت
× الطبعة الاولى . عام 2915
× 175 صفحة
جمعة عبدالله