♣ فلاسفة اليونان الأوائل ولغز الوجــود !!! ♣


المحرر موضوع: ♣ فلاسفة اليونان الأوائل ولغز الوجــود !!! ♣  (زيارة 964 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل النوهدري

  • عضو مميز متقدم
  • *******
  • مشاركة: 12415
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
بروفايل : فلاسفة اليونان الأوائل ولغز الوجود
آجتهدوا لتخليص الفكر من سيطرة الأسطورة واستولوا على ميادينها
الدار البيضاء / حسن الحريري :
لم تكن بدايات الفكر اليوناني محكومة بالقوانين المنطقية ، ولم تكن بالطبع فلسفة خالصة .
فالفكر اليوناني كان فكرا أسطوريا ، عموده الفقري هو الملحمة الشعرية .
لكن الأسطورة تراجعت عن مواقفها القديمة كمركز للحياة الفكرية في اليونان ،
حيث قامت الفلسفة بالاستيلاء على معظم ميادينها ، لكنها بقيت حاضرة ،
ولم يجر القضاء عليها مطلقا ، فالأسطورة ، والمنطق ، والديانة ، والفلسفة ،
أمور مترابطة تقدم ، في بعض الأحيان ، كمزيج مختلط ، وكلما تقدمنا تاريخيا ،
نجد الفكر الفلسفي أكثر تحديدا واستقلالا ، من دون أن يعني ذلك أنه ،
في مراحل الفلسفة اليونانية المشرقة ، كان هذا الاستقلال تاما ونهائيا .
ظهرت في إيونيا حركة فكرية علمية الطابع ، هدفها تفسير الظواهر الطبيعية لأول مرة ، بمنأى عن الأساطير والخرافات ، ولقد مثل الفلسفة الإيونية أو مدرسة ميلينوس ، الفلاسفة :
طاليس ( 624 - 546 ق.م ) ، وإنكسمندريس ( 610 - 545 ق.م ) ،
وإنكسيمانس ( 588 - 525 ق.م ) .
وكان موضوع بحث فلاسفة إيونيا، الوقوف على مبدأ واحد يكون وراء الفوضى والعماء ، ويكون ثابتا وراء التغير يقدم طاليس فكرة أن الماء أصل العالم ، ومبدأ مفسر للتغير، والتعدد، والكثرة ، أن الكل واحد ، وهذا ما جعله أول فيلسوف يوناني
في نظر مؤرخي الفلسفة ، ويعتبر إنكسمندريس ، الفيلسوف الثاني للمدرسة الملطية .
اعتقد في وجود عدد لانهائي من العوالم ، وأنها جاءت جميعا من شيء ما
وتفنى في الشيء نفسه، سمى هذا المبدأ الأبيرون ، والأخير ليس عنصرا واحدا ،
لكنه مزيج من العناصر الطبيعية المختلطة ، التي وحدها يمكن أن
تفسر مجيء الموجودات إلى الوجود وفنائها .
ربما يقترب أرسطو من فكر إنكسمندريس ، عندما يصف الأبيرون في كتابه
«الطبيعة»، بأنه ذلك الجوهر الكامن بين العناصر الأربعة ، فالأكيد أن الفيلسوف
لم يقصد بالأبيرون عنصرا محددا ، ولكن كان يتحدث عن المبدأ والجوهر
وراء كل العناصر ، لأن من الأبيرون تجيء جميع الموجودات ، ولا بد أنه
من طبيعة مختلفة تحوي جميع العناصر وتفوقها ، فجميع الموجودات لها
نهاية محددة تفنى عندها ، ولأنها تفنى في الأبيرون ، لا بد أن يكون الأبيرون
بلا نهاية ، أو « لانهائي » ، ويعتبر تصور إنكسمندريس للكون كخلية مستقلة
ومنظمة ذاتيا ، ويمكن تلخيص أهم ما جاء به للخروج من التفكير
الأسطوري في التالي :
أصبح الكون محكوما ذاتيا بقانون عام، وليس بواسطة إله أو أي قوة أسطورية .
وجاءت آراء إنكسيمانس ، كرد فعل وامتداد لآراء إنكسمندريس ، وقد تابع البحث
في علوم الفلك والرياضيات ، واهتم بالتفرقة بين الكواكب والنجوم الثابتة ،
وبيان أوجه الاختلاف بينها ، اعتقد في أن الأرض قرص مسطح .
وذهب إلى أن القمر معتم ، وأنه يستمد ضوءه من الشمس ،
ولم يتفق على وضع طاليس للماء كمبدأ أول .
وذهب إلى أن الماء ليس إلا صورة من صور الهواء المضغوط عند التكثف .
فذهب إلى أن الهواء هو المبدأ الأول للوجود .
وتعتبر الفيثاغورثية ، اتجاها عاما وديانة ، إلى جانب كونها فلسفة
أسسها فيثاغورث سنة 580 ق.م ، حين كون مجموعة من الرياضيين
كانوا يعمن دون العدد ويعيشون كالرهبان ، ويعتبر من أهم المؤثرين
على الفلسفة الأفلاطونية ، تميزت الفيثاغورثية بالغموض منذ ظهورها ،
وأعطت قيمة كبرى للعدد ، حيث طابقت بين الأعداد والأشياء ،
وآشتهرت بإنشاء علم اللاهوت الحسابي .
كان الانضمام إلى التعاليم الفيثاغورثية ، يتطلب ، فضلا عن تطهير الجسم
من شهواته ، العقل بدراسة العلوم المختلفة ، وخاصة الرياضيات والموسيقى .
وكان ينتظر من الطالب الجديد ، أن يلتزم « الصمت الفيثاغورثي » ،
مدة خمس سنوات ، ولعل المقصود بالصمت الفيثاغورثي ، هو تقبل الأوامر
من دون سؤال أو مناقشة ، قبل أن يعترف به عضوا كاملا في الجماعة ،
وقبل أن يسمح له بأن يرى فيثاغورث ، أي أن يدرس على يديه .
الفلسفة الفيثاغورثية ، ومن قبلها الفلسفة الملطية ، وقعت على ضرورة
وجود واحد يتخلل الكون ، ويكون مفسرا له ، سببا في نظامه . 
فرغم تفهم هيراقليطس ( 576 - 480 ق.م ) ، لمفهوم الوحدة والنظام
في الفلسفة الفيثاغورثية ، فقد كان ساخرا منها ورافضا لها .
يمكننا القول ، بأن مبدأ الوحدة والنظام ، متمثلا في العدد مع الفلسفة الفيثاغورثية
قد استبدل من خلال الصراع عند هيراقليطس ، إنه أول من قال
في تاريخ الفلسفة ، بالصراع والتغير ، والواقع وفقا لهذا الفيلسوف ،
هو سلسلة من المتناقضات في صراع دائم ، ويرى هيراقليطس ،
أن التناقض نافع ، وأن أفضل أنواع الهارمونية ، ينتج عن المتناقضات :
« كل شيء يولد من الصراع » ، ففلسفة هيراقليطس ترى
في التناقض والصراع طريقا وحيدا إلى الهارمونية ، بل إنه ذهب
إلى ما هو أبعد من ذلك ، عندما رأى أن تصورنا لتناقض طرفين ما أو صراعهما ،
هو تصور مغلوط ، فكل من الطرفين يحمل داخله شيئا من نقيضه ،
والصراع الظاهر لنا ، ما هو إلا وحدة للمتناقضات .
فـ «أنت تعيش موتك ، وتموت حياتك » ، فالحياة والموت ، هما مرادفان للمعنى نفسه .
الإنسان يعيش في كل لحظة موته ويقترب نحوه ، وكل دقيقة تمر تموت في الحقيقة .
نحن نعيش موتنا، من الخطأ أن نتصور أن الموت والحياة هما شيئان مختلفان ،
في الحقيقة، هما وجهان لعملة واحدة .   
خصص نيتشه خمس فقرات من كتابه « الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي » ،
ليحدثنا عن قصة بارمينيدس ( 544 - 450 ق.م ) ، وبحثه عن الحقيقة في الوجود . موضحا علاقة بارمينيدس بهيراقليطس ، وعلاقة بارمينيدس بأكسانوفان ،
باعتبارهما ينتميان إلى المدرسة الإيلية ، مدرسة الوحدة والثبات .
يحدد بارمينيدس نوعين من الصفات في الوجود ، النور الذي يمثل الصفة الإيجابية ،
وتندرج تحته الصفات التالية : الخفة ، النار ، الحرارة ، الرقة ، المذكر ، الفعل .
والنوع الثاني من الصفات ، هو الظلام الذي يمثل صفة سلبية ، وتندرج
تحت هذه الصفة، مجموعة من الصفات التابعة وهي :
الأرض ، الثقل ، البارد ، السميك ، الأنوثة ، الانفعالية .
وبعد تأمل عميق لهذه الصفات ، سمى الصفات الإيجابية « الوجود »
والصفات السلبية « اللاوجود » ، وبهذا ، فالعالم مقسم إلى الوجود واللاوجود .
وعلى هذا الأساس ، اعتبر أن الوجود موجود واللاوجود غير موجود .
 فثبات ووحدة الوجود ، لا نصل إليها بالمشاهدة الحسية حسب بارمينيدس ،
بل إدراك الوحدة يتم بالتحليلات العقلية ، وبهذا ميز بين العقل والحس ،
وابتعد عن تضاريس الوجود الحسي ، حيث أسهم في ظهور الأنطولوجيا
كعلم يبحث في الوجود عما هو موجود ، بمعنى دراسة الوجود في كليته .
لقد كتب هولدرلين ، الشاعر الألماني ، مسرحية شعرية سماها
« أنباذوقليس » ( 490 - 435 ق.م ) ، مجد فيها الإنسان باعتباره
كائنا مقدسا وإلهيا ، وفكرة أنباذوقليس الأساسية في الكون ، أنه يعود
إلى مواد أربع ، وهذا ما يسمى « الأستويخيون » أو « الأسطقسات »
في اللغة العربية ، وهذه العناصر هي :
الماء ، الهواء ، النار ، والتراب ، والعنصر الجديد الذي أضافه أنباذوقليس ،
هو التراب ، أما بقية العناصر الأخرى ، فقد قال بها كل من طاليس ، وإنكسيمانس ، وهيراقليطس ، وإلى جانب هذه العناصر ، هناك قوتان :
المحبة التي تعمل على وصل العناصر ، والكراهية التي تقوم بفصلها .
وهكذا فالصراع والتعاقب هو قانون القوتين ، ما يولد دورات كونية غير متناهية
على شكل عود أبدي للمماثل والمشابه ، ومجرى الطبيعة حسب أنباذوقليس ،
ليس خاضعا لنظام الغائية بل للمصادفة والضرورة .
ينتمي ديمقريطس ( 460 - 370 ق.م ) إلى المدرسة الذرية .
فهو القائل بأن الذرات المادية ، أو « الجزء الذي لا يتجزأ » ،
هي أصل السكون والفساد، أي العالم الكائن ، وهي في حالة حركة دائمة .
وحركة الذرات هذه ليست موجهة إلى غائية ما ، فشكل وحجم وضع الذرات ،
هو الذي يحدد صفات الأشياء ، كما أن حالة الموجودات ناجمة عن تصادم الذرات ،
ونسبة المسافة الموجودة بينها ، فالذرات أجسام لا يمكن أن تنحل .
في البدء كانت الذرات متحركة في الخلاء ، أي أن الحركة أزلية وأبدية .
فلا شيء من لا شيء ، ولا شيء يعود إلى اللاشيء .
إذن ، ما يطبع التجربة الإغريقية في لحظة الحكماء ، هو التفكير في الوجود
في كليته ، أو لنقل لغز الوجود ، إنهم يشكلون ومضات مضيئة للفكر البشري
في مختلف حقبه التاريخية ، وحاجة الإنسانية إليهم واستلهامهم ، هو التفكير
بهم ومن خلالهم، وذلك من أجل الانفصال عنهم، قصد الاقتداء بهم فيما نواجهه ،
ونفهم هذا الذي يحدث في عصرنا ، وليس تكرار ما قالوه واستنساخه .
المصدر / منتدى الشرق الأوسط .