الهوية المسيحية في الرواية العراقية:هل هناك صراع بين الهوية الفرعية والهوية الوطنية في العراق؟


المحرر موضوع: الهوية المسيحية في الرواية العراقية:هل هناك صراع بين الهوية الفرعية والهوية الوطنية في العراق؟  (زيارة 390 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عنكاوا دوت كوم

  • مشرف
  • عضو مميز متقدم
  • ***
  • مشاركة: 32091
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


المدى / ميسلون هادي

تتناول هذه الدراسة الهوية المسيحية في العراق من خلال مقتربين، أولهما هو تصور الفرد المسيحي لنفسه، وإدراكه لهويته الناتجة عن التفاعل بين الذات والموضوع، والمقترب الثاني هو تصور المجتمع العراقي للفرد المسيحي عبر ثنائية الأكثرية والأقلية، وهي الثنائية التي أعيد انتاجها بقوة بعد الإحتلال، فأدت تداعياتها إلى إيقاظ صراعات قومية ودينية وطائفية وعصبيات فرعية، ولاحقاً تأججت هذه الصراعات وتعقدت بسبب محاصصات النظام الجديد للحكم، وغياب الشعور الحقيقي بالمواطنة لمن ينتمي إلى مجموعة يُطلق عليها مصطلح مستفز هو (الأقلية).
لقد تطلب هذا المقتربان أن يقوم الباحث والإعلامي عماد جاسم أولاً بتعريف الهوية في اللغة والاصطلاح، والتي تلخص انتماء الفرد لمجاميع بشرية مشابهة له من أجل خلق توازن نفسي وشعور بالقوة والأمان، وتتمثل هذه الهوية في ثلاثة مستويات هي أولاً هوية فردية، وثانياً هوية اجتماعية، وثالثاً هوية انسانية. وتسير الثانية باتجاه الثالثة، وتتجلى أصدق تعبيراتها في الهوية الوطنية.
ويلاحظ عماد جاسم أن جوهر تحديد الهوية هو جوهر مركب يتضمن تماثل عنصرين هما (المشترك معنا في ماهيتنا) و(المغاير المفارق لهويتنا)، وبذلك ترتبط دلالة الهوية ارتباطا وثيقاً باستيعاب الذات، ثم إدراك (الآخر)، وبالتالي تتشكل ماهيتها عبر صيرورة زمانية ومكانية وسوسيولوجية ونفسية وسياسية تؤدي بالنهاية إلى استقرار وتكوّن المجموعة وتنظيم علاقاتها مع المجاميع الأخرى.
من هذا المدخل تكون عصبية الهوية الفرعية وليدة أزمة مجتمعية، وقد يكون التهديد هو هذه الأزمة التي تدفع مجموعة معينة إلى البحث عن المشتركات مع من يماثلها في التوجه الثقافي من أجل الاحساس بالأمان، وهذا ما حدث بعد العام 2003 في العراق، إذ دفعت الأحداث المتلاحقة باتجاه تأطير الهويات الفرعية لنفسها داخل نطاق ثقافي يعود بها إلى المنشأ الطائفي والعائلي أحياناً، وتتجه المجموعات العرقية أو الطائفية أو الدينية أصغرياً إلى تأسيس منتديات أو تجمعات لمواجه الآخر المكرس أكثرياً، ويميل الباحث إلى الاعتقاد بأن هذا يحدث وقت الحروب والأزمات، في حين نجد أن هذا النزوع موجود حتى في فترات السلم والأمان، بل يوجد كذلك في البلدان المستقرة التي لا تتعرض فيها الطوائف إلى تلك التهديدات.
شكلت موضوعة (الهوية) مادة مغرية (سلباً وإيجاباً) للدراسات الاكاديمية في السنوات الأخيرة، وجاءت دراسة الباحث والإعلامي عماد جاسم إضافة مهمة في هذا المجال لكونها الأولى من حيث تصديها للهوية في الرواية العراقية تحديداً. ولأن العمل الروائي يمكن أن يكون مجسداً للصراع أكثر من باقي المجالات المعرفية الأخرى، فقد أختار الباحث عماد جاسم (17) رواية عراقية لروائيين مسلمين ومسيحيين يشتركون بـ (هم) واحد هو التعبير،عبر رؤى مختلفة، عن التحولات التي حدثت ما بعد العام 2003، ويقدمون شهادات عن التغيرات الحاصلة في المجتمع العراقي، وهي شهادات رصدت رؤية (المسيحي) للمسيحي ورؤية (الآخر) للمسيحي.
وبجهد لافت قام الباحث بمسح الروايات التي صدرت خلال هذه الفترة المأزومة من تاريخ العراق، وقرأ وجمع وحلّل الأعمال التي تخدم موضوعة البحث، فبدأ مبحثه الأول برواية (الحفيدة الأمريكية) لإنعام كجه جي، والتي تصور رؤيتين متقاطعتين للإحتلال، هما رؤية الجدة والحفيدة، وتنتهي بالتحام الحفيدة بهوية العائلة الوطنية. كما سيتكرر هذا النفس العاطفي الجارف في رواية (طشاري) لكجه جي، والتي تروي قصة طبيبة مسيحية عاشت في الديوانية في خمسينيات القرن الماضي، وهي الأخرى اضطرت للهجرة مرغمة بعد (طشار) كل أفراد اسرتها في مختلف بلدان العالم، ويكون هم الروائية إنعام كجه جي في كلتا الروايتين تغليب الهوية الوطنية على الهوية الفرعية عبر شهادات عاطفية حية عن حياة المسيحيين في العراق. وبالتأكيد فإن الكاتب العراقي المغترب سنان انطون يشكل حساسية مختلفة في إثراء هذه الدراسة المهمة عن الهويات الوطنية والفرعية، إذ تجسد روايته (يا مريم) فاجعة كنيسة النجاة، وبتناولها هذا الحدث الخطير، تضيء الرواية نقطة تحول مهمة في حياة مسيحيي العراق.
في الفصل الثاني من الكتاب يتناول عماد جاسم شخصية (المسيحي) من وجهة نظر(الآخر) غير المسيحي، حيث استحضر بعض الكتاب المسلمين شخصيات مسيحية في روايتهم، ومن تلك الروايات التي اختارها جاسم لهذا المبحث رواية سبارجيون لعامر حمزة وروايات (أجمل حكاية في العالم) و (زينب وماري وياسمين) و(شاي العروس) و(حلم وردي فاتح اللون) لميسلون هادي. ثم تتكشف ردود أفعال شخصيات مسيحية مختلفة في لحظات هلع مشترك لروايات أخرى مثل (أماكن حارة) لجنان حلاوي و(فرنكشتاين في بغداد) لأحمد السعداوي و(إعجام) لسنان انطون، والأخيرة تتحدث عن شاب مسيحي يعيش قصة حب مع فتاة مسلمة تستهويها طروحاته الثورية، ويكون مثار إعجاب باقي زملائه الطلاب لتمرده على سلطة النظام السابق، مما أدى إلى اعتقاله وتعذيبه في السجون. أما رواية (أقصى العالم) لناظم محمد العبيدي، فتستحضر شخصية أخرى مثيرة للإعجاب هي شخصية لويس المسيحي من خلال وجهات نظر متعددة، كما يضيء الباحث عماد جاسم معادلة الخير والشر في رواية أحمد السعداوي من خلال إظهار طيبة الأب يوشيا المنحاز لقيم الخير، و سماحة الجارة العطوف أم دانيال، وتكاد تكون هذه الصفات الايجابية من التسامح واحترام القوانين والروح المدنية هي الصفات المشتركة لجميع الشخصيات الروائية المسيحية التي استحضرها الباحث لموضوع دراسته.
من جهة أخرى يحاول عماد جاسم الكشف عن الجانب السلبي الممثل بالمسيحي المتراجع عن هويته الوطنية إلى هويته الفرعية بدرجة كبيرة من التعصب، ويشير إلى أنه قد وجد صعوبة في العثور على مثل هذه الشخصيات السلبية في الروايات التي تناولها في بحثه، فيما ظهرت شخصيات مشبوهة في سياق سلبي بعيد عن هذه القضية مثل ريزان صاحبة الفندق و يوسف خوري الساحر في رواية (الطريق إلى تل المطران) لعلي بدر ، بجانب شخصيات أخرى ظهرت ضديتها السلبية تلقائياً كردة فعل على تحقير الآخر لها، وهذا ما جاء في رواية (السعيد في كابوسه الأقصى) لميثم الحلو، و(أرض الليالي) للروائي ناظم محمد العبيدي، ويتوقف عماد جاسم أخيراً عند رواية (عراقي في باريس) لصموئيل شمعون، والذي فضل أن يسرد حكايته بصفته عراقياً مغترباً لا مسيحياً مغترباً.

أي نشر، أو إعادة تحرير لهذه المادة، دون الإشارة الى " عنكاوا كوم " يترتب عليه أجراءات قانونية