الحقائق والأوهام بين الآشوريين والكلدان[/


المحرر موضوع: الحقائق والأوهام بين الآشوريين والكلدان[/  (زيارة 1506 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كوركيس مردو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 563
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

                                      الحقائق والأوهام بين الآشوريين والكلدان
مُسَلسَلٌ بحلقاتٍ مُستلة مِن كتابي ( الكلدان والآشوريون عِبرَ القرون ) المُرتَقب صدورُه في مطلع العام القادم بعون الله

                                                        الحلقة الثامنة

( بداية حُكم السُلالة السركَونية )

سركَون الثاني Sargon  II   ( 721 - 705 ق . م )


يعزو مؤلِّف كتاب تاريخ كلدو وآثور المطران أدَّي شير تسنُّمَ سركَون الثاني  قائد الجيش الآشوري الأعلى عرشَ الدولة الآشورية  الى عدم وجود إبنٍ للملك شلمنصَّر الخامس ليَخلِفَهُ على العرش ، فنودِيَ برئيس قادة الجيش ملكاً على آشور ، واتَّخَذَ له لقباً باسم ( سركَون الثاني ) تيمُّناً باسم سركَون الأول ملك الكلدان أول امبراطور في التاريخ  مؤسِّس امبراطورية أكد ، ولم يكتفِ بذلك بل قام ببناء مدينة جديدة له أطلق عليها اسم (دور شروكين ) الاسم الذي أطلقه الامبراطور سركَون الأكدي على منطقة عاصمته ( أكد ) كما وضَّحتهُ التنقيبات الآثارية   .  حاول  سركَون الثاني الاقتداء بسَلَفَيهِ  تكلت بيلاسر الثالث وشلمنصَّر الخامس اللذَين كانا يكُنّان حُباً وإعجاباً كبيرَين لبابل  مُفضِّلَين إياها على نينوى  مما أثار غضبَ الآشوريين ، وكان هذا أحدَ المآخذ  التي حَدَت بهم للامتناع عن مبايعة  ملكٍ من سُلالتِهِما ،  وأرادَ سركَون  تنصيبَ  ذاته ملكاً  علي  بابل اسوةً بهما ،  بيدَ أن البابليين الكلدان أعرضوا عنه  وقاوموه  بقيادة ملكِهِم الثائر مردوخ بلادان مما اضطر سركون للاعتراف باستقلالية بابل وبشرعية الملك مردوخ بلادان في حُكمِها .

هاجَمَ عام 721 ق . م  مملكةَ بيث ياقين الكلدانية وأسِرَ  من سكّانِها ( 90580 ) فرداً وأمَرَ  بنقلِهم الى موطن الحثيين الواقع  بين أعالي سوريا وجنوب تركيا ،  كما اقتحَمَ  مملكة  كمبولو الكلدانية أيضاً  ووقَعَ في أسرهِ من سكّانِها ( 16490 )  فرداً  وأمر بترحيلهم الى الاقليم الآشوري ، ورد ذلك في لوحاتٍ ثلاث تمَّ العثور عليها في قصره بمدينة  خورساباد  انظر ( المدونات الآشورية والبابلية القديمة / لوكَمبيل / شيكاغو . 1927 م ص. 33 - 35 ، 48 - 52 "  Ancient Records of Assyria and Babylonia " Chicago . 1927 P. 33 , 35 , 48 , 52 . by D. Luckenbill )  وعلى واجهة واحدٍ من جدران قصره في مدينته  دور شَروكين ( خورساباد ) أمر سركون أن تُنقشَ مُنجَزاتُه الحربية لسنة حُكمه الاولى 721 ق . م ، ( اللوحتان  رقم  5 و رقم  15 V  -  XIIIII )   وقد وردَ فيهما عن الكلدان التالي : <  في مناطق سهول مدينة ( دير ) حَمَلتُ على  مردوخ بلادان  ملكِ الكلدان الذي كان  قد سيطرَ على البلاد البابلية . . . أجلَيتُ عدداً كبيراً من أبناء شَعبِه و أمَرتُ  بترحيلهم الى بلا د الحِثيين > .
                                                                                                                                                                                                                                                                كان مردوخ بلادان زعيم مملكة بيث - ياقين الكلدانية التي يَحُدُّها الخليج ، عاصمتُها  دور ياقين ( تل اللحم اليوم ) موقعُها بين الناصرية والبصرة ، ويُعَدُّ أشهر وأقوى زعيم كلداني آنذاك ، استطاعَ السيطرة على بابل والأقسام الجنوبية للدولة البابلية سنة 733 ق . م ، وقد مَلَكَ على بابل لغاية إزاحته سنة 721 ق . م من قبل الملك الآشوري سركون الثاني ،  لقد عَثَرَ المنقبون على (  لوحات حجرية ) في  صالات قصر سركَون المُرقمة ( 4 - 7 - 8 - 10 ) دُوِّنَ فيها وصف دقيق عن حَملته المُشار إليها أعلاه ،  نُدرجُ بعضَ ما ورد فيها :

<  مردوخ بلادان ملكُ الكلدان ، صنيعة الشر ، بذرة الإجرام ، لم يَخَف رَبَّ الأرباب ، اعتمدَ على البحر المُر وأمواجه العاتية ، ثارَ ضِدَّي ،  تَحَرَّكَ  نحو سومر وأكَد ، وسيطرَ على بابل مدينةِ  رَبِّ الأرباب لمدة 12 عاماً . . .  وبناءً الى أوامر الاله آشور والاله العظيم مردوخ ، أعدَدتُ عرباتي الحربية ، وأمَرتُ جيشي  للتَوَجُّه الى بلاد الكلدان . . . الى آخره > .

حين وصلت أخبار تَوَجُّه الجيش الآشوري غادر مردوخ بلادان وأتباعُه  مدينة بابل الى مدينتِه  دور ياقين ، حاملاً معه آلهته ، وتُشير المُدونات بأن سركون لم يكتَفِ بالاستيلاء على بابل ، بل لاحق
مردوخ بلادان  ، ودارت بين جيشيهما  معركة  طاحنة  تكَبَّدَ فيها الطرفان خسائر فادحة ، ولكنَّ الحسمَ تَمَّ لصالح سركون إذ تَمَكَّنَ من احتلال دور ياقين والسيطرة على بلاد الكلدان ، وقال سركَون :
<  حاصرتُ  دور ياقين ، واستوليتُ عليها ، غَنَمتُ كنوزَها الذهبية بالكامل ، أسِرتُ العديدَ من سُكّانها ، ثُمَّ أضرَمتُ النيران فيها وساوَيتُ العاصمة الملكية تلك بالأرض . . . أما  العاصمة  بابل فقد عُدتُّ إليها بفرح  وصافحتُ يد الاله مردوخ > .                                                                                                                                                                                            ومِن ضِمن ما نقشه سركَون على رصيف إحدى بَوابات قصره بخصوص الكلدان ( Pavement Inscription I - V ) <  قصر سركَون ، ملك الكَون ، الملك العظيم ، الملك الجبار ، ملك آشور ، بفضل عَون  ودعم الآلهة  آشور - نابو - مردوخ  تَمَّت سيطرتي على كافة الأراضي المُمتدّة ما بين البحر الذي مِنه تَشرُقُ الشمس ( الخليج ) والبحر الذي فيه  تَغرُب ( البحر الأبيض المتوسط ) حتى شرق عيلام  وجنوبِها  والى غرب  الحدود  المصرية  ،  ومُدُن الكلدان  بأجمَعِها  ومملكة بيث - ياقين الكلدانية  الواقعة  على  سواحل البحر المُر ( الخليج ) حتى  جزيرة  الدَيلَمون ( البحرين الحالية )  وجميع  مقاطعات  الدولة البابلية  الشمالية  والجنوبية . . . >  ويُردِفُ ذاكراً  الممالك الكلدانية التي استولى عليها : <  بيث - ياقين ،  بيث - دكوري ،  بيث - أموكاني ،  بيث - شيلاني ،  بيث - شعالي . . . > .
لقد تَعَدَّدَت حملاتُ سركَون على الممالك الكلدانية وبشكل أخص مملكتي  بيث - ياقين  و كَمبولو  اللتين أسِرَ مِن سكّانهما ما مجموعُه (980 , 106 ) فرداً ، أمر بجلبهم  وتوطينهم في اقليم نينوى ، وهنالك  العديدُ  من المسلات والثيران المُجَنَّحة والجِداريات التي  عُثِر عليها  مِن قبل المُنقبين  قد وَثَّقَ فيها  سركَون بالتفصيل مُنجزاتِه العسكرية والعُمرانية  تَضَمَّنت الكثيرَ عن الكلدان ،  نقتبسُ بعضاً منها :
أ - الإعتراف الصريح بوجود شعبٍ اسمُه ( الكلدان ) وافر العدد جداً ،  يتألف مَوطنُه مِن مساحاتٍ شاسعة في وسط وجنوب بلاد ما بين النهرين وسواحل الخليج وجُزُره منها ( فيلكا والبحرين والكثير غيرهما ) .
ب - الإقرار بوجود ممالك كلدانية عديدة  قائمة في مناطق متعدِّدة مِن بلاد الكلدان ،  وقد ذُكِرت بأسمائها  مثل :  بيث - دكوري ، بيث - أموكاني ، بيث - شعالي ، بيث - شيلاني ، كمبولو ،  رعوا ، فقودو ، وبيث - ياقين الأوسع بينها والتي كانت تمتدُّ رُقعتُها مِن البحرين جنوباً وحتى حدود عيلام شرقاً .

ج - أسرُ وتَهجيرُ الالوف  مِن  سُكّان الممالك  الكلدانية وإسكانُهم  في مُختلف  مناطق الاقليم الآشوري  واستخدامُهم  في تنفيذ  مشاريع  الدولة الآشورية ،  ولا سيما  في  بناء  مدينة  سركَون  دور شروكين ( خورساباد )  كما أقرَّ بذلك سركَون نفسُه : <  واستخدَمتُ الأسري الذين أمرتُ بجلبهم مِن هذه الممالك  في بناء مدينتي التي أسميتُها باسمي ( دور شروكين ) .

ح -  اعتراف سركَون  باستمرار العِداء والصراع المُستميت بينه  وبين مردوخ بلادان  ملك مملكة بيث - ياقين ،  الزعيم الأقوى  بين  زعماء الكلدان والذي كان ظهورُه  قبل  قيام الدولة  الكلدانية الكبرى عام 626 ق . م  ، وقد ذكره الكتاب المقدس - العهد القديم أكثر مِن مرة .

خ - إعطاء سركَون التمييز الواضح بين الكلدان  والآراميين  ، وذلك بكون موطن الكلدان في  وسط وجنوب بلاد ما بين النهرين  بينما موطن الآراميين كان في  بلاد الشام .

عُرِفَ سركَون بتكتُّمِهِ بخصوص نَسَبِهِ ، وكذلك فَعَلَ تكلت بيلاسر الثالث من قبلِهِ ،  وكلٌّ منهما تبنَّى إسمَهُ الملكي بعد اعتلائه العرش ، ولم يأتِ اختيارُ  سركَون لإسمِهِ  عن طريق الصدفة  بل عمداً بسبب انبهارهِ بعظمة سركون الأكدي وإنجازاتِهِ ،  وتعبيراً عن طموحِهِ الكبير الى المجدِ والعُلى ،  وبالرغم من موتِهِ المُبَكِّر في ميدان الحرب ، فقد استطاعَ تحقيقَ شُهرةٍ  واسعة ، إذ امتدَّت مساحة الدولة الآشورية  في عهدِهِ امتداداً شاسعاً ، ويقول الآثاري بوستكَيت أن موت سركون الثاني ظلَّ لُغزاً .

سنحاريب Sennacherib  ( 705 - 681 ق . م )

خَلِفَ سركَون الثاني إبنُهُ ( سنحاريب 705 - 681 ق . م)  كان الملك سنحاريب نظيرَ والدِهِ  شُجاعاً ميّالاً  الى الحرب لكنَّهُ  يُخالِفُهُ خُلُقاً وسياسةً ،  حيث انتفى لديه الرفقُ بالمغلوبين وتجلَّى العُنفُ بأبشع مظاهرهِ ، من حيث قتله  لعدَدٍ كبير من  سكّان البلاد التي يستولي عليها ونهبه  لخيراتها وسبيه لمقتنياتها بالاضافة الى أسرهِ لمجاميع غفيرة من مواطنيها  .  لقد أورثَ  سركَون الثاني لإبنه سنحاريب دولةً آشورية قوية مُحكَمةَ التنظيم والادارة ،  ممّا أتاحَ  لسنحاريب التفرُّغَ  لشؤون الدولة الداخلية  وبخاصةٍ انشغاله  بإعادة  تشييد مدينة نينوى التي وقع اختيارُهُ عليها  لتكونَ  عاصمةً لمُلكِهِ ،  وبالرغم  من أهميتها الموقعية  وقِدَمِها إلا أن الملوك الآشوريين لم  يتَّخِذوا منها مَقَرّاً  لحُكمِهم  من قبل ،  أحاطَ  سنحاريب المدينة القديمة بمساحة واسعة من جانبيها الشمالي والجنوبي  تُعرَف اليوم باسم ( قوينجق ) وسيَّجَها بسور حجري ضخم  زَيَّنَهُ  بِبَوّاباتٍ هائلة مُزَوَّدة بأبراجٍ عالية  وأصبحت منذ ذلك عاصمةً رسمية للدولة الآشورية حتى انهيارها عام 612 ق . م .

 بعد مقتل سركون الثاني تحرَّكَ الملك الكلداني مردوخ بلادان الذي أبعدَه سركون عن حُكم بابل وتولّى حُكمَها بنفسه مباشرة وأمضى فيها سنتين من 710 - 708 ق . م  بعدها اقام على بابل حاكماً كلدانياً محلياً موالياً له  هو ( مردوخ ذاكر شمي ) ، أما  الملك مردوخ بلادان فقد كان قد جعلَهُ سركون ملكاً على القسم الجنوبي منها المعروف بالقطر البحري ، فانتهزَ مردوخ بلادان موتَ سركون المفاجيء  وقيام الاضطرابات في بابل  وتقاعس  سنحاريب في                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                 تأكيد سُلطته هناك ،  فقادَ حملة على بابل عام 703 ق . م وأطاح بالحاكم المحلي  وتسنَّمَ عرش بابل ثانيةً  وأصبحت بلاد بابل بأكملِها  بضمنها القطر البحري جنوباً والقبائل الكلدانية المنتشرة شمالاً تحت السيادة الكلدانية .
شعر سنحاريب بغيظٍ شديد  لاستيلاء ملك القطر البحري الكلداني ( مردوخ بلادان ) على عرش بابل ثانيةً ،  ورأى في ذلك خطراً على الدولة الآشورية حسب قول الآثاري بوستكيت ،  فتحرَّكَ على رأس جيش عَرَمرَم لكي يُعيدَ الهيمنة الآشورية  ، فاتخذ نهر دجلة مسيراً له  وكان اصطدامُهُ الاول بالجيش العيلامي حليف جيش مردوخ بلادان الكلداني  فألحقَ به الهزيمة  وأرغمَ مردوخ بلادان وجيشه الانسحاب من بابل ،  وعن  هذه الحملة  العسكرية  يتحَدَّث  سنحاريب  في إحدى حولياته  وبحَسب المصادر :  ( المسلة الموجودة  في المتحف البريطاني  والمرقمة  < ب م 113 - 203 BM  113 - 203 -  منشور  سنحاريب /  العمود الأول / الأسطُر 20 - 64 Sennacherib Prism Col  I -  لوكَنبيل / الجزء الثاني / ص . 134 Luckenbill, II  P. 134  - سِدني سمِث / الحملة الاولى لسنحاريب Shdney Smith < The First Campaign of Sennacherib )  قائلاً  <  في العام الأول  من  ارتقائي العرشَ  قُدتُّ أول  حملةٍ  عسكرية  ضِدَّ  التحالف المُعادي للآشوريين بقيادة مردوخ بلادان ملكِ الدولة البابلية ، فألحقتُ بمردوخ بلادان  وبالجيش العيلامي المتحالف معه الهزيمة في سهول  كيش ،  لاذَ مردوخ بلادان بالهرب  مِن  تلك المعركة فاستوليتُ  على قصره في بابل  ، حيث  دَخَلتُه  مُنتشياً  فرحاً  ،  فتحتُ  خزائنه  وأخَذتُ  كُلَّ  النفائس الموجودة  في  داخلها  وكانت  لا تُعَدُّ  ولا تُحصى ، أسِرتُ  حريمَه  والقائمين  على حماية قصره  وذوي المِهَن الحُرة ، واستوليتُ أيضاً على ( 75 ) مدينة كلدانية مُسوَّرة  و( 420 ) مدينة صغيرة  في الضواحي  وغنمتُ كُلَّ موجوداتِها ، ويُضيف :  سيطرتُ عليها  جميعاً ،  وبَلغَ مجموعُ عددِ الأسرى  (000 , 208 )  مِئتين  وثمانية  آلاف أسير  بين صغير وكبير  مِن النساء والرجال ، بالإضافة الى أعدادٍ لا تُحصى من الخيول والبغال والحمير  والأغنام  والأبقار ،  أمرتُ بجلبها الى البلاد الآشورية >  .

 وفي المسلتَين المعروفة إحداهما( بمسلة رسام H. Rassam ) والاخرى(بمسلة بللينو Bellino) نُقِشَ عليهما وصفٌ مُسهَبٌ عن غارات سنحاريب على بلاد الكلدان يعود تاريخُهما الى عام 700 ق . م ، والمسلتان قابعتان في المتحف البريطاني بلندن ،  وإن أهمَّ  ما قد  وردَ في هتَين المسلتَين < إن سنحاريب من خلال حملاته العسكرية على بلاد الكلدان قام بأسر مئات الآلاف  من أبناء الكلدان ، هجَّرَهم الى البلاد الآشورية  وسخَّرَهم في إكمال تشييد مدينة والده سركون ( دور شروكين ) < خورساباد >  بالاضافة الى إعمار مدينة نينوى والقيام بتنفيذ المشاريع الإروائية ،
وهنا يَجدُر التساؤل ، أين تَمَّ  توطينُ هذا العدد الهائل من الأسرى الذين جلبهم سركَون وسنحاريب ، وكانت الغاية من جلبهم بحسب قولهما هي لاستخدامهم في بناء وإعمار مدينتَي ( دور شروكين - خورساباد -  ونينوى ) الى جانب المشاريع الإروائية ،  هل يُعقل أن يُوَطنوا بعيداً عن موقع  هاتين المدينتين ؟  فمِن  الناحية المنطقية يُعتبرُ احتمالُ ذلك  غير واقعي ،  و إن  توطينهم  في  مواقع  قريبة  من المدينتين المذكورتين هو الصواب  بعينه ، إذاً أليست المناطق القائمة  عليها  قرانا  تلكيف  ،  باطنايا  ،  باقوفا  و تللسقف  وحتى ألقوش ، ناهيك عن كرمليس المُقام الى غربها أكبر مُعسكرات للأسري الكلدان يُدعى ( باشبيتا أو بيث شبيا ) ويعني بيت الأسر أو بيت السبايا ، الأكثر احتمالاً  لتوطين  هؤلاء ، حتى لو لم يكن كُلُّهم بل حتما جزءٌ كبير منهم ؟

هاجمَ بابل بعُنفٍ شديد فسقطت عام 689 ق . م ، فكان انتقامُهُ  منها  مُرعباً  ثأراً لمقتل ولده ، وسمح لقادة  جيشه وجنوده بانتهاك حُرمة المدينة الشهيرة ونَهبِها وتدميرها بالكامل ، وأوعزَ بنقل تمثال ( مردوخ ) من معبد ايساكلا الى مدينة آشور .وهنالك وصفٌ لنتائج  حَملته السادسة  منقوشٌ على أحد  الثيران المُجَنَّحة  تَضَمَّنَته الأسطر 19 - 26  يقول سنحاريب <  كان يقطنُ  المقاطعات  العيلامية  الخمس الواقعة  على الضفة  الشرقية  للبحر المُر ( الخليج ) كلدانٌ  مِن مملكة  بيث - ياقين ، اكتسحتُ مُدنَهم ،  وأحرَقتُها بعد أسرهِم جميعاً ،  ثُمَّ أمرتُ  بإصعادِهم الى السُفُن التي صنعتُها  في  بارسيبا  ونينوى ،  وتَمَّ  نَقلُهم  الى البلاد الآشورية >
كانت نهاية الملك سنحاريب المُلقَّب ( ملكَ الكَون ) الآشوري مأساوية ، حيث جرى اغتيالُه  مِن قبل  أبنائه  بثأر عائلي عام 681 ق . م  في نينوى ، لأنهم كانوا على خلاف مُتَّصِل معه ، اعتراضاً على سياساتِه التعسفية التي كان  ينتهجُها  ضِدَّ الأقوام  الاخرى ،  وبخاصةٍ ما ارتكبَه مِن عمل مُشين تُجاه بابل وأهلِها  بضَربه عليها حصاراً قاسياً وطويلاً ،  أسفر عن موت أكثر من تسعين ألف شخص ، وتدميره للقصور والمباني بلهيب النيران ، ولكن ذلك لم يكن المُبَرِّر الأساس لعملية الاغتيال  وإنما الدافع الحقيقي كان صراع الأبناء على السُلطة ، إذ كان عددُ أبنائه سبعة عشر ولداً .والى الحلقة التاسعة قريباً .

الشماس كوركيس مردو
في 14 / 4 / 2007