صدور الطبعة الثانية من المجموعة الشعرية (هكذا انت وأنا وربما نحن) للشاعر بهنام عطالله عن دار تموز بدمشق


المحرر موضوع: صدور الطبعة الثانية من المجموعة الشعرية (هكذا انت وأنا وربما نحن) للشاعر بهنام عطالله عن دار تموز بدمشق  (زيارة 2982 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1445
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
صدور الطبعة الثانية من المجموعة الشعرية (هكذا أنت وأنا وربما نحن) 
عن دار تموز لنشر والتوزيع / سوريا / دمشق 2018 للشاعر بهنام عطاالله

مقدمة
(هكذا أنت وأنا ... وربما نحن)
نصوص تحتمي بالانفتاح وتعمل على تخصيب التجربة

                                       
      د.جاسم خلف الياس                                 
        شاعر وناقد
بعد مجموعاته :(فصول المكائد)، شعر 1996، و(إشارات لتفكيك قلق الأمكنة)، شعر 2000 و(مظلات تنحني لقاماتنا )، شعر 2002  و(هوة في قمة الكلام)، شعر- أثينا – اليونان 2008. تأتي مجموعته الجديدة الموسومة (هكذا أنت وأنا وربما نحن)، والتي نحن بصددها الآن، موجهة دفتها في موجه قرائي (نصوص)، إذ تنتمي هذه المجموعة إلى الكتابة النصية التي شكلت الحرب هاجسها الأكثر توافراً، ضمن فاعلية اكتنزتْ تفتيت الوحدة، وتبديد التكثيف، وتشظية اللغة إلى "معانم"  ذرية بالتوسع والتمدد والانفتاح على الأجناس المجاورة، بصيغة التنافذ الإجناسي. فهي تنتمي إلى نتاجات (شعراء اللحظة الحرجة) في الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم، بوصفهم أكثر جرأة ً وشجاعةً، فدفعوا بالكتابة إلى مدارات أوسع لاكتشاف المخفي/ المضمر/ المجهول/ المغيوب/ المسكوت عنه، بقوة التوجه، مع الاختلاف مع السائد الشعري.(رماد العنقاء، عباس عبد جاسم . ص9- 12).

انسيابية تتسربل بغموض
إن نصوص بهنام عطالله  تفتح إمام المتلقي، فضاءً للتأمل في طقسٍ يرفد عبر انسيابية تتسربل بغموض شفيف وتكتظ بمفردات من الموروث الديني والشعبي، يجهد الشاعر ليمنحها دلالات معاصرة، فيعيش طقس حكيم مجهول بكلمات موجزة توحي ولا تفصح، وتمور بأنفاس حارة ورؤى لا تهتك الأسرار، وهو طقس ينطوي على تمرد وعنفوان وانحياز للجديد المغاير .(من مقدمة مجموعته ( فصول المكائد) كتبها الشاعر معد الجبوري ص4-5).
في هذه المجموعة  ُيجسد الشاعر الكتابة بوصفها (ممارسة لتحقيق الهوية) تتحقق فيها ألـ (أنا) :
(القصيدة نصفي الثاني
تفاحة تقضمها الأيام
من شجرة ِ الشعر
وهي تتدلى من أعلى
سقف الغرفة...
مثل نهود ٍ ثكلى
تتزاحمُ...
في وجوه الكلمات
بالأمس...
كانت حكمتها تتقافز
في مخيلتي
تسقط مثل تفاحة (نيوتن)
لتفتح أفكارا ً معلقة
في نافذة الكون
اقضم كلماتها..
سطورها..عباراتها
اقسمها إلى ...
و....
إلى....
تتأصل في دمي
تتناسخ.. لتنمو
قصيدة جديدة)
من خلال تتبعي لمجموعات الشاعر، ولا سيما هذه المجموعة وجدت أن القصيدة هي كله وليس نصفه، وقد تمظهرت صور الحزن المدمى في همومه الوطنية والإنسانية، إذ كان الوجع يسيطر على/ ويتوغل في خلق التفاعل بين النصوص والمتلقي بترميز شفاف ( تضمن قيمة أدبية ذات تأثير نفسي في القارئ ووظيفة جمالية إيحائية تتجاوز الدلالة اللغوية للمصطلح أو القيمة الإشارية فيه الترميز في الفن القصصي العراقي الحديث، د. صالح هويدي .ص19) ، وصور شعرية أتت في  أسلوبين هما التجسيد وهو( نقل المعنى من نطاق المفاهيم إلى المادية الحسية) : مثل: (ألقيت سنارة الدهشة / عند الأبواب)، والتشخيص أو ما يسمى بالأنسنة وهو(الارتفاع بالأشياء إلى مرتبة الإنسان) مثل (تشهق أقانيم الفراغ / تهرول مثل غبار الأعوام ).

علقم الفم ينطق بالأبدية
وفي نص آخر نراه، يشاكس حرف الجر (في) وظيفته النحوية واللغوية ليتحول إلى ( فعل) متعدد التحقق وهو يمارس فاعليته بين علامات المكتوب وعلامات المرسوم التي أضفت مساراً موازياً يقربنا من الدلالات المتعددة، فاللهب المتعالي والحطام المتكوم استطاعا أن يخترقا خاصرة النهار ويحيلاها إلى حريق ودمار فيترك الإنسان في (موته المتألق أبداً غبار العمر/ وعلقم الفم ينطق بالأبدية).
لم يكن إختيار بهنام عطاالله  للشعر وطنا، إلا في مملكة ندية وليظل حلمه إرثا يتقاسمه الشعراء، لأنه كان صديقاً للوطن فحسب، فقدم لنا  ضمن نصوصه مرثيته بوعي ورؤية كونية تنفتح على وعي قرائي، وهو يرى الشعر يحترق ويصير رمادا ً، لذا نراه يعيش  لحظات القسوة والرعب والحروب الرعناء والموت المفخخ في حساسية عالية، وسخرية  مرة إنبثت ليس في هذه القصيدة فحسب، وإنما في مجمل مفارقاته بوصفها تقانة ذات فاعلية متفردة في الإشتغال الشعري بشكل عام. وقد توافرت علامات المكتوب / المرسوم  في مجموع النصوص وأغنت التفاعل القرائي، وهو ـ أي الشاعرـ  يحاول أن يمنح الكلام قمة، ولكن لهذه القمة هوة تتساقط منها النصوص خالعة أردية التجنيس الشعري بوعي ورؤية تغنينا عن الموجهات القرائية التي تململت كثيرا تحت الضغط الإجناسي، وتمردت  فأشهرت عصيانها وأعلنت ممانعتها لتلك الأردية، فالنص عنده يحتمي بانفتاحه ويعمل على تخصيب تجربته ويمنحها تدفقات من الإنفعال المتحفز والمستجيب، وجرعات من التمرد، الذي يشاكس دائرة المألوف فيكسر حدود متاريس النمطية ومغلقاتها، ويضع الإنفعالات والأحاسيس في صياغة تمنحنا النشوة والمتعة، بمغايرة نصية ما زالت لها فاعليتها في فضائه الشعري، لذا نراه يثور ويهدأ، يصخب ويصمت. يحرّض ويهادن، فتتوالد الصور شعرية من بعضها، إذ يتجاوز الصورة المفردة والمركبة، إلى الصورة الكلية بعمق وجداني، يعطي المتخيل النصي تطابقا بين ما تختزنه النفس وبين الإفتراض الذي يقترحه بوساطة آلـ (أنا) وهي تمارس ضغطها بقوة على مجمل النصوص.

سوط الرؤية اليومية
لقد ظلت هواجس الفناء والدمار تمارس سطوتها على الشاعر وتؤرقه، في اكتشاف الخلاص من مخلفاتها، التي يعيشها كل لحظة، سواء أكانت تتجسد بموت الإنسان، أم بالدمار الذي حل بوطنه (العراق)، وقد شكلت قصيدة (ضحايا البراءة) بؤرة هذه الهواجس تحت سوط الرؤية اليومية للتوابيت التي تنسل عبر تخوم الموت الرابض بين أصابعنا. بهذه الصورة النفسية المستلبة :
(انه الموت يغزو أحلامنا
 يبعثر أمانينا ودمى أطفالنا
صباحتنا غدت إخبارا مفخخة
 مساءاتنا قلقة
 ربما ستنفجر في أول حاوية
انه الموت الزائر
 ينام بين عيوننا
 يغزو حلمنا
 يفخخ حياتنا
 برائحة البارود
ومشاجب السلاح الصدئة
وهي تزكم أنوف حدائقنا).
كيف ومتى يأتي خلاص الشاعر  وهو يعيش هذه التفاصيل اليومية بقلق وإحساس، يضاهيان الصورة الواقعية؟ يوهم الشاعر نفسه حين يصحو من سكر المرارات والفواجع بأن القصيدة  ُتباغته فيحشو الآمال بالتمني، ولكن هيهات فمن أين يحصل على هذا الصحو ؟ وهو :
(في بلد تطبخ فيه الحروب الجوفاء
 حيث الرصاص يخرج من أفواه فارغة
 وبنادق كاسدة
  تعانق الأجساد المكومة
 في عربات الألم)
إلى أن يقول:
(لتحول زهورنا
 إلى أقواس دم على مصاطب التلاميذ
 وطبشور السبورات).

البعد الدلالي وقوة التوصيل
لا نريد أن نطيل في سبر أغوار الحزن المدمى، واكتشافه في مظان النصوص، إذ لا يخلو نصا ً واحداً من الرموز والإشارات التي تشتبك دلالاتها بهذا الحزن من قريب أو بعيد، لذا سنحاول مقاربة بعض التقانات، التي استطاع الشاعر توظيفها في مشغله الشعري، ولاسيما تقانتي توظيف الأسطورة والتناص. 
عمد الشاعر إلى توظيف الأسطورة  في عدد من النصوص لإعطاء البعد الدلالي قوة اكبر في التوصيل، بوساطة خلق رؤية معاصرة توازي رؤية الموروث الأسطوري، إذ شكلت الأسماء التالية (دموزي، نمو، انليل، نفر، اورورو، ايدسالا، اوروك، اود ـ كيب ـ نون، أور، في قصيدة (نشيد سومر الأول).
إن عملية استحضار الموروث الأسطوري في مثل هذه النصوص، يمنح القارئ قدرة على إنتاج المعنى بوصفها إثراء للنصوص:
(منذ ستة آلاف شهقة
 نزل الطل على ارض العراق
 نهل منه آباؤنا
 دوّن "دموزي" علاماتنا البيضاء
 فوق مشاجب الحكمة والعقول
 فانهمرت السدوم في ثراه).
أما تناص الشاعر في عنوانات قصائده، فقد جاء صريحاً مع بعضها. أو كما يتناص داخليا مع عنوان (ما وراء الروابي) وهو عنوان مجموعة للشاعرة زهور د كسن في قصيدة (انعكاس الرؤى).أو تناصاته مع "لاحت رؤوس الحراب" وهو نشيد المدارس كان ينشده الطلاب عند الاصطفاف الصباحي قبل أن يتحول العراق إلى خراب.
في نهاية مقاربتنا المتواضعة أقول: إن انفتاح هذه النصوص، يعمل على تحريك الإحساس الجمالي في تتبع مسارات الاختيار المغاير لإشتغالاته النصية، المرتبطة ـ يقيناً ـ بطاقة التجريب، التي تقدم أنماطا جديدة من العلاقة بين الناص والمتلقي .
ويعود هذا الإحساس إلى ضرورة خلق النصوص، التي تعتمد على فك ارتباط المتغيرات الحياتية الجديدة، وعن عجز الأدوات النصية المتداولة والمألوفة، وربطها باستيعاب حساسية تمتلك قدرة اكبر في التوغل، ونقل رؤية هذه المتغيرات.



مطر اليقظة

مسلةٌ ...
ما زلنا نصوغ نصوصها
من بقايا القديسين
ومن ضوء المصابيح
خرافة بيضاء
لا تمحو من ذاكرة الكون
عطورها تجتاح أناشيدنا
الهاطلة مع مطر اليقظة
هكذا كل شيء يمضي ملوناً
في أحضان الكلام
وأغاني الفجر
أصابع النهارات
والفوضى المربكة
إنه بحث دائمٌ
عن كلمات رشيقة
مثل رشاقة أمي
الساقط من نبض الفردوس
فهي بهجة تهندم أسمالي
ُتهدنسُ أعضائي.. ُترتبها
قطعة  ً .. قطعة ْ
ُتهذب بصماتي
على سلة أوراق مهملة
حرائق تلوذ في معطفي الشتوي
لئلا يبتل بماء النهر
من عطرها المؤثث بالضجيج
ابتسامة ثكلى
وقامة تطوف على شامة النهد
شَعر كأمواج المحيطات
يقايض مودتي
يدغدغ نبضي
ُتبعثر أبجدياتي
مطراً للندم وأخرى تركن
فوق قصيدة لم أحلم بها
أكممها بما تتسع أجنحتي
يستيقظ وهجي
فمنذ عصور
كان مجدي يتبعثرُ كالسدوم
يتوسل لمدن الصحو
يفتح مجاهيلها
يقرأ طالعها/ يغزو  بواباتها
إنها دائماً
ترتبُ خرابي وبقايا صمتي
في أقاصي الكلام



خوذة البراءة

هكذا ..
تخضر سعاداتي
بصباحاتٍ مرحةٍ
ومساءات تبسط فوضاها
تبتل بحزني
تتململ
ترتدي خوذة البراءة،
لتطلقَ للخلائق زهو الآثام
مدائح سرمدية
صور بلا رتوش
مسارات للفحولة 
تفترش ولائمها
تقتنص الخمول
وتزحزح العثرات
تقرأ للبرق مزاميرها
تكتب فوق الألواح 
هوامش مكتظة بالاستعارات
لي ولها
هوامش طليقة
هوامش مرحة
تستطاب برقتها
إرتعاشات الضياع

  *        *        *
وأنت في آخر المطاف
تحكي عمق خياراتك
المغموسة برجفة البهجة،
وهي تتدفق ملء هواجسها
 بكارات ترمقني،
برائحة طلاوتها
ونهم فواجعها
 
  *       *       *
هي مشاجب للحمائم
تحوطات أمان،
لمدائح غير منفلقة
رغوة رائقة
مسالك فائقة
ُترنم أناشيد التفرد
في مهرجان الموت
وهي تهرول نحو مخابئها
نياسمها المؤثثة
بالشعر وحوافر الخيول
مباضعها تجرجرني
تنفرج أسارير البراءة
متخمات بالطلاسم
لامعات كالسيوف 
معلقة مثاباتها بأعمدة الرخام 
كي توقظ بالمواربة والتلهف،
ذاكرة الحضارات الندية 



لــوثــر  إيشو..لوحة لم تكتمل

كلما دنا الصباح
تبتسم الحدائق
لوحات مترفتة                                                                         
خطوط بألوان الزيت
منحنيات تعبتْ من ظلالها
بورتريت لنساء جميلات
ريش تمشط فضاءات الكون
وعيون القرى اللائذة ببهاء الحقول
فلاحون عصروا الشمس بجباههم ومضوا...
بقايا طفل وتعاويذ إمرأة
هما ما تبقى من المذبحة (1)
     *        *        *
هلاهل لم تطلق من أم ثكلى
في سيدة النجاة
تؤثث للوحة ٍ دموية باهتة
بألوانها التي تحمل قلبا حجريا ً
آمال ستبقى مؤثثة على حبال الوقت
ومساطب تنثر ذكرياتها
المعلقة على أشجار اليوكالبتوس
       *         *         *
لوحة تشع فيها عيوننا
ترنو نحو المجهول
مخطوطة بقلم الرصاص أو الفحم
وربما الباستيل
ُشجيرات من الشمال الطيب
سعف نخيل من الجنوب
قصب وبردي
أهوار ومستنقعات
جبال وسهول
ُقبرات تساطح البيوت
من خلف تلاوينها
وأخرى ترفرف عاليا
تزقزق اسم الوطن الجريح
    *         *         *
جداول من أذرع الفرات
روافد من دجلة
معبأة بالمحبة والصفصاف
عمال مساطب في دورة (عبو اليسي)(2)
صبيات توشحن بأصباغ المكياج
نثرن شعرهن المعطر بالزيزفون
الآتي من ريف العمادية
إلى معهد الفنون الجميلة
على لوحة (ديري) (3)
في شارع السرجخانة
شموع لن تنطفئ من بخديدا
إلا من الألم المدمى
وبضع طيور تفرش أجنحتها
على الآس
تتموسق في ساحة (الصقور) (4)
تزقزق..
ترسل خربشاتها
باتجاهات مختلفة
 *       *        *
لوثر ايشو...
لوحة لم تكتمل ْ
ولن تكتمل
بل ستبقى تتماهى
في جرح لم يندمل ْ

هوامش
1. إشارة إلى مذبحة كنيسة سيدة النجاة.
2. دورة شعبية معروفة بهذا الاسم في مدينة الموصل.
3. مسقط رأس الفنان الراحل لوثر ايشو.
4. إشارة إلى ساحة صقور الحضر في الموصل والتي كانت تقع في نهاية شارع غازي حيث كان يتردد عليها الفنان الراحل قبل أن تندثر.



تفاحة الكلمات

القصيدة نصفي الثاني
تفاحة تقضمها الأيام
من شجرة ِ الشعر
وهي تتدلى من أعلى
سقف الغرفة
مثل نهود ٍ ثكلى
تتزاحمُ...
في وجوه الكلمات
بالأمس
كانت حكمتها تتقافز
في مخيلتي
تسقط مثل تفاحة (نيوتن)
لتفتح أفكارا ً معلقة
في نافذة الكون
اقضم كلماتها..
سطورها..عباراتها
اقسمها إلى ...
و....
إلى....
تتأصل في دمي
تتناسخ.. لتنمو
قصيدة جديدة



أؤرخ لدمعة خفقتْ خلف شرفة

 هذا الآتي من ُبعد....
ترجل كل المسافات
بين تواريخه وضع شارة
وعلى صدره أرقام لا تحصى
أرقام لمآسي ورزنامات مرتْ
وأخرى ما زالت تتوثب لقدوم الرعد
     *        *         *
هو الذي ترجل من صهوة  الأمنيات
هو الذي ابتكر العناوين
والثريات وطعم الفرار
هو الذي أثث أضابير الموت بين ساعديه
فوق سريره مضت السعادات
هكذا ستئن الدمعة يوما
فمنذ رعد مضى
وبرق رحل
تدفق ضوء الأبدية
وحمل سريره بين يديه
فتدفقت الفصول على جسده
تعسرت ولادته
في فمه صرخة وعلى ظهره سوط
ينتظر تأريخه الدامي
فليس لديه سوى براءة البكاء
كالشمس حين تصهل
على أيقونة الماضي
تسحب خلفها التوابيت
وتدفع بجزء من مثاباتها
وهي تضحك بتثاؤب ...
تؤرخ لدمعة خفقت خلف شرفة
وهي تمضغ الوقت بغزارة
وترقد مع المآتم خلسة
   *        *        *
بكاء َبليل وسحنة تبتلُ بإخضرار الوجود
عند غابات تتقدم نحو الرماد
وصحراء تحف نحو المدن
تهبط برفق على سواعد الجدات
لا أحداً يوقفها

   *       *       *
يمضي الوقت كالنهر في دورته
مرة واحدة
لا يعود ثانية
وهو يدفع ما تبقى
من الأضواء في موجة،
تخفت كلَّ مرة
من ثقل المآسي
فتهمس في أذن الكون
تعاويذ المساء
خرز ملونة تستعين بها الأرواح
تعاويذ  ُمرة
تمر على الأماكن المنسدلة
من فوق ...ومن تحت
هي لا ترقى إلى نور أو شعاع
تتجادل بلا لسان ٍ
وتغفو بلا عيون ٍ
تتدحرج ككرات الثلج
مثل علامات استفهام
تكبر ..تنمو مع حروب القلق
وتظاهرات الربيع
تظاهرات الخيبة
فلا ربيع يأتي إليك
إلا ربيع الوهم الجميل
أكمامه طالت بالأمنيات
ولا خارطة ُترسم لك الطريق
أو ضوء في آخر النفق
فهي تسير حاملة  نعشها بلا أقدام
     *        *        *
أنا ألوذ بتراتيل الصبيات الحزينات
الصبيات اللواتي فقدن أحلامهن
على عتبات المقاعد والسبورات
أنا ألوذ..
كي أجفف بركة الروح
وأمسح نبض الحياة
أعلل الأحزان بالتمني
أدغم برصيف يؤثث قميصه للصباح
هذا الجبل ما زال شامخا
منذ ألف ألف ألف سنة
أو ربما....هكذا
هذا الجبل دحرج سنواتي
تحت عباءة سوداء.. هكذا
بأصوات خدشت تاريخي
وعطلت غيمة
ما برحت تغفو فوق جبل
وعلى قمتها غابة حناء



خزائن الآهات

في قناديل الحداثة
وفي حلقاتها الأكثر رغوة
يدخلون أفواجا ً
تنكسر ظلالها
تترنح من ثقل الأخطاء
والخطايا...
إستفزازات فوضى الشوارع
في صيف ٍ قائض ٍ ٍ
تكدست التفاهات في عربات الجند
مثل أفكار داكنة
مثل عرافات ٍ خرجن
من دهاليز الأرض
مستترات بالأبعاد والمراثي
وأمامي حشود تنفلق نحو المجهول
مسلات مفخخة نصوغها بالدموع
تنساب كالمرمر بين الدروب
أفخاذ تتزاحم كالمرايا
وغابات تمشط شعرها الخرافي
     *        *        *
أقاليم تتدثر بالحيطة والحذر
وسهول تنوء أمام مزاغل التأريخ
ترفل بالغبطة والبهجة
وفي فمها زوبعة ثكلى
إعلان يتيه بين الشتائم
فناجين مقلوبة لعرافة هرمة
تتعرى أمام التاريخ
تعكس وعورة الواني
وتعرجات طالعي
طلاسم انحنتْ أمام  منعطفاتي
فجرتْ في أوردتي سدوماً
لتساوم تيجاني الساقطة
وهي ترشق ألسنتي بسهام من نار
    *        *       *
جيوش محتشدة للهجوم
وأخرى تقف عند عتمة
الأمم المتحدة للدفاع
تستجدي رفع الفصل السابع
من أوراق الروزنامات
وشتات التواريخ الغبية
    *      *       *
نقفُ على أعتاب الخوف
نقايضُ آخر ملوك الزمان
أمراء الطوائف والولايات المنفلتة
من أجل عطايا وهبات
نسوة بقامات الأساطير
ُيرتبن عطرهن الصحراوي
يبعثرن أمواج شعرهن
ُيهذبن صمتهن الآيل للنهوض
مع دغدغة الصباحات
نهود مقوسة ...
دنان من نبيذ العمر...
 شمعدانات وأضوية
كريستالات ثؤثث الجنون
صبيات تركن التفاهات في دفاترهن
على درج الحرائق
بين طين الفناء
بعثرن شعرهن بالأوجاع
هاجت العيون في ليل المكيدة
عجنَ أحلامهن برمل الذاكرة
وخزانة الصحراء...
آهات تمضغها الأيام
غيوم ترفل بالزرقة
تزرع الخوف في العيون
أتهجى أسماء الموتى
في وضح النهارات
واحدا ً... واحدا ً
فتسرح مع الريح
تتخطى الطقوس
عند الكرادة
وفي قداس الشهادة الأخير
وجوه رحلت وأخرى ما زالت
هكذا يتمطى الموت
بين العيون الغافية
فيدخل الخوف
عمدا ً بين قاماتنا
يوقد الأسئلة الثكلى
ويداهم كل الجهات



بعُدكَ أيها القريبُ ...مسافة

(البُعد الذي تعرفهُ مسافة والقرب الذي تعرفه مسافة
وأنا البعيد القريب بلا مسافة)
                                     النفري (*)

بقايا أمكنة تضج بنا
ُتهاجر المسافات توا ً
تتوضأ بحفنة من التراب
وكتب الطين
 *        *        *
أمست المسافات قريبة ..الآن
والقريب منها بعيد
والبعيد منها قريب
والقريب البعيد
يرفل بالكوابيس
 يحمل في قلبه
قصائد حزينة
يتخذ منها صمتا أبديا ً.
  *         *         *
الذئاب على الباب
تصرخ.. تهذر..  تصيح
والخناجر تحد من نصولها 
وأنا أحلم بالمستحيل
أهرب من الدخان والحروب
والقال والقيل
أشرب نخب ماء الفراتين
لم اعد أحاور ضياعي
خلسة من الغدر والذبح بالسكين
خلف ذاكرة بيضاء نمشي
هكذا تثرثر أخطائي
عند أول نافذة للضياع
عبر بريد الألم
فيهتدي الحلم بزرقة الغيم
يبتلعني الشيب في أول الطريق
حتى مطلع الموت الزؤام
يستلقي على شفة الهاوية
على فراش النشوة العاتية
مثل موج قادم من أديم الشفق
يرسم هالة ترمق كل
المسافات وكل المنعطفات
والمرافئ البالية
إنها كصمت بلادي في الغسق
وهو يشرب نخب الرحيل
نحو المراثي البعيدة .. القريبة
للعيون التي تراقب سفن المحيطات
وهي تدمع عبر خطوات المتعبين
عبر الارخبيلات والمضايق
تبعثرت أحلامنا في كل الاتجاهات
كالبندول.. نتأرجح
في نصف الكرة الشمالي أو الجنوبي
في الشرق أو الغرب
فتمهلوا أيها القابعون في الذاكرة
الرابضون عند أقدام العانسات
إنكم كالكشتبانات القديمة
في أصابع الموتى
تطرزون زوايا التاريخ
وترممون الخرافات
   *       *       *
هذا المكان يعبئُ أسِرّ تهُ
وهذه المسافات تلغى نياسمها
وُخطى القادمين من فرن الشموس
تزرع لهم أشجار الزوال
تكشف عن بصمات المارة والمتعبين،
المهرولين في شوارع الضجيج
نحو خرافة الموائد المزكومة
بدم السلالات
وهي تشحذ خوف المسافات
وتحتل الأبعاد والزمان ْ
وبين َ بينهما ...
أنا الوحيد بلا مسافة
أو مكان ْ

إحالة
(*) هو محمد بن عبد الجباربن الحسن النفري، من أعلام الصوفية وشيخ قصيدة النثر العربية، له كتاب (المواقف والمخاطبات في موضوع التصوف) .وهو صاحب القول المشهور:(كلما إتسعت الرؤيا ضاقت العبارة) . توفى سنة 375هـ 965 م.



وليمة الألم ... قامة الانتصار
                                 
أمامك الدروب استفاقت  بالدموع
مثل افتتاح السماوات على الجهات
الجموع تهتف.. تهتف
وهي تشعل آخر الشموع
   *        *       *
النزف كان كبيراً
ويهوذا ُيهندم خيانته
وحزن الجمعة العظيمة
عن ماذا أحدثكم ؟
عن بستانٍ الحزن وزيتونات عمر السنين
أهو اشتباه المواضع في الجلجلة
أم هي الوليمة التي صاغها الألم المستديم
وليمة كان فيها مفتاح الشر بهجة وسكينة
وبكائية الموت العظيم.
" وليمة الخوف الثقيل
وجيش فرسان العطش
وموعد الحزن المعاد من خوابي الراحلات"
قامت كما قام المسيح بلا قلق
كأنها اليعازر الذي قد عاد من باب الشفق
"ماذا دهاه وأين أختام النحيب
فاضت على زند نحيل
هوى على قلب عليل
وما استفاقت بعد أن سدت على
الخيط النفق "
وبعد أن دحرج الحجر
ماذا دهاكم؟
وما هول الفاجعة
وهي تهوى على
أسوار أورشليم
يا طائر الخلاص والألق
يا هيكل الرب
يا واحة الروح
ماذا تبقى؟
ولما الشك والقلق
  *        *         *
هو من كبح جماح العبارات
بين نياسم المدينة القديمة
هو من صاغ من الموت وليمة الحياة
هو الذي حل بيننا،
فكانت القيامة
هو من فسر شروح الموت
أوان الفداء
هو من حمل نياشين النصر
في وحشة القدر
هو من شق الهيكل إلى نصفين
في طبوغرافيا الجسد
لا احد يشفى إلا باسمه   
إلا  به .. لا  إختصارات بديلة
هو القائم من بين الأموات



ضحايا البراءة

حينما يلفظ الإنسان
جرحه الأبدي
تحت سوط الشوارع القصية
تنسل التوابيت عبر
تخوم الموت
تنكسر قامات التوابيت
الرابضة بين أصابع النجوم
وعندما تدنو مراكبه للرحيل
أرتق مراثيه
أحصي نتوءات السنوات
الملغومة
برائحة التقاويم
فتغدو النوايا
كدمات ..
تتثاءب في حلم الهزائم
تهرول ..
مع القذائف
القذائف التي تسحل أرواحنا
إلى قامة القدر
وهي تتشظى
مثل مرايا متكسرة
تزرع خدوشها بين جباهنا
وترسم بين فواجعنا
ضحايا البراءة
    *       *        *
انه الموت يوبخنا
يغزو أحلامنا
يبعثر أمانينا
ودمى أطفالنا
صباحاتنا غدت
أخباراً مفخخة
مساءاتنا تجمع القلق في غيمة
ربما ستنفجر في أي قطرة
إنه الموت يجمعنا في كل حين
ينام بين عيون صبياتنا
يغزو أسرتنا...
يفخخ أحلامنا برائحة البارود
ومشاجب السلاح الصدئة
وهي تزكم أنوف حدائقنا
    *        *       *
تباغتني القصيدة آخر
الصحو..
أحشو الآمال بالتمني
في بلد ُتطبخ فيه الحروب
الرعناء
حيث الرصاص يخرج
من أفواه فاغرة
وبنادق كاسدة
تعانق الأجساد المكومة
في عربات الألم
لتحول زهورنا إلى أقواس دمٍ
على مساطب التلاميذ
وطبشور السبورات
     *        *       *
هنا... ُتكبل العيون بالغشاوة
فتتيه بصدى الألوان
تذوب الرؤيا
تحت أسرار اللسان
أو بين الضلوع أو بين رماد السراب
على شواطئ الألم
تتكور الأحلام خارج الصهيل
مثل خدوش تدغدغ مرايا العدم
 



حلمي ارث لخاتم الأبدية

حينما يغدو صوتك
مثل الأرصفة المسبية
وهذيانات المنابر
المنابر العقيمة
التي لم تلد شيئاً
سوى الصراخ 
سوى العويل
يموت الشعر في رحم الأبدية
تملأ فم الكلمات صفير الرياح
رموز قلقة في غرف مظلمة
تغادر فيوضك شراسة البراري
نعاس الفواجع القابعة
فوق الأرائك
وهي تنتظر حتفها الأبدي
إنها تحتفي بميلاد التفاهة
تبتلع السنوات مخلوقاتنا
تذبل هوامشها
في زحمة المقاهي
تغدو مثل خرقة 
أسمال ناتئة
أو بعض صحفٍ صفراء
تتقيأ حبر الطابع
   *      *        *
أهي عزلة الروح ؟
أم تفاهات ...
تمتص سخام المطابع ؟
أم إنها ...
انتكاسات ...
تخدش ما تبقى من الكوابيس
الكوابيس المعلقة على سقف الخديعة
    *       *       *
أنت ترجح خيباته
ترمي الظنون بين أديم التراب
يتخذُ الموتُ عندك أشكالا ً
لكن بمجملها يوصلك
إلى القبر
القبر الناصع البياض
هذا الذي يوشح قامات الخراب
ويرمم قمح الأبدية
ويمجد الأرض اليباب
    *       *       *
أما هو...
فحلمه ارث لخاتم الأبدية
القصائد عطر لسفر ٍملكوتي
يطلق آخر صيحة
نحو حدائق السماء
يغرسها في عمق التجاعيد
ُحلمه يغسل قحط السنوات
يشفط معلقاتها المركونة
في أزقة الرغبة والايقونات
قيافة للمعنى
وهي تطلق تمتماتها
لمصابيح الشوارع المعطلة
المسكونة بالعيون المتعبة 
للمقاهي التي تنفض دخان سكائرها
كل صباح ٍ ...
كل مساء ٍ ...
حيثُ تنسل همومه
بين عتبات التخوم
الرابضة بين أصابع الليل
فيصبح الوقت الغاما ً
مزورعة ً في تقاطعات الطرق
إنها ...
تحملنا كالمدارات التائهة
لتدق مسامير القلب بين أوراق العشب
بين ثنايا التاريخ المرصع بالأبجديات
ولأن دهشتي ضوء
في تراتيل الكلام
فالقصائد دموع الكلام
عناقيد من جذع الروح
كلما تسلقتها انفرطت حباتها



نشيد سومر الأول

منذ ستة آلاف شهقة
نزل الطل على ارض العراق
نهل منه آباؤنا
حلقت الملائكة فوق ذراه
دون (دموزي) علاماتنا البيضاء
فوق مشاجب الحكمة والعقول
فانهمرت السدوم في ثراه
  *   *   *
منذ ستة آلاف زهرة
 كانت أبوتنا تشرق
في أحداق الطين
تفتح بالقيثارة السومرية
بوابات المدن
وهي ترسل نورها على الأرضيين
طلاسم .. صولجانات .. شرائع
حملت الأرواح، وهي تلهث
 من أعماق نطفة يبزغ منها (نمو) (1)
أطرافه ...
يولد من علقه الكوني (انليل) (2)
ليهب الماء والهواء ..
ويعصف بظلام الكون

   *        *        *
هنا إنفتحت شهية التاريخ
مهود .. أطالس.. مجنحات ..
تبرق في الوديان والسهوب
أيقونات ...
من محارق شمع
وصلصال وذهب
تسطر للطالعين نحو المعالي،
مواضع تختم ياخة
التاريخ بالأسرار
بطابع سومري
يئن تحت لهثات (نفر) (3)
وظل الأسوار
تهدج (اورور) (4)
بالخصب والنسل والثمار
فكان عراق الأزل ..
من أحداقه أشرقت الأرض
بالمقل
هالة كونية تحيطها
العيون
وتحميها قلوب أهله
الطيبين
فانهمر (ايدسالا) (5)
منفياً ...
في ارض (ما بين نهرين) ..
نقياً صافياً لـ (أوروك)(6)
وهي تخرج من نفحة
الرضاعاتِ الأولى
ومن كشتبانات جداتنا ،
وهن يطرزن نور الوجود
على الجسور والترع والسدود
فانطلقت السواعد
من كهوف الانبثاق
 وسلالات الخلق
ساح (أود – كيب   – نون) (7)
في السهول
يؤثث أمواجه
ويخط فوق  ُرقيم عراقي
عفره نبوخذ نصر
بزهو الولادات
مسلات سورت قلوبنا
بقنوات الروح
انهمر الخصب في ارض بابل
مؤثثاً بالنشيد السومري
وإشراقة الأرض
من خلل النار
نفحة سلالاتنا الأولى
لكي يمجد اسمك
يا عراق ..
  *       *        *
فرشنا عقولنا وقلوبنا
مسلات وألواح ومقلْ
أرسلت نورها على الأرضيين
دونت أولى الأبجديات
بالعلم واليقينْ
فانسابت الخيول
تدك بسنابكها
الطغاة والفلول
سطرت موائد
شع نورها
لمعت تقاويمها
بيقظة الأزمنة
وغبطة الريح والأفلاك
نهضت (أور) (8)
 ثانية
وثالثة
ورابعة
و...و...و...
وهي تحمل الحكمة
شعلة للخصب والنقاء
لأنه هكذا قيل منذ البدء:
(لا يليق بالملح أن يفسد)
ولتبقى ارض الرافدين
 مهيبة بالعقل
والحكمة والأنوار  تتمجد

 هوامش
1. نمو : ترمز للبحر الأول الذي خرج منه الكون ، وهي أصل كل شيء.
2. آنليل : اله الهواء ، وهو ابن الإله (آن – كي).
3. نفر : أول مدينة سومرية على الأرض ، كانت المركز الروحي والثقافي لبلاد سومر وأكد.
4. أورورو : آلهة سومرية مختصة بالنسل والإخصاب ، ومعناها (واهبة النسل).
5. ايدسالا : نهر مدينة نفر.
6. أوروك : مدينة البطل كلكامش، ومركز الإله دموزي.
7. أود - كيب - نون : نهر الفرات باللغة السومرية.
8. أور: مركز اله القمر (نانا)، وآخر مدن سومر على الأرض، ومعناها : النور.



عكازة قديمة .. غيمة مثقوبة

ولأن المعارك والحروب أجهضت
زهو السنين
فمعذرة أيتها الحروب الخجلى
معذرة أيتها المعارك
أيها الألم / الأنين
  *       *        *
ولأن ...
الطائرات بلا لسان
المدافع بلا قلوب
الدبابات بلا أسنان 
لذلك ألقت حمولتها
فوق التلال والجسور والأنهار
سفحت دماء كثيرة
ورايات إعتذار
هرولت مذعورة
بين السواقي والساحات
تحصى عدد المصائب
والكوارث المعلقة
في خندق الذكريات
  *       *        *
شكراً لأمي
التي بكتْ مطرا ً
على خنادقنا الشقية
ورممتْ خوذ الجنود الصابرين
شكراً لأبي الذي رحل
دون أن يعقد معي حلفا ً
كي أتنازل عن آخر ميراثٍ لي
لكني إلى الآن مازلت
أرمم مثاباتي ..
أصوب حدقاتي نحو الشمس
مثل بندقية قديمة
تثاءبت سبطانتها
غابت مشاجبها
من كثرة الحروب العرجاء
الحروب التي فاجأتنا
بعطورها البارودية
وشظاياها التي فطمت
في جسدي شهوة الألم
وحسرة الذكريات
    *      *       *
هي دائماً
محمولة على عكازة قديمة
أو غيمة مثقوبة
ما زالت تسقط رصاصاً وألما ً
في ذاكرتي
كي يبقى الأطفال
يرسمون السلام والنخيل والحندقوق
في كراريس المدرسة
بلا صور المدافع
والدبابات
والبنادق
و  ...
و ...
و ...
 



أقنعة الحلم الجميل

لك وحدك
أؤَرخُ أسئلتي
وأعلن نهاية المطاف
لك وحدك..تنام العيون
شائخات.. حالمات
لك وحدك ... أتمنى المستحيل
وأشرب نخب المتاهات
أعشق ما تعشقه السنين
أعشق ضجيج الأمطار
وتمتمات الراحلين
وما تحمله المراثي من أنين
لك وحدك ..
تهتف النسوة والقبائل
وموائد الرجال
وتمضي الأيام بهدوء وحنينْ
لك وحدك ..
يحق لنا أن نسمي باسمك
ونخبئك بين العيون
بين ثياب الصبايا العذراوات
لأن أقمارك اليوم تتناسل
كلاماً في دمنا
وحلما ً في لجة الرغباتْ
أسرارك تختلج في آخر الليل
كالعناق
فتسقط النيازك لأجلك حائرات
تعلن موت الضغينة
والوجع المدمى في الساحات
على ترانيم القطيعة
عربات الجثث العائدة توا ً
من جب الآهات
     *       *         *
أنت وحدك ..
كنتَ مثل (يوسف الصديق)
تتجمع حولك الزهور والرايات
والآهاتْ
وتثير بقميصك الأسئلة والشكوك
أنت وحدك ..
كنت مثل حلم زائر في آخر الليل
مثل قطار راحل ..
صوب المحطات
وهو يحشد كل الأمكنة
نحو أبعادها
يأكل خوف المسافات
وموت الأسئلة
يسرق الأحلام المعبأة داخل العربات
حيث الليل
يغسل بقاياه بمخيلة المسافرين
   *        *        *
تذكرتك يوم سرقوا الهواء
من نوافذك وكمموا الأفواه
يوم صرخت أمام القتلة
تمردت على كل ما قيل وما يقال
أنت وحدك ..
تغربت في الفيافي والقفار
ركلوك .. قتلوك .. ذبحوك
لكي يسرقوا من عينيك
زرقة البحار
وأقنعة الحلم الجميل
ولكن لا محال
لا محال .. ستبقى أنت سيدهم
وكلهم إلى الزوال
لتلملم جراح الراحلين
بقطرات الندى
واللآلىء والمحار



إنعكاسات الرؤى

 منذ ليلة مضت
وعام يراوح مكانه
كما الجندي المستجد
في ساحة العرضات
هرع إلى نياشين الموت
أطلق ساقه للريح
هرول صوب المجهول
كان حزنه يغمر الوجوه
يبرح من حلم صيفي 
يتمطى آخر الليل الثقيل
يطلع من برج دبابة تائهة
تنحدر صوب الجنون
ملقية وراء سرفاتها
رعب الزمان
   *       *        *
منذ انطلاق الآهات من جيوبنا
المتخمة بالفراغ
ترنح الجبل
سقطت الآمال
تجاوزت مدى أعمارنا
هناك ... 
استسلمتْ عيوننا
للافتات بيضاء أو سوداء
لا فرق ...
لافتات محمولة فوق منابت الشهوة
أما الفقراء والمحرومين
فهم مثل أحلام مفخخة
فأين تذهب أحلامنا بعد الآن ؟
ومن أي حاوية تنطلق الآهات
وتترنح السواقي ؟
تدور مثل نبي هائم بين السهول
يبشر الغياب بالعويل والنحيب والأفول
يلتحف العالم بعباءته
فيا أيها الحزانى
أيها الفقراء
أيها الكناسون
أيها الصابرون
أيتها الأرامل
أيها الفلاحون
أيها العمال
أيتها المطلقات
إصطفوا في شوارع الضياع
ارفعوا راياتكم السوداء لا البيضاء
ضعوها في إطارات صور الملوك
إرفعوا أصواتكم برائحة الفوضى
بلا امتناع
وأعلنوا شارة الهزيمة
وشهادة سلوك
اعلنوها ...
اعلنوها ...
دون خوف أو وجل
وإحفروا بين الجباه دولة القبل
ادفنوا نحيبكم الدامي
بين عباب البحار
وأرخبيل المحيطات
إطفاؤها في العيون
احرثوا الماء والهواء
ابتلعوا منشوراتكم
الصفراء والبيضاء والحمراء
واهربوا إلى اقرب جرح لن يندملْ
لترسموا فوق شفاه العذارى
خرائط الضياع وشواهد القبل
ومن سهول التاريخ
وتضاريسْ الجغرافيا
اشفطوا اخضرار الحياة
إمضغوا الكلام ..
وإجمعوا التمتمات بين الصدور
امضغوها ...
فحبيبتي اليوم منتصبة
كأعمدة تثرثر الذكريات
ما زالت تضيء .. تضيء
تعلك حبها القديم / الجديد
تلقيه بين أروقة الزقاق المريبة
تدور به باكية ناحبة
عند البيوت المطرزة
بالشناشيل القديمة
وهي تحمل أثدءها الثكلى
جوعانة ...عريانة ... محرومة
من هواء الغيرة والدهشة
تبحث عن أغنية يتيمة
تدور كالطاحونة بلا انحناء
مثل هوامش في آخر الكتاب
مثل أسوار الحصون المنيعة
حيث مواء القطط ونباح الكلاب
وهي تتسرب
إلى وجهها المغروس في تاريخ الأسى ..
ولتمرق فوق (رؤوس الحراب) (1)
خلال الاصطفاف المدرسي
ولتقذف كل ما لديها من تفاهات
حيث تلمع جباهها  فيما
(وراء الروابي)  (2)             
لتعكس  مراياها 
باتجاه الصدور الناعسات
والقبلات المبتلة بالرضاب
بالبسمات الفريدة بالبالونات
بالموت المجاني (3)
 

هوامش
 (1) إشارة إلى نشيد(لاحت رؤوس الحراب)، الذي كان ُينشد سابقاً خلال الاصطفاف 
     الصباحي في مدارس العراق .
 (2) ما وراء الروابي : مجموعة شعرية للشاعرة العراقية زهور دكسن.
 (3) نشرت في المجموعة الشعرية (الدموع حليب الأطفال) الالكترونية وترجمت إلى اللغة الانكليزية ونشر في مجلة الإبداع السرياني.



عشق مثخن بالكآبة

عيناكِ أزاميل تنحتُ أدواتها
من وحشة الريح
عشق مثخن بالكآبة
يتدلى كألسنة خرساء
تهرول نحو أقبية الرؤى
بقدمين حافيين
يخطوان إلى الأمام
إنها تمارس المستحيل
تحرق هذيانات
(شوقي يوسف بهنام) العرجاء
ومدوناته النائمة تحت
أبط الشعراء
حيث تتدلى الخطايا
من دواوين قديمة
تحمل رائحة (الماغوط)
وتحولات (أدونيس)
تجاذبات (دنقل)
أزهار (بودلير) الشريرة
أوراق (وايتمان) الخضراء
وتنهدات (لميعة عباس عمارة)
هي هكذا دائما ً
حرائق تزخ شعرا ً
تدلف في ثكنات التاريخ
ترشف صبر المرايا
وإخضرار الكتب المجعدة
بين الدواليب القديمة



هوامش للصمت

ذلك الوطن التائه
بين سطور الأخاديد
أحلامه تعزف أغنية منسية
كأسماء المدن الغجرية
تتدحرج فوق إسطوانة
تبحث عن سورة الغضب
توقد نارا ً فوق قمم الكهولة
تحط كالهيبة
على مشوار السنوات
    *       *        *
إنها تشبه موسيقى أغنية
قديمة ..
تركها البريق خجلى 
صامتة ..
وهي تهذر آخر أقوال
أمام محكمة الحياة
  *       *      *
هي الأميرة
عزفتْ للشطآن أغنية البداية
والنهاية
تكاد ترمي بالسنارة في أفواهنا
على ضفاف مترعات بالندى
وحصى من عيون البحر
ثلاث وخمسون نغمة
طافت فوق بيادر السنوات
أوقدت فكرا ً نديا ً
وفراشات وزهور
ومواويل صبية
كل السنوات
بتواريخها الشهية
وزيها الموحد
وشعرها المسترسل
تنظر العشاق في آخر الصحو
لتوقد العيون ..
مشاعل الفرح ورائحة الليل
تجاور  شرفة الحنين
وهي تهتز مثل بركان خامد
انه تابوت الزهو يتدلى
من هامش الصمت
فتنسل المباهج والمعابر
لتستعيد أرقام النهارات الطرية
وتمضي ..



الدخول من ثقب الكلمات
(إلى سركون بولص حتما ً)

                                                         
من يقرأ سفر الأسماء 
وقواميس اللغة ؟
من ْ يتطلع عبر 
مخاضات الحلم ؟
من يرسم مجد الكون
ويعمده بدم الأشياء ؟
من يحرق صمت الأبجديات
ويؤثثها بالحرف ِ؟
هوامشٌ ومتن ٌ كثيرة مبثوثة ٌ
..........
..........
انه الشاعر .. دائما ً ...
خيولهُ تركض مسرجة في ساحة الشعر 
       *        *         *
ما بين أمكنة الخراب و(حمّال ُ الكلمات)
يتدلى - سركون - بهيئته
تهرول القلوب معه منفلقة
تحتضن السموات
يفهرس أبجدياته بعناوين ومتون ٍ وأبهة
      *         *         *
 (لا شيء منذ آدم / غير  ملحمة التراب)
يكتب عنوانها فوق غيمة
يركب سفنا ً تتجه نحو نجمة
 تلقي بأتونها في مهب النواح
 حشرجات السنابك
 في متون الدواوين
 إستعارات شائخة
روزنامات تخضر فيها الرماح
 تتطلع نحو حوافرها وهذيانات مثاباتها
 ُتسرج أكمّتها بألوان الفواجع
في بلاد ٍ مليئة بالجداريات والمتاحف
عيون الخرائط / ألسنة المدافع
    *        *        *
منذ (كركوك) .. ومن ثم (بيروت)
عبر الموانئ القصية
كل ما ورثه  كان الشعر
نشب الألم بين ثناياه
تظاهر القلب وسط الجموع
فطم على الأقاويل
غادره الحلم (قرب الأكروبول)
نحو صفصافة تطلُ على خرائب الصحو
ومراثي النشيد المدرسي العتيق :
لترسم المغيب بين الشفاه والعيون والجباه
وحيث المساءات تنزاح في  ُعلاه
       *        *         *
ها قد أعلنتْ رقم الرحلة 
نحو أرصفة ملأها السأم
 غطتها رياح التمدن
 كتل الاسمنت
 بنايات تعانق النجوم بالقبل
 تخوم تحرسها القابلات
 جنود يرممون تجاعيد الحروب
 رموز باركتها آلهة الجمال
والمحيطات الخمسة
     *        *         *
من يشتري الصمت من أفواه الشعراء ؟
من  ُيرتق المتاهة على حبال الكلام ؟
كل ما قاله الشاعر:
(عظمة أخرى لكلب القبيلة)
إنه يندرج تحت فهرست الظنون
في  لجج البحار وأرخبيلاتها
في ثياب العذارى وخيام الجاهلية
فهو وحده كان يهادننا
ويمور بالصلوات الشجيهة
خشية من "كلب القبيلة"
يرسم النهرين فوق خرائط الزمن
كل ما قاله :
(أكتب كلمة واحدة في دفتري
 وأغلقه ..
حركة تكفي لكي تتغير الدنيا)
      *       *         *
يمد الشاعر كفه من نافذة الكون
يدخل من بوابة الحلم
وثقب الكلمات
ينعس كتاب الحب
يتشظى ببكاء طفولي
لم يرث إلا  دموعا ً ثكلى
أنهكها التأرجح بين المواسم
لأن العظمة أمست "لكلب القبيلة"
والقبيلة ما إنفكت بصمتها التتري
تقبض الريح خلف بوابة الظنون
يتلو مزامير التحدي
ويجر خيولا ً من الكلمات
في (غرفة ٍ مهجورة).. يهرول ..
يتسلق هواء الدهشة
يحتضن سومر وأوروك وبابل
يرمم أصابع الموتى
التي أدمنها الحزن في زمن القطيعة
فهو على مقربة فرسخين
ما زال يحث الخطى ويرتب الكبوات
وفي فمه ملعقة من الكلمات
يقذفها على أرصفة الجراح
شواهد متخمة برائحة التراب
وهي تستغيث من دبق الحروب
(أساطير وغبار) ترسم النشيج
وتلقي به على وسائد العانسات
     *        *         *
منذ أن جاء هذا السومري
باحثا ً عن ضوء الكلمة
بين خبايا المكائد
وموائد الدهاء والعويل
حمل (فانوسه في ليل الذئاب)
وبدت ْ خلفة أرتالٌ من القصائد
تتدثر بحنين الأبجديات
(هكذا الشاعر، هو المطوق
بصيحات القبيلة
حين يجول الخرائب
ويرثي أبناء مدينته)
يلقي بمراراته حلما ً ودموعا ً
تقذفها الأعوام
ببريق النبض وفهرست الحياة

هامش :
ما بين الأقواس تضمين لثريا مجاميع شعرية أو عناوين قصائد أو مقاطع شعرية للشاعر الراحل سركون بولص.



جرمـانـا

افتح صفحة للسماء
وأخرى لمياه البحر
ألوذ بالخبر السعيد
في البلد السعيد
في بلد ينهشه البارود والحديد
لنهار إئتلق تواً
مع صبية دمشقية
ما زال قوس شفاهها
يتثاءب للمغيب
والنهود المكورة
تلمع ما بين الأكمة
حينها هربت مني الأعوام
وسقطت تقاويم المدن بأجمعها
  *      *        *
بالقرب من (القوس) (1)
(جرمانا) (2) تحتضرُ (بدال) الجراح
(وعين) المشردين
في القلب..
فقراءُ يتناثرونَ
في الشوارع / الأزقةِ / الشقق الرطبة
   *        *        *
الحروب تأكل بقايا الحدائق
والحرية تهرول مغشية عليها
في ذلك الصباح المضمخ بالألم
كل شيءٍ كانَ ساكنا ً
حتى القلوبُ توقفتْ دقاتها
وإسفلت الشوارع ينوح على الأقدام المتربة
جرمانا تُطفو مثل قاربٍ يتهاوى
قارب هدهُ الريحُ فوقَ البحرِ
وثمة أرملة موشحة بالسوادِ
تحملُ إبنها اليتيمَ
ووجهها النازف كالفجيعةِ
يرمقها شرطيُ المرور بصفارتهِ
تهرول .. نهرول نحن والعربات وبائع الحلوى
في إتجاهاتٍ مختلفةٍ
تهرول معنا
حيثُ خرائط اللاجئينَ عند أعتاب الأمم المتحدة
من بلادي الحزينة
البلاد التي غسلتها بنادق المتسكعينَ
على أرصفةِ الموتِ والخديعة
   *   




غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1445
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
صدور الطبعة الثانية من المجموعة الشعرية (هكذا أنت وأنا وربما نحن) 
عن دار تموز لنشر والتوزيع / سوريا / دمشق 2018 للشاعر بهنام عطاالله

مقدمة
(هكذا أنت وأنا ... وربما نحن)
نصوص تحتمي بالانفتاح وتعمل على تخصيب التجربة

                                        الدكتور
جاسم خلف الياس 
                                           شاعر وناقد
بعد مجموعاته : (فصول المكائد)، شعر 1996، و(إشارات لتفكيك قلق الأمكنة)، شعر 2000 و(مظلات تنحني لقاماتنا )، شعر 2002  و(هوة في قمة الكلام)، شعر- أثينا – اليونان 2008. تأتي مجموعته الجديدة الموسومة (هكذا أنت وأنا وربما نحن)، والتي نحن بصددها الآن، موجهة دفتها في موجه قرائي (نصوص)، إذ تنتمي هذه المجموعة إلى الكتابة النصية التي شكلت الحرب هاجسها الأكثر توافراً، ضمن فاعلية اكتنزتْ تفتيت الوحدة، وتبديد التكثيف، وتشظية اللغة إلى "معانم"  ذرية بالتوسع والتمدد والانفتاح على الأجناس المجاورة، بصيغة التنافذ الإجناسي. فهي تنتمي إلى نتاجات (شعراء اللحظة الحرجة) في الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم، بوصفهم أكثر جرأة ً وشجاعةً، فدفعوا بالكتابة إلى مدارات أوسع لاكتشاف المخفي/ المضمر/ المجهول/ المغيوب/ المسكوت عنه، بقوة التوجه، مع الاختلاف مع السائد الشعري.(رماد العنقاء، عباس عبد جاسم . ص9- 12).

انسيابية تتسربل بغموض
إن نصوص بهنام عطالله  تفتح إمام المتلقي، فضاءً للتأمل في طقسٍ يرفد عبر انسيابية تتسربل بغموض شفيف وتكتظ بمفردات من الموروث الديني والشعبي، يجهد الشاعر ليمنحها دلالات معاصرة، فيعيش طقس حكيم مجهول بكلمات موجزة توحي ولا تفصح، وتمور بأنفاس حارة ورؤى لا تهتك الأسرار، وهو طقس ينطوي على تمرد وعنفوان وانحياز للجديد المغاير .(من مقدمة مجموعته ( فصول المكائد) كتبها الشاعر معد الجبوري ص4-5).
في هذه المجموعة  ُيجسد الشاعر الكتابة بوصفها (ممارسة لتحقيق الهوية) تتحقق فيها ألـ (أنا) :
(القصيدة نصفي الثاني
تفاحة تقضمها الأيام
من شجرة ِ الشعر
وهي تتدلى من أعلى
سقف الغرفة...
مثل نهود ٍ ثكلى
تتزاحمُ...
في وجوه الكلمات
بالأمس...
كانت حكمتها تتقافز
في مخيلتي
تسقط مثل تفاحة (نيوتن)
لتفتح أفكارا ً معلقة
في نافذة الكون
اقضم كلماتها..
سطورها..عباراتها
اقسمها إلى ...
و....
إلى....
تتأصل في دمي
تتناسخ.. لتنمو
قصيدة جديدة)
من خلال تتبعي لمجموعات الشاعر، ولا سيما هذه المجموعة وجدت أن القصيدة هي كله وليس نصفه، وقد تمظهرت صور الحزن المدمى في همومه الوطنية والإنسانية، إذ كان الوجع يسيطر على/ ويتوغل في خلق التفاعل بين النصوص والمتلقي بترميز شفاف ( تضمن قيمة أدبية ذات تأثير نفسي في القارئ ووظيفة جمالية إيحائية تتجاوز الدلالة اللغوية للمصطلح أو القيمة الإشارية فيه الترميز في الفن القصصي العراقي الحديث، د. صالح هويدي .ص19) ، وصور شعرية أتت في  أسلوبين هما التجسيد وهو( نقل المعنى من نطاق المفاهيم إلى المادية الحسية) : مثل: (ألقيت سنارة الدهشة / عند الأبواب)، والتشخيص أو ما يسمى بالأنسنة وهو(الارتفاع بالأشياء إلى مرتبة الإنسان) مثل (تشهق أقانيم الفراغ / تهرول مثل غبار الأعوام ).

علقم الفم ينطق بالأبدية
وفي نص آخر نراه، يشاكس حرف الجر (في) وظيفته النحوية واللغوية ليتحول إلى ( فعل) متعدد التحقق وهو يمارس فاعليته بين علامات المكتوب وعلامات المرسوم التي أضفت مساراً موازياً يقربنا من الدلالات المتعددة، فاللهب المتعالي والحطام المتكوم استطاعا أن يخترقا خاصرة النهار ويحيلاها إلى حريق ودمار فيترك الإنسان في (موته المتألق أبداً غبار العمر/ وعلقم الفم ينطق بالأبدية).
لم يكن إختيار بهنام عطاالله  للشعر وطنا، إلا في مملكة ندية وليظل حلمه إرثا يتقاسمه الشعراء، لأنه كان صديقاً للوطن فحسب، فقدم لنا  ضمن نصوصه مرثيته بوعي ورؤية كونية تنفتح على وعي قرائي، وهو يرى الشعر يحترق ويصير رمادا ً، لذا نراه يعيش  لحظات القسوة والرعب والحروب الرعناء والموت المفخخ في حساسية عالية، وسخرية  مرة إنبثت ليس في هذه القصيدة فحسب، وإنما في مجمل مفارقاته بوصفها تقانة ذات فاعلية متفردة في الإشتغال الشعري بشكل عام. وقد توافرت علامات المكتوب / المرسوم  في مجموع النصوص وأغنت التفاعل القرائي، وهو ـ أي الشاعرـ  يحاول أن يمنح الكلام قمة، ولكن لهذه القمة هوة تتساقط منها النصوص خالعة أردية التجنيس الشعري بوعي ورؤية تغنينا عن الموجهات القرائية التي تململت كثيرا تحت الضغط الإجناسي، وتمردت  فأشهرت عصيانها وأعلنت ممانعتها لتلك الأردية، فالنص عنده يحتمي بانفتاحه ويعمل على تخصيب تجربته ويمنحها تدفقات من الإنفعال المتحفز والمستجيب، وجرعات من التمرد، الذي يشاكس دائرة المألوف فيكسر حدود متاريس النمطية ومغلقاتها، ويضع الإنفعالات والأحاسيس في صياغة تمنحنا النشوة والمتعة، بمغايرة نصية ما زالت لها فاعليتها في فضائه الشعري، لذا نراه يثور ويهدأ، يصخب ويصمت. يحرّض ويهادن، فتتوالد الصور شعرية من بعضها، إذ يتجاوز الصورة المفردة والمركبة، إلى الصورة الكلية بعمق وجداني، يعطي المتخيل النصي تطابقا بين ما تختزنه النفس وبين الإفتراض الذي يقترحه بوساطة آلـ (أنا) وهي تمارس ضغطها بقوة على مجمل النصوص.

سوط الرؤية اليومية
لقد ظلت هواجس الفناء والدمار تمارس سطوتها على الشاعر وتؤرقه، في اكتشاف الخلاص من مخلفاتها، التي يعيشها كل لحظة، سواء أكانت تتجسد بموت الإنسان، أم بالدمار الذي حل بوطنه (العراق)، وقد شكلت قصيدة (ضحايا البراءة) بؤرة هذه الهواجس تحت سوط الرؤية اليومية للتوابيت التي تنسل عبر تخوم الموت الرابض بين أصابعنا. بهذه الصورة النفسية المستلبة :
(انه الموت يغزو أحلامنا
 يبعثر أمانينا ودمى أطفالنا
صباحتنا غدت إخبارا مفخخة
 مساءاتنا قلقة
 ربما ستنفجر في أول حاوية
انه الموت الزائر
 ينام بين عيوننا
 يغزو حلمنا
 يفخخ حياتنا
 برائحة البارود
ومشاجب السلاح الصدئة
وهي تزكم أنوف حدائقنا).
كيف ومتى يأتي خلاص الشاعر  وهو يعيش هذه التفاصيل اليومية بقلق وإحساس، يضاهيان الصورة الواقعية؟ يوهم الشاعر نفسه حين يصحو من سكر المرارات والفواجع بأن القصيدة  ُتباغته فيحشو الآمال بالتمني، ولكن هيهات فمن أين يحصل على هذا الصحو ؟ وهو :
(في بلد تطبخ فيه الحروب الجوفاء
 حيث الرصاص يخرج من أفواه فارغة
 وبنادق كاسدة
  تعانق الأجساد المكومة
 في عربات الألم)
إلى أن يقول:
(لتحول زهورنا
 إلى أقواس دم على مصاطب التلاميذ
 وطبشور السبورات).

البعد الدلالي وقوة التوصيل
لا نريد أن نطيل في سبر أغوار الحزن المدمى، واكتشافه في مظان النصوص، إذ لا يخلو نصا ً واحداً من الرموز والإشارات التي تشتبك دلالاتها بهذا الحزن من قريب أو بعيد، لذا سنحاول مقاربة بعض التقانات، التي استطاع الشاعر توظيفها في مشغله الشعري، ولاسيما تقانتي توظيف الأسطورة والتناص. 
عمد الشاعر إلى توظيف الأسطورة  في عدد من النصوص لإعطاء البعد الدلالي قوة اكبر في التوصيل، بوساطة خلق رؤية معاصرة توازي رؤية الموروث الأسطوري، إذ شكلت الأسماء التالية (دموزي، نمو، انليل، نفر، اورورو، ايدسالا، اوروك، اود ـ كيب ـ نون، أور، في قصيدة (نشيد سومر الأول).
إن عملية استحضار الموروث الأسطوري في مثل هذه النصوص، يمنح القارئ قدرة على إنتاج المعنى بوصفها إثراء للنصوص:
(منذ ستة آلاف شهقة
 نزل الطل على ارض العراق
 نهل منه آباؤنا
 دوّن "دموزي" علاماتنا البيضاء
 فوق مشاجب الحكمة والعقول
 فانهمرت السدوم في ثراه).
أما تناص الشاعر في عنوانات قصائده، فقد جاء صريحاً مع بعضها. أو كما يتناص داخليا مع عنوان (ما وراء الروابي) وهو عنوان مجموعة للشاعرة زهور د كسن في قصيدة (انعكاس الرؤى).أو تناصاته مع "لاحت رؤوس الحراب" وهو نشيد المدارس كان ينشده الطلاب عند الاصطفاف الصباحي قبل أن يتحول العراق إلى خراب.
في نهاية مقاربتنا المتواضعة أقول: إن انفتاح هذه النصوص، يعمل على تحريك الإحساس الجمالي في تتبع مسارات الاختيار المغاير لإشتغالاته النصية، المرتبطة ـ يقيناً ـ بطاقة التجريب، التي تقدم أنماطا جديدة من العلاقة بين الناص والمتلقي .
ويعود هذا الإحساس إلى ضرورة خلق النصوص، التي تعتمد على فك ارتباط المتغيرات الحياتية الجديدة، وعن عجز الأدوات النصية المتداولة والمألوفة، وربطها باستيعاب حساسية تمتلك قدرة اكبر في التوغل، ونقل رؤية هذه المتغيرات.



مطر اليقظة

مسلةٌ ...
ما زلنا نصوغ نصوصها
من بقايا القديسين
ومن ضوء المصابيح
خرافة بيضاء
لا تمحو من ذاكرة الكون
عطورها تجتاح أناشيدنا
الهاطلة مع مطر اليقظة
هكذا كل شيء يمضي ملوناً
في أحضان الكلام
وأغاني الفجر
أصابع النهارات
والفوضى المربكة
إنه بحث دائمٌ
عن كلمات رشيقة
مثل رشاقة أمي
الساقط من نبض الفردوس
فهي بهجة تهندم أسمالي
ُتهدنسُ أعضائي.. ُترتبها
قطعة  ً .. قطعة ْ
ُتهذب بصماتي
على سلة أوراق مهملة
حرائق تلوذ في معطفي الشتوي
لئلا يبتل بماء النهر
من عطرها المؤثث بالضجيج
ابتسامة ثكلى
وقامة تطوف على شامة النهد
شَعر كأمواج المحيطات
يقايض مودتي
يدغدغ نبضي
ُتبعثر أبجدياتي
مطراً للندم وأخرى تركن
فوق قصيدة لم أحلم بها
أكممها بما تتسع أجنحتي
يستيقظ وهجي
فمنذ عصور
كان مجدي يتبعثرُ كالسدوم
يتوسل لمدن الصحو
يفتح مجاهيلها
يقرأ طالعها/ يغزو  بواباتها
إنها دائماً
ترتبُ خرابي وبقايا صمتي
في أقاصي الكلام



خوذة البراءة

هكذا ..
تخضر سعاداتي
بصباحاتٍ مرحةٍ
ومساءات تبسط فوضاها
تبتل بحزني
تتململ
ترتدي خوذة البراءة،
لتطلقَ للخلائق زهو الآثام
مدائح سرمدية
صور بلا رتوش
مسارات للفحولة 
تفترش ولائمها
تقتنص الخمول
وتزحزح العثرات
تقرأ للبرق مزاميرها
تكتب فوق الألواح 
هوامش مكتظة بالاستعارات
لي ولها
هوامش طليقة
هوامش مرحة
تستطاب برقتها
إرتعاشات الضياع

  *        *        *
وأنت في آخر المطاف
تحكي عمق خياراتك
المغموسة برجفة البهجة،
وهي تتدفق ملء هواجسها
 بكارات ترمقني،
برائحة طلاوتها
ونهم فواجعها
 
  *       *       *
هي مشاجب للحمائم
تحوطات أمان،
لمدائح غير منفلقة
رغوة رائقة
مسالك فائقة
ُترنم أناشيد التفرد
في مهرجان الموت
وهي تهرول نحو مخابئها
نياسمها المؤثثة
بالشعر وحوافر الخيول
مباضعها تجرجرني
تنفرج أسارير البراءة
متخمات بالطلاسم
لامعات كالسيوف 
معلقة مثاباتها بأعمدة الرخام 
كي توقظ بالمواربة والتلهف،
ذاكرة الحضارات الندية 



لــوثــر  إيشو..لوحة لم تكتمل

كلما دنا الصباح
تبتسم الحدائق
لوحات مترفتة                                                                         
خطوط بألوان الزيت
منحنيات تعبتْ من ظلالها
بورتريت لنساء جميلات
ريش تمشط فضاءات الكون
وعيون القرى اللائذة ببهاء الحقول
فلاحون عصروا الشمس بجباههم ومضوا...
بقايا طفل وتعاويذ إمرأة
هما ما تبقى من المذبحة (1)
     *        *        *
هلاهل لم تطلق من أم ثكلى
في سيدة النجاة
تؤثث للوحة ٍ دموية باهتة
بألوانها التي تحمل قلبا حجريا ً
آمال ستبقى مؤثثة على حبال الوقت
ومساطب تنثر ذكرياتها
المعلقة على أشجار اليوكالبتوس
       *         *         *
لوحة تشع فيها عيوننا
ترنو نحو المجهول
مخطوطة بقلم الرصاص أو الفحم
وربما الباستيل
ُشجيرات من الشمال الطيب
سعف نخيل من الجنوب
قصب وبردي
أهوار ومستنقعات
جبال وسهول
ُقبرات تساطح البيوت
من خلف تلاوينها
وأخرى ترفرف عاليا
تزقزق اسم الوطن الجريح
    *         *         *
جداول من أذرع الفرات
روافد من دجلة
معبأة بالمحبة والصفصاف
عمال مساطب في دورة (عبو اليسي)(2)
صبيات توشحن بأصباغ المكياج
نثرن شعرهن المعطر بالزيزفون
الآتي من ريف العمادية
إلى معهد الفنون الجميلة
على لوحة (ديري) (3)
في شارع السرجخانة
شموع لن تنطفئ من بخديدا
إلا من الألم المدمى
وبضع طيور تفرش أجنحتها
على الآس
تتموسق في ساحة (الصقور) (4)
تزقزق..
ترسل خربشاتها
باتجاهات مختلفة
 *       *        *
لوثر ايشو...
لوحة لم تكتمل ْ
ولن تكتمل
بل ستبقى تتماهى
في جرح لم يندمل ْ

هوامش
1. إشارة إلى مذبحة كنيسة سيدة النجاة.
2. دورة شعبية معروفة بهذا الاسم في مدينة الموصل.
3. مسقط رأس الفنان الراحل لوثر ايشو.
4. إشارة إلى ساحة صقور الحضر في الموصل والتي كانت تقع في نهاية شارع غازي حيث كان يتردد عليها الفنان الراحل قبل أن تندثر.



تفاحة الكلمات

القصيدة نصفي الثاني
تفاحة تقضمها الأيام
من شجرة ِ الشعر
وهي تتدلى من أعلى
سقف الغرفة
مثل نهود ٍ ثكلى
تتزاحمُ...
في وجوه الكلمات
بالأمس
كانت حكمتها تتقافز
في مخيلتي
تسقط مثل تفاحة (نيوتن)
لتفتح أفكارا ً معلقة
في نافذة الكون
اقضم كلماتها..
سطورها..عباراتها
اقسمها إلى ...
و....
إلى....
تتأصل في دمي
تتناسخ.. لتنمو
قصيدة جديدة



أؤرخ لدمعة خفقتْ خلف شرفة

 هذا الآتي من ُبعد....
ترجل كل المسافات
بين تواريخه وضع شارة
وعلى صدره أرقام لا تحصى
أرقام لمآسي ورزنامات مرتْ
وأخرى ما زالت تتوثب لقدوم الرعد
     *        *         *
هو الذي ترجل من صهوة  الأمنيات
هو الذي ابتكر العناوين
والثريات وطعم الفرار
هو الذي أثث أضابير الموت بين ساعديه
فوق سريره مضت السعادات
هكذا ستئن الدمعة يوما
فمنذ رعد مضى
وبرق رحل
تدفق ضوء الأبدية
وحمل سريره بين يديه
فتدفقت الفصول على جسده
تعسرت ولادته
في فمه صرخة وعلى ظهره سوط
ينتظر تأريخه الدامي
فليس لديه سوى براءة البكاء
كالشمس حين تصهل
على أيقونة الماضي
تسحب خلفها التوابيت
وتدفع بجزء من مثاباتها
وهي تضحك بتثاؤب ...
تؤرخ لدمعة خفقت خلف شرفة
وهي تمضغ الوقت بغزارة
وترقد مع المآتم خلسة
   *        *        *
بكاء َبليل وسحنة تبتلُ بإخضرار الوجود
عند غابات تتقدم نحو الرماد
وصحراء تحف نحو المدن
تهبط برفق على سواعد الجدات
لا أحداً يوقفها

   *       *       *
يمضي الوقت كالنهر في دورته
مرة واحدة
لا يعود ثانية
وهو يدفع ما تبقى
من الأضواء في موجة،
تخفت كلَّ مرة
من ثقل المآسي
فتهمس في أذن الكون
تعاويذ المساء
خرز ملونة تستعين بها الأرواح
تعاويذ  ُمرة
تمر على الأماكن المنسدلة
من فوق ...ومن تحت
هي لا ترقى إلى نور أو شعاع
تتجادل بلا لسان ٍ
وتغفو بلا عيون ٍ
تتدحرج ككرات الثلج
مثل علامات استفهام
تكبر ..تنمو مع حروب القلق
وتظاهرات الربيع
تظاهرات الخيبة
فلا ربيع يأتي إليك
إلا ربيع الوهم الجميل
أكمامه طالت بالأمنيات
ولا خارطة ُترسم لك الطريق
أو ضوء في آخر النفق
فهي تسير حاملة  نعشها بلا أقدام
     *        *        *
أنا ألوذ بتراتيل الصبيات الحزينات
الصبيات اللواتي فقدن أحلامهن
على عتبات المقاعد والسبورات
أنا ألوذ..
كي أجفف بركة الروح
وأمسح نبض الحياة
أعلل الأحزان بالتمني
أدغم برصيف يؤثث قميصه للصباح
هذا الجبل ما زال شامخا
منذ ألف ألف ألف سنة
أو ربما....هكذا
هذا الجبل دحرج سنواتي
تحت عباءة سوداء.. هكذا
بأصوات خدشت تاريخي
وعطلت غيمة
ما برحت تغفو فوق جبل
وعلى قمتها غابة حناء



خزائن الآهات

في قناديل الحداثة
وفي حلقاتها الأكثر رغوة
يدخلون أفواجا ً
تنكسر ظلالها
تترنح من ثقل الأخطاء
والخطايا...
إستفزازات فوضى الشوارع
في صيف ٍ قائض ٍ ٍ
تكدست التفاهات في عربات الجند
مثل أفكار داكنة
مثل عرافات ٍ خرجن
من دهاليز الأرض
مستترات بالأبعاد والمراثي
وأمامي حشود تنفلق نحو المجهول
مسلات مفخخة نصوغها بالدموع
تنساب كالمرمر بين الدروب
أفخاذ تتزاحم كالمرايا
وغابات تمشط شعرها الخرافي
     *        *        *
أقاليم تتدثر بالحيطة والحذر
وسهول تنوء أمام مزاغل التأريخ
ترفل بالغبطة والبهجة
وفي فمها زوبعة ثكلى
إعلان يتيه بين الشتائم
فناجين مقلوبة لعرافة هرمة
تتعرى أمام التاريخ
تعكس وعورة الواني
وتعرجات طالعي
طلاسم انحنتْ أمام  منعطفاتي
فجرتْ في أوردتي سدوماً
لتساوم تيجاني الساقطة
وهي ترشق ألسنتي بسهام من نار
    *        *       *
جيوش محتشدة للهجوم
وأخرى تقف عند عتمة
الأمم المتحدة للدفاع
تستجدي رفع الفصل السابع
من أوراق الروزنامات
وشتات التواريخ الغبية
    *      *       *
نقفُ على أعتاب الخوف
نقايضُ آخر ملوك الزمان
أمراء الطوائف والولايات المنفلتة
من أجل عطايا وهبات
نسوة بقامات الأساطير
ُيرتبن عطرهن الصحراوي
يبعثرن أمواج شعرهن
ُيهذبن صمتهن الآيل للنهوض
مع دغدغة الصباحات
نهود مقوسة ...
دنان من نبيذ العمر...
 شمعدانات وأضوية
كريستالات ثؤثث الجنون
صبيات تركن التفاهات في دفاترهن
على درج الحرائق
بين طين الفناء
بعثرن شعرهن بالأوجاع
هاجت العيون في ليل المكيدة
عجنَ أحلامهن برمل الذاكرة
وخزانة الصحراء...
آهات تمضغها الأيام
غيوم ترفل بالزرقة
تزرع الخوف في العيون
أتهجى أسماء الموتى
في وضح النهارات
واحدا ً... واحدا ً
فتسرح مع الريح
تتخطى الطقوس
عند الكرادة
وفي قداس الشهادة الأخير
وجوه رحلت وأخرى ما زالت
هكذا يتمطى الموت
بين العيون الغافية
فيدخل الخوف
عمدا ً بين قاماتنا
يوقد الأسئلة الثكلى
ويداهم كل الجهات



بعُدكَ أيها القريبُ ...مسافة

(البُعد الذي تعرفهُ مسافة والقرب الذي تعرفه مسافة
وأنا البعيد القريب بلا مسافة)
                                     النفري (*)

بقايا أمكنة تضج بنا
ُتهاجر المسافات توا ً
تتوضأ بحفنة من التراب
وكتب الطين
 *        *        *
أمست المسافات قريبة ..الآن
والقريب منها بعيد
والبعيد منها قريب
والقريب البعيد
يرفل بالكوابيس
 يحمل في قلبه
قصائد حزينة
يتخذ منها صمتا أبديا ً.
  *         *         *
الذئاب على الباب
تصرخ.. تهذر..  تصيح
والخناجر تحد من نصولها 
وأنا أحلم بالمستحيل
أهرب من الدخان والحروب
والقال والقيل
أشرب نخب ماء الفراتين
لم اعد أحاور ضياعي
خلسة من الغدر والذبح بالسكين
خلف ذاكرة بيضاء نمشي
هكذا تثرثر أخطائي
عند أول نافذة للضياع
عبر بريد الألم
فيهتدي الحلم بزرقة الغيم
يبتلعني الشيب في أول الطريق
حتى مطلع الموت الزؤام
يستلقي على شفة الهاوية
على فراش النشوة العاتية
مثل موج قادم من أديم الشفق
يرسم هالة ترمق كل
المسافات وكل المنعطفات
والمرافئ البالية
إنها كصمت بلادي في الغسق
وهو يشرب نخب الرحيل
نحو المراثي البعيدة .. القريبة
للعيون التي تراقب سفن المحيطات
وهي تدمع عبر خطوات المتعبين
عبر الارخبيلات والمضايق
تبعثرت أحلامنا في كل الاتجاهات
كالبندول.. نتأرجح
في نصف الكرة الشمالي أو الجنوبي
في الشرق أو الغرب
فتمهلوا أيها القابعون في الذاكرة
الرابضون عند أقدام العانسات
إنكم كالكشتبانات القديمة
في أصابع الموتى
تطرزون زوايا التاريخ
وترممون الخرافات
   *       *       *
هذا المكان يعبئُ أسِرّ تهُ
وهذه المسافات تلغى نياسمها
وُخطى القادمين من فرن الشموس
تزرع لهم أشجار الزوال
تكشف عن بصمات المارة والمتعبين،
المهرولين في شوارع الضجيج
نحو خرافة الموائد المزكومة
بدم السلالات
وهي تشحذ خوف المسافات
وتحتل الأبعاد والزمان ْ
وبين َ بينهما ...
أنا الوحيد بلا مسافة
أو مكان ْ

إحالة
(*) هو محمد بن عبد الجباربن الحسن النفري، من أعلام الصوفية وشيخ قصيدة النثر العربية، له كتاب (المواقف والمخاطبات في موضوع التصوف) .وهو صاحب القول المشهور:(كلما إتسعت الرؤيا ضاقت العبارة) . توفى سنة 375هـ 965 م.



وليمة الألم ... قامة الانتصار
                                 
أمامك الدروب استفاقت  بالدموع
مثل افتتاح السماوات على الجهات
الجموع تهتف.. تهتف
وهي تشعل آخر الشموع
   *        *       *
النزف كان كبيراً
ويهوذا ُيهندم خيانته
وحزن الجمعة العظيمة
عن ماذا أحدثكم ؟
عن بستانٍ الحزن وزيتونات عمر السنين
أهو اشتباه المواضع في الجلجلة
أم هي الوليمة التي صاغها الألم المستديم
وليمة كان فيها مفتاح الشر بهجة وسكينة
وبكائية الموت العظيم.
" وليمة الخوف الثقيل
وجيش فرسان العطش
وموعد الحزن المعاد من خوابي الراحلات"
قامت كما قام المسيح بلا قلق
كأنها اليعازر الذي قد عاد من باب الشفق
"ماذا دهاه وأين أختام النحيب
فاضت على زند نحيل
هوى على قلب عليل
وما استفاقت بعد أن سدت على
الخيط النفق "
وبعد أن دحرج الحجر
ماذا دهاكم؟
وما هول الفاجعة
وهي تهوى على
أسوار أورشليم
يا طائر الخلاص والألق
يا هيكل الرب
يا واحة الروح
ماذا تبقى؟
ولما الشك والقلق
  *        *         *
هو من كبح جماح العبارات
بين نياسم المدينة القديمة
هو من صاغ من الموت وليمة الحياة
هو الذي حل بيننا،
فكانت القيامة
هو من فسر شروح الموت
أوان الفداء
هو من حمل نياشين النصر
في وحشة القدر
هو من شق الهيكل إلى نصفين
في طبوغرافيا الجسد
لا احد يشفى إلا باسمه   
إلا  به .. لا  إختصارات بديلة
هو القائم من بين الأموات



ضحايا البراءة

حينما يلفظ الإنسان
جرحه الأبدي
تحت سوط الشوارع القصية
تنسل التوابيت عبر
تخوم الموت
تنكسر قامات التوابيت
الرابضة بين أصابع النجوم
وعندما تدنو مراكبه للرحيل
أرتق مراثيه
أحصي نتوءات السنوات
الملغومة
برائحة التقاويم
فتغدو النوايا
كدمات ..
تتثاءب في حلم الهزائم
تهرول ..
مع القذائف
القذائف التي تسحل أرواحنا
إلى قامة القدر
وهي تتشظى
مثل مرايا متكسرة
تزرع خدوشها بين جباهنا
وترسم بين فواجعنا
ضحايا البراءة
    *       *        *
انه الموت يوبخنا
يغزو أحلامنا
يبعثر أمانينا
ودمى أطفالنا
صباحاتنا غدت
أخباراً مفخخة
مساءاتنا تجمع القلق في غيمة
ربما ستنفجر في أي قطرة
إنه الموت يجمعنا في كل حين
ينام بين عيون صبياتنا
يغزو أسرتنا...
يفخخ أحلامنا برائحة البارود
ومشاجب السلاح الصدئة
وهي تزكم أنوف حدائقنا
    *        *       *
تباغتني القصيدة آخر
الصحو..
أحشو الآمال بالتمني
في بلد ُتطبخ فيه الحروب
الرعناء
حيث الرصاص يخرج
من أفواه فاغرة
وبنادق كاسدة
تعانق الأجساد المكومة
في عربات الألم
لتحول زهورنا إلى أقواس دمٍ
على مساطب التلاميذ
وطبشور السبورات
     *        *       *
هنا... ُتكبل العيون بالغشاوة
فتتيه بصدى الألوان
تذوب الرؤيا
تحت أسرار اللسان
أو بين الضلوع أو بين رماد السراب
على شواطئ الألم
تتكور الأحلام خارج الصهيل
مثل خدوش تدغدغ مرايا العدم
 



حلمي ارث لخاتم الأبدية

حينما يغدو صوتك
مثل الأرصفة المسبية
وهذيانات المنابر
المنابر العقيمة
التي لم تلد شيئاً
سوى الصراخ 
سوى العويل
يموت الشعر في رحم الأبدية
تملأ فم الكلمات صفير الرياح
رموز قلقة في غرف مظلمة
تغادر فيوضك شراسة البراري
نعاس الفواجع القابعة
فوق الأرائك
وهي تنتظر حتفها الأبدي
إنها تحتفي بميلاد التفاهة
تبتلع السنوات مخلوقاتنا
تذبل هوامشها
في زحمة المقاهي
تغدو مثل خرقة 
أسمال ناتئة
أو بعض صحفٍ صفراء
تتقيأ حبر الطابع
   *      *        *
أهي عزلة الروح ؟
أم تفاهات ...
تمتص سخام المطابع ؟
أم إنها ...
انتكاسات ...
تخدش ما تبقى من الكوابيس
الكوابيس المعلقة على سقف الخديعة
    *       *       *
أنت ترجح خيباته
ترمي الظنون بين أديم التراب
يتخذُ الموتُ عندك أشكالا ً
لكن بمجملها يوصلك
إلى القبر
القبر الناصع البياض
هذا الذي يوشح قامات الخراب
ويرمم قمح الأبدية
ويمجد الأرض اليباب
    *       *       *
أما هو...
فحلمه ارث لخاتم الأبدية
القصائد عطر لسفر ٍملكوتي
يطلق آخر صيحة
نحو حدائق السماء
يغرسها في عمق التجاعيد
ُحلمه يغسل قحط السنوات
يشفط معلقاتها المركونة
في أزقة الرغبة والايقونات
قيافة للمعنى
وهي تطلق تمتماتها
لمصابيح الشوارع المعطلة
المسكونة بالعيون المتعبة 
للمقاهي التي تنفض دخان سكائرها
كل صباح ٍ ...
كل مساء ٍ ...
حيثُ تنسل همومه
بين عتبات التخوم
الرابضة بين أصابع الليل
فيصبح الوقت الغاما ً
مزورعة ً في تقاطعات الطرق
إنها ...
تحملنا كالمدارات التائهة
لتدق مسامير القلب بين أوراق العشب
بين ثنايا التاريخ المرصع بالأبجديات
ولأن دهشتي ضوء
في تراتيل الكلام
فالقصائد دموع الكلام
عناقيد من جذع الروح
كلما تسلقتها انفرطت حباتها



نشيد سومر الأول

منذ ستة آلاف شهقة
نزل الطل على ارض العراق
نهل منه آباؤنا
حلقت الملائكة فوق ذراه
دون (دموزي) علاماتنا البيضاء
فوق مشاجب الحكمة والعقول
فانهمرت السدوم في ثراه
  *   *   *
منذ ستة آلاف زهرة
 كانت أبوتنا تشرق
في أحداق الطين
تفتح بالقيثارة السومرية
بوابات المدن
وهي ترسل نورها على الأرضيين
طلاسم .. صولجانات .. شرائع
حملت الأرواح، وهي تلهث
 من أعماق نطفة يبزغ منها (نمو) (1)
أطرافه ...
يولد من علقه الكوني (انليل) (2)
ليهب الماء والهواء ..
ويعصف بظلام الكون

   *        *        *
هنا إنفتحت شهية التاريخ
مهود .. أطالس.. مجنحات ..
تبرق في الوديان والسهوب
أيقونات ...
من محارق شمع
وصلصال وذهب
تسطر للطالعين نحو المعالي،
مواضع تختم ياخة
التاريخ بالأسرار
بطابع سومري
يئن تحت لهثات (نفر) (3)
وظل الأسوار
تهدج (اورور) (4)
بالخصب والنسل والثمار
فكان عراق الأزل ..
من أحداقه أشرقت الأرض
بالمقل
هالة كونية تحيطها
العيون
وتحميها قلوب أهله
الطيبين
فانهمر (ايدسالا) (5)
منفياً ...
في ارض (ما بين نهرين) ..
نقياً صافياً لـ (أوروك)(6)
وهي تخرج من نفحة
الرضاعاتِ الأولى
ومن كشتبانات جداتنا ،
وهن يطرزن نور الوجود
على الجسور والترع والسدود
فانطلقت السواعد
من كهوف الانبثاق
 وسلالات الخلق
ساح (أود – كيب   – نون) (7)
في السهول
يؤثث أمواجه
ويخط فوق  ُرقيم عراقي
عفره نبوخذ نصر
بزهو الولادات
مسلات سورت قلوبنا
بقنوات الروح
انهمر الخصب في ارض بابل
مؤثثاً بالنشيد السومري
وإشراقة الأرض
من خلل النار
نفحة سلالاتنا الأولى
لكي يمجد اسمك
يا عراق ..
  *       *        *
فرشنا عقولنا وقلوبنا
مسلات وألواح ومقلْ
أرسلت نورها على الأرضيين
دونت أولى الأبجديات
بالعلم واليقينْ
فانسابت الخيول
تدك بسنابكها
الطغاة والفلول
سطرت موائد
شع نورها
لمعت تقاويمها
بيقظة الأزمنة
وغبطة الريح والأفلاك
نهضت (أور) (8)
 ثانية
وثالثة
ورابعة
و...و...و...
وهي تحمل الحكمة
شعلة للخصب والنقاء
لأنه هكذا قيل منذ البدء:
(لا يليق بالملح أن يفسد)
ولتبقى ارض الرافدين
 مهيبة بالعقل
والحكمة والأنوار  تتمجد

 هوامش
1. نمو : ترمز للبحر الأول الذي خرج منه الكون ، وهي أصل كل شيء.
2. آنليل : اله الهواء ، وهو ابن الإله (آن – كي).
3. نفر : أول مدينة سومرية على الأرض ، كانت المركز الروحي والثقافي لبلاد سومر وأكد.
4. أورورو : آلهة سومرية مختصة بالنسل والإخصاب ، ومعناها (واهبة النسل).
5. ايدسالا : نهر مدينة نفر.
6. أوروك : مدينة البطل كلكامش، ومركز الإله دموزي.
7. أود - كيب - نون : نهر الفرات باللغة السومرية.
8. أور: مركز اله القمر (نانا)، وآخر مدن سومر على الأرض، ومعناها : النور.



عكازة قديمة .. غيمة مثقوبة

ولأن المعارك والحروب أجهضت
زهو السنين
فمعذرة أيتها الحروب الخجلى
معذرة أيتها المعارك
أيها الألم / الأنين
  *       *        *
ولأن ...
الطائرات بلا لسان
المدافع بلا قلوب
الدبابات بلا أسنان 
لذلك ألقت حمولتها
فوق التلال والجسور والأنهار
سفحت دماء كثيرة
ورايات إعتذار
هرولت مذعورة
بين السواقي والساحات
تحصى عدد المصائب
والكوارث المعلقة
في خندق الذكريات
  *       *        *
شكراً لأمي
التي بكتْ مطرا ً
على خنادقنا الشقية
ورممتْ خوذ الجنود الصابرين
شكراً لأبي الذي رحل
دون أن يعقد معي حلفا ً
كي أتنازل عن آخر ميراثٍ لي
لكني إلى الآن مازلت
أرمم مثاباتي ..
أصوب حدقاتي نحو الشمس
مثل بندقية قديمة
تثاءبت سبطانتها
غابت مشاجبها
من كثرة الحروب العرجاء
الحروب التي فاجأتنا
بعطورها البارودية
وشظاياها التي فطمت
في جسدي شهوة الألم
وحسرة الذكريات
    *      *       *
هي دائماً
محمولة على عكازة قديمة
أو غيمة مثقوبة
ما زالت تسقط رصاصاً وألما ً
في ذاكرتي
كي يبقى الأطفال
يرسمون السلام والنخيل والحندقوق
في كراريس المدرسة
بلا صور المدافع
والدبابات
والبنادق
و  ...
و ...
و ...
 



أقنعة الحلم الجميل

لك وحدك
أؤَرخُ أسئلتي
وأعلن نهاية المطاف
لك وحدك..تنام العيون
شائخات.. حالمات
لك وحدك ... أتمنى المستحيل
وأشرب نخب المتاهات
أعشق ما تعشقه السنين
أعشق ضجيج الأمطار
وتمتمات الراحلين
وما تحمله المراثي من أنين
لك وحدك ..
تهتف النسوة والقبائل
وموائد الرجال
وتمضي الأيام بهدوء وحنينْ
لك وحدك ..
يحق لنا أن نسمي باسمك
ونخبئك بين العيون
بين ثياب الصبايا العذراوات
لأن أقمارك اليوم تتناسل
كلاماً في دمنا
وحلما ً في لجة الرغباتْ
أسرارك تختلج في آخر الليل
كالعناق
فتسقط النيازك لأجلك حائرات
تعلن موت الضغينة
والوجع المدمى في الساحات
على ترانيم القطيعة
عربات الجثث العائدة توا ً
من جب الآهات
     *       *         *
أنت وحدك ..
كنتَ مثل (يوسف الصديق)
تتجمع حولك الزهور والرايات
والآهاتْ
وتثير بقميصك الأسئلة والشكوك
أنت وحدك ..
كنت مثل حلم زائر في آخر الليل
مثل قطار راحل ..
صوب المحطات
وهو يحشد كل الأمكنة
نحو أبعادها
يأكل خوف المسافات
وموت الأسئلة
يسرق الأحلام المعبأة داخل العربات
حيث الليل
يغسل بقاياه بمخيلة المسافرين
   *        *        *
تذكرتك يوم سرقوا الهواء
من نوافذك وكمموا الأفواه
يوم صرخت أمام القتلة
تمردت على كل ما قيل وما يقال
أنت وحدك ..
تغربت في الفيافي والقفار
ركلوك .. قتلوك .. ذبحوك
لكي يسرقوا من عينيك
زرقة البحار
وأقنعة الحلم الجميل
ولكن لا محال
لا محال .. ستبقى أنت سيدهم
وكلهم إلى الزوال
لتلملم جراح الراحلين
بقطرات الندى
واللآلىء والمحار



إنعكاسات الرؤى

 منذ ليلة مضت
وعام يراوح مكانه
كما الجندي المستجد
في ساحة العرضات
هرع إلى نياشين الموت
أطلق ساقه للريح
هرول صوب المجهول
كان حزنه يغمر الوجوه
يبرح من حلم صيفي 
يتمطى آخر الليل الثقيل
يطلع من برج دبابة تائهة
تنحدر صوب الجنون
ملقية وراء سرفاتها
رعب الزمان
   *       *        *
منذ انطلاق الآهات من جيوبنا
المتخمة بالفراغ
ترنح الجبل
سقطت الآمال
تجاوزت مدى أعمارنا
هناك ... 
استسلمتْ عيوننا
للافتات بيضاء أو سوداء
لا فرق ...
لافتات محمولة فوق منابت الشهوة
أما الفقراء والمحرومين
فهم مثل أحلام مفخخة
فأين تذهب أحلامنا بعد الآن ؟
ومن أي حاوية تنطلق الآهات
وتترنح السواقي ؟
تدور مثل نبي هائم بين السهول
يبشر الغياب بالعويل والنحيب والأفول
يلتحف العالم بعباءته
فيا أيها الحزانى
أيها الفقراء
أيها الكناسون
أيها الصابرون
أيتها الأرامل
أيها الفلاحون
أيها العمال
أيتها المطلقات
إصطفوا في شوارع الضياع
ارفعوا راياتكم السوداء لا البيضاء
ضعوها في إطارات صور الملوك
إرفعوا أصواتكم برائحة الفوضى
بلا امتناع
وأعلنوا شارة الهزيمة
وشهادة سلوك
اعلنوها ...
اعلنوها ...
دون خوف أو وجل
وإحفروا بين الجباه دولة القبل
ادفنوا نحيبكم الدامي
بين عباب البحار
وأرخبيل المحيطات
إطفاؤها في العيون
احرثوا الماء والهواء
ابتلعوا منشوراتكم
الصفراء والبيضاء والحمراء
واهربوا إلى اقرب جرح لن يندملْ
لترسموا فوق شفاه العذارى
خرائط الضياع وشواهد القبل
ومن سهول التاريخ
وتضاريسْ الجغرافيا
اشفطوا اخضرار الحياة
إمضغوا الكلام ..
وإجمعوا التمتمات بين الصدور
امضغوها ...
فحبيبتي اليوم منتصبة
كأعمدة تثرثر الذكريات
ما زالت تضيء .. تضيء
تعلك حبها القديم / الجديد
تلقيه بين أروقة الزقاق المريبة
تدور به باكية ناحبة
عند البيوت المطرزة
بالشناشيل القديمة
وهي تحمل أثدءها الثكلى
جوعانة ...عريانة ... محرومة
من هواء الغيرة والدهشة
تبحث عن أغنية يتيمة
تدور كالطاحونة بلا انحناء
مثل هوامش في آخر الكتاب
مثل أسوار الحصون المنيعة
حيث مواء القطط ونباح الكلاب
وهي تتسرب
إلى وجهها المغروس في تاريخ الأسى ..
ولتمرق فوق (رؤوس الحراب) (1)
خلال الاصطفاف المدرسي
ولتقذف كل ما لديها من تفاهات
حيث تلمع جباهها  فيما
(وراء الروابي)  (2)             
لتعكس  مراياها 
باتجاه الصدور الناعسات
والقبلات المبتلة بالرضاب
بالبسمات الفريدة بالبالونات
بالموت المجاني (3)
 

هوامش
 (1) إشارة إلى نشيد(لاحت رؤوس الحراب)، الذي كان ُينشد سابقاً خلال الاصطفاف 
     الصباحي في مدارس العراق .
 (2) ما وراء الروابي : مجموعة شعرية للشاعرة العراقية زهور دكسن.
 (3) نشرت في المجموعة الشعرية (الدموع حليب الأطفال) الالكترونية وترجمت إلى اللغة الانكليزية ونشر في مجلة الإبداع السرياني.



عشق مثخن بالكآبة

عيناكِ أزاميل تنحتُ أدواتها
من وحشة الريح
عشق مثخن بالكآبة
يتدلى كألسنة خرساء
تهرول نحو أقبية الرؤى
بقدمين حافيين
يخطوان إلى الأمام
إنها تمارس المستحيل
تحرق هذيانات
(شوقي يوسف بهنام) العرجاء
ومدوناته النائمة تحت
أبط الشعراء
حيث تتدلى الخطايا
من دواوين قديمة
تحمل رائحة (الماغوط)
وتحولات (أدونيس)
تجاذبات (دنقل)
أزهار (بودلير) الشريرة
أوراق (وايتمان) الخضراء
وتنهدات (لميعة عباس عمارة)
هي هكذا دائما ً
حرائق تزخ شعرا ً
تدلف في ثكنات التاريخ
ترشف صبر المرايا
وإخضرار الكتب المجعدة
بين الدواليب القديمة



هوامش للصمت

ذلك الوطن التائه
بين سطور الأخاديد
أحلامه تعزف أغنية منسية
كأسماء المدن الغجرية
تتدحرج فوق إسطوانة
تبحث عن سورة الغضب
توقد نارا ً فوق قمم الكهولة
تحط كالهيبة
على مشوار السنوات
    *       *        *
إنها تشبه موسيقى أغنية
قديمة ..
تركها البريق خجلى 
صامتة ..
وهي تهذر آخر أقوال
أمام محكمة الحياة
  *       *      *
هي الأميرة
عزفتْ للشطآن أغنية البداية
والنهاية
تكاد ترمي بالسنارة في أفواهنا
على ضفاف مترعات بالندى
وحصى من عيون البحر
ثلاث وخمسون نغمة
طافت فوق بيادر السنوات
أوقدت فكرا ً نديا ً
وفراشات وزهور
ومواويل صبية
كل السنوات
بتواريخها الشهية
وزيها الموحد
وشعرها المسترسل
تنظر العشاق في آخر الصحو
لتوقد العيون ..
مشاعل الفرح ورائحة الليل
تجاور  شرفة الحنين
وهي تهتز مثل بركان خامد
انه تابوت الزهو يتدلى
من هامش الصمت
فتنسل المباهج والمعابر
لتستعيد أرقام النهارات الطرية
وتمضي ..



الدخول من ثقب الكلمات
(إلى سركون بولص حتما ً)

                                                         
من يقرأ سفر الأسماء 
وقواميس اللغة ؟
من ْ يتطلع عبر 
مخاضات الحلم ؟
من يرسم مجد الكون
ويعمده بدم الأشياء ؟
من يحرق صمت الأبجديات
ويؤثثها بالحرف ِ؟
هوامشٌ ومتن ٌ كثيرة مبثوثة ٌ
..........
..........
انه الشاعر .. دائما ً ...
خيولهُ تركض مسرجة في ساحة الشعر 
       *        *         *
ما بين أمكنة الخراب و(حمّال ُ الكلمات)
يتدلى - سركون - بهيئته
تهرول القلوب معه منفلقة
تحتضن السموات
يفهرس أبجدياته بعناوين ومتون ٍ وأبهة
      *         *         *
 (لا شيء منذ آدم / غير  ملحمة التراب)
يكتب عنوانها فوق غيمة
يركب سفنا ً تتجه نحو نجمة
 تلقي بأتونها في مهب النواح
 حشرجات السنابك
 في متون الدواوين
 إستعارات شائخة
روزنامات تخضر فيها الرماح
 تتطلع نحو حوافرها وهذيانات مثاباتها
 ُتسرج أكمّتها بألوان الفواجع
في بلاد ٍ مليئة بالجداريات والمتاحف
عيون الخرائط / ألسنة المدافع
    *        *        *
منذ (كركوك) .. ومن ثم (بيروت)
عبر الموانئ القصية
كل ما ورثه  كان الشعر
نشب الألم بين ثناياه
تظاهر القلب وسط الجموع
فطم على الأقاويل
غادره الحلم (قرب الأكروبول)
نحو صفصافة تطلُ على خرائب الصحو
ومراثي النشيد المدرسي العتيق :
لترسم المغيب بين الشفاه والعيون والجباه
وحيث المساءات تنزاح في  ُعلاه
       *        *         *
ها قد أعلنتْ رقم الرحلة 
نحو أرصفة ملأها السأم
 غطتها رياح التمدن
 كتل الاسمنت
 بنايات تعانق النجوم بالقبل
 تخوم تحرسها القابلات
 جنود يرممون تجاعيد الحروب
 رموز باركتها آلهة الجمال
والمحيطات الخمسة
     *        *         *
من يشتري الصمت من أفواه الشعراء ؟
من  ُيرتق المتاهة على حبال الكلام ؟
كل ما قاله الشاعر:
(عظمة أخرى لكلب القبيلة)
إنه يندرج تحت فهرست الظنون
في  لجج البحار وأرخبيلاتها
في ثياب العذارى وخيام الجاهلية
فهو وحده كان يهادننا
ويمور بالصلوات الشجيهة
خشية من "كلب القبيلة"
يرسم النهرين فوق خرائط الزمن
كل ما قاله :
(أكتب كلمة واحدة في دفتري
 وأغلقه ..
حركة تكفي لكي تتغير الدنيا)
      *       *         *
يمد الشاعر كفه من نافذة الكون
يدخل من بوابة الحلم
وثقب الكلمات
ينعس كتاب الحب
يتشظى ببكاء طفولي
لم يرث إلا  دموعا ً ثكلى
أنهكها التأرجح بين المواسم
لأن العظمة أمست "لكلب القبيلة"
والقبيلة ما إنفكت بصمتها التتري
تقبض الريح خلف بوابة الظنون
يتلو مزامير التحدي
ويجر خيولا ً من الكلمات
في (غرفة ٍ مهجورة).. يهرول ..
يتسلق هواء الدهشة
يحتضن سومر وأوروك وبابل
يرمم أصابع الموتى
التي أدمنها الحزن في زمن القطيعة
فهو على مقربة فرسخين
ما زال يحث الخطى ويرتب الكبوات
وفي فمه ملعقة من الكلمات
يقذفها على أرصفة الجراح
شواهد متخمة برائحة التراب
وهي تستغيث من دبق الحروب
(أساطير وغبار) ترسم النشيج
وتلقي به على وسائد العانسات
     *        *         *
منذ أن جاء هذا السومري
باحثا ً عن ضوء الكلمة
بين خبايا المكائد
وموائد الدهاء والعويل
حمل (فانوسه في ليل الذئاب)
وبدت ْ خلفة أرتالٌ من القصائد
تتدثر بحنين الأبجديات
(هكذا الشاعر، هو المطوق
بصيحات القبيلة
حين يجول الخرائب
ويرثي أبناء مدينته)
يلقي بمراراته حلما ً ودموعا ً
تقذفها الأعوام
ببريق النبض وفهرست الحياة

هامش :
ما بين الأقواس تضمين لثريا مجاميع شعرية أو عناوين قصائد أو مقاطع شعرية للشاعر الراحل سركون بولص.



جرمـانـا

افتح صفحة للسماء
وأخرى لمياه البحر
ألوذ بالخبر السعيد
في البلد السعيد
في بلد ينهشه البارود والحديد
لنهار إئتلق تواً
مع صبية دمشقية
ما زال قوس شفاهها
يتثاءب للمغيب
والنهود المكورة
تلمع ما بين الأكمة
حينها هربت مني الأعوام
وسقطت تقاويم المدن بأجمعها
  *      *        *
بالقرب من (القوس) (1)
(جرمانا) (2) تحتضرُ (بدال) الجراح
(وعين) المشردين
في القلب..
فقراءُ يتناثرونَ
في الشوارع / الأزقةِ / الشقق الرطبة
   *        *        *
الحروب تأكل بقايا الحدائق
والحرية تهرول مغشية عليها
في ذلك الصباح المضمخ بالألم
كل شيءٍ كانَ ساكنا ً
حتى القلوبُ توقفتْ دقاتها
وإسفلت الشوارع ينوح على الأقدام المتربة
جرمانا تُطفو مثل قاربٍ يتهاوى
قارب هدهُ الريحُ فوقَ البحرِ
وثمة أرملة موشحة بالسوادِ
تحملُ إبنها اليتيمَ
ووجهها النازف كالفجيعةِ
يرمقها شرطيُ المرور بصفارتهِ
تهرول .. نهرول نحن والعربات وبائع الحلوى
في إتجاهاتٍ مختلفةٍ
تهرول معنا
حيثُ خرائط اللاجئينَ عند أعتاب الأمم المتحدة
من بلادي الحزينة
البلاد التي غسلتها بناد