تللسقف البلدة الضحية


المحرر موضوع: تللسقف البلدة الضحية  (زيارة 960 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Abdullah Hirmiz JAJO

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 604
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
تللسقف البلدة الضحية
« في: 15:04 25/04/2007 »
تللسقف البلدة الضحية


برز أسم هذه البلدة المسيحية مؤخرا وبالتحديد يوم 23 نيسان 2007 كونها دخلت وربما لأول مرة بهذه القوة في مسلسل العنف العراقي أو العنف الذي يعصف بالعراق لتكون بأرضها قد أضافت مساحة جديدة لتحرك الإرهابيين رغم كل الجهود المبذولة لمحاربتهم لكنهم قادرون على توسيع رقعة تحركهم واختيار الأهداف الدسمة بحرية وسهولة رغم أنف عشرات السيطرات الرسمية ومنها الكردية والمزروعة على طول الطريق من الموصل صعودا نحو الشمال.

والبلدة التي نمت وكبرت بعد الاستقرار النسبي الذي شهدته المنطقة وجنوحها نحو التطور الثقافي والاجتماعي وتوفر الخدمات النسبية فيها الأمر الذي جعل منها مركزا تجاريا جعلها تتجاوز حتى أهمية قضاء تلكيف واستقطبت مجاميع كبيرة من العوائل التي وجدت فيها ملاذا آمنا مما جعلها هدفا لمن ينشد الاستقرار وخاصة من اهالي البصرة مرورا ببغداد والموصل وليس من أبنائها بل من ذوي الأصول في القرى المجاورة لها خصوصا حيث اختاروها للسكن وجعلوا منها منطلقا للعمل والاستقرار، وكان الزائر لها يجد بلدة تنبض بالحياة وتعج بالمتبضعين؛ بينهم من ألقوش أو قرى الإيزيديين أو من باقوفة أو باطنايا وحتى تلكيف.

وزائرها كان يجد جميع ما يحتاجه بدءا من الدواء مرورا بالمأكل والمشرب وحتى الذهب والملابس الحديثة أو التقليدية، حيث أنها أصبحت بلدة متكاملة وعصرية دخلتها أنظمة الانترنيت ومقاهيها، أصبح فيها ورشٍ صناعية، ومحالٍ تجارية؛ مارس اهلها أضافة للزراعة المهنة التاريخية المتوارثة نتيجة امتلاكها أرضا زراعية خصبة، مهناً وأعملا جديدة تواكب التطور العلمي والصناعي والتجاري، خاصة بعد زيادة عدد سكانها نتيجة التوافد عليها بسبب الأوضاع المضطربة في أرجاء العراق الأخرى.

لكن كيف يرضى الأشرار عن وجود بقعة آمنة والطرق إليها سالكة والأضواء فيها متوهجة وأهلها مطمئنون ويمارسون أعمالهم ويحصلون على أرزاقهم بما يرضي الله والإنسانية، ويتبادلون المصالح والثقافات ويرفدون الإنسانية بالجهود الجبارة مساهمين في البناء والتقدم؟ فلابد للجميع أن يعطي ضريبة الدم، ولابد للبيوت أن تتصدع لأن خفافيش الظلام يجب ان تجد لها ملاذا مظلما تسكن فيه؛ هي هذه الشقوق التي تحصل نتيجة الأعمال الإجرامية، وهذه لن تحصل إذا كان البناء محكما ولن يكون مكانا لها كي تسكن وتمارس أعمالها الشريرة ويكون العراء ملاذا تبقى فيه وهي لا ترغب بذلك ولا يخدم أعمالها الشريرة فتذهب نحو الزوال والانقراض.

فكشّر مصاصوا الدماء عن انيابهم ووجدوا هدفهم الدسم الذي يعج بالطفولة البريئة وبالمدارس العديدة التي ينتظم فيها الطلبة كي ينهلوا من العلم ويزدادوا معرفة وثقافة، وشعبا آمنا ملتفتا نحو البناء والعمل الشريف، والهدف المعلن هو مقر لحزب كردي في بلدة شمال الموصل، هكذا أوردته وكالات الأنباء ولم تكلف نفسها عناءا حتى عن ذكر اسم البلدة!!! ولا أدري ضرورات وجود مثل هكذا مقر في تلك البلدة وموقعه الذي يقابل ديرا للراهبات وحتى من يزور الدير كان يجد صعوبة لركن سيارته لأن حراس المقر كانوا لا يوافقون على ركن السيارة قريبة من مدخل مقرهم!!! لكن هؤلاء نسوا ان من يذهب عند الراهبات يكون إنسانا مسالما لا يقصد شرا ولا ينوي عليه، بل من ينوي على الشر يأتي مباشرة ويقتحم الحراسات وينفذ فعلته تماما كما حصل.

فهذه البلدة حسب الجغرافيا والمتعارف عليه هي خارج منطقة كردستان المعروفة وشعبها كلداني صرف كما هو الحال عليه في باقوفة أو باطنايا أو ألقوش، ولم يدخل هذه القرى أي غريب وبقيت محافظةً على تقاليدها الموروثة ونسيجها الاجتماعي الجميل بحيث مازال الجميع يمتنع عن مزاولة عمله المعتاد أيام الأحاد والأعياد والمناسبات الدينية، وما أجمل هذا التصرف!!!

هذا هو بالضبط ما لا يريده الأشرار، وهذا هو ما دفع ثمنا له أبناء تللسقف البررة من دمائهم الزكية ودخلت بلدتهم أسما جديدا في مواقع يضرب فيها الإرهاب، وهذا أيضا ما كنا في مناسبات كثيرة نحذر من وقوعه نتيجة المحاولة التي يريد لها البعض بالانحياز إلى طرف عراقي دون آخر، فسهل نينوى له خصوصية فريدة وموقعه الجغرافي وعلاقاته الانسانية مع الأقوام الأخرى التي تسكنه بنيت وانتعشت ليس اليوم بل منذ مئات السنين، يتبادلون المصالح والمشاعر بحيث يجعل أمر تغييرها نتيجة ما يمر به العراق اليوم أمرا في غاية الصعوبة، فعندما كانت جميع العلاقات والروابط مع المحيط العربي وكانت الموصل قبلة للطلبة والتجار والفلاحين وغيرهم، لا يمكن اليوم أن تقطع كل هذه الأواصر وتحولها باتجاه دهوك أو أربيل مثلا، حتى لو كان من بين أسباب هذا التحول الاستقرار الأمني في المناطق الجديدة، لكن الأمر لا يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها، وعلى الجميع أن يعي سواء كانوا من العرب المحيطون بهذه البلدات أو من الأكراد الذين يرغبون بمد الجسور لروابط أنسانية مع شعب هذه المنطقة، أن التغيير المفاجيء يحدث ضررا بالغا لأن أي تغيير بحاجة إلى تهيئة أرضية ملائمة له، وإن كانت كردستان آمنة اليوم لا يعني أن الإنسان بحاجة فقط إلى أمان وليس غيره، وكما كتبنا في مقال سابق حول الأمن والخبز والحياة، فكما قال السيد المسيح له المجد أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان وقلنا نستطيع أن نقول ليس بالأمن وحده يحيا الإنسان لوجود ضرورات كثيرة للحياة علينا مراعاتها والعمل للحصول عليها حتى تستمر حياة الإنسان على خير ما يرام.

إن تللسقف وواقعتها تدعونا اليوم أن نقف ونفكر مليا بالخطوات اللاحقة وما علينا فعله لتقرير مصير هذه المنطقة وأين يتوجه المؤشر، وعلينا أن لا نكون وديعين مسالمين لكل زائر أو قادم أو متوطن فيها ويجب أن نسأل القادم ونعرف هدفه ولماذا اختار هذه المنطقة، كي لا نصل يوما إلى واقع يكون التغيير الديمغرافي قد حصل في المنطقة دون أن نعي الخطورة لذلك، وحتى لا نضطر يوما لكي ننأى بأنفسنا ونبحث عن الأمان خارج أرضنا وأحضان أهلنا وموقعنا التاريخي الأصيل، وكي لا تبقى تللسقف وما يجاورها يوما أطلالا يقال أنها كانت يوما قرى مسيحية، كما هو حال كنيسة كوخي ودير الأقيصر وغيرها من البلدات التي كانت تعج يوما بالعشرات من الأديرة والكنائس.

وإن خسرنا اليوم عددا محدودا من أبناء البلدة لربما تكون هذه الدماء مناسبة لكي يصحى ضمير البعض ويفهم أن سياساته خاطئة وتجر المنطقة إلى ويلات لا أحد يمكن أن يتكهن بالمآسي التي ستحدثها، فاليوم وجدنا شعبنا المسيحي الكلداني السرياني الآشوري (سورايي) قد هبوا للاستنكار ومؤاساة أبناء البلدة للمصاب سيكون المصاب بعد حين أقوى وكلٌ يلتهي بمصابه ولا نجد من يؤاسي غيره لعدم وجود المجال لأن السياسات خاطئة والأهداف مجهولة ومن يتحكم بالمقدرات في المنطقة غريب.

إنه درس رغم قساوته علينا أن نراجع النفس كي لا نلدغ من جحر مرتين ولا نعود لأخذه مجددا ونعطي قرابين جديدة على مذبح الحرية ولغرض أشباع رغبات زيد أو عبيد، ونأمل ان تكون الرسالة قد وصلت والدرس تم فهمه ورحم الله كل من طالته الأيدي الجبانة ودم الجرحى نتمنى أن يجف سريعا وتندمل جرحاتهم بسرعة لكي يعودوا سالمين معافين يخدمون مسيرتهم الحياتية المعتادة.

عبدالله هرمز النوفلي