( الكلداننية قومية حقيقية وراسخة لشعبٍ متعدّد التسميات )
السادة: قادة العراق الجديد المحترمون
السادة:رئيس وأعضاء لجنة صياغة الدستور المحترمون
لقد تصاعدت في الآونة الأخيرة بل منذ تحرّر أبناء العراق من نير النظام الديكتاتوري الغاشم، هجمة شرسة ضد الوجود الكلداني شعباً وامّة وقومية، تقودها منظمات وأحزاب تابعة لطائفة انفصالية تمرّدت على امتها الكلدانية عبر الزمن تحت تأثير الضغوطات السياسية والسعي الى الآمجاد الدنيوية تحت ستار الخلافات المذهبية، وقد تبنّت تسمية موطنية تعود لدولة غابرة قامت زمناً هي الدولة الآشورية البائدة منذ نهاية الجيل السابع قبل الميلاد، لا تربطها بها أية رابطة عِرقية سوى انتحالها لتسميتها في العهد القريب منتصف القرن التاسع عشر، والأنكى أن هذه الطائفة تعتبر التسمية التي انتحلتها تحت رغبة المبشرين الأنكليكان ومباركتهم قوميةً لها، وتسعي الى فرضها على الشعب الكلداني بكل انتمآته وتسمياته فيا لها من مهزلة. سردّت هذه المقدمة الموجزة عن الواقع العدائي الراهن الممارس ضد القومية الكلدانية وشعبها والعمل بكل الوسائل المتاحة مهما كانت منافية للحرية والديمقراطية وَفقَ الشعار الشوفيني المعروف الغاية تبرّر الوسيلة لعدم إدراج القومية الكلدانية في الدستور العراقي، ولكن الثقة لدي الشعب الكلداني بحكمة وعدالة القيادة العراقية الجديدة لا تشوبها شائبة في الإنتصار لأصحاب الحق، ولا تقل ثقته بنزاهة ودراية اللجنة المكلّفة بصياغة الدستور، لأنتقل بعدها الى الحديث عن الكلدان قديماً وحديثاً .
الكلدان ما قبل الميلاد:
لا أود الولوج الى عمق التاريخ القديم لأتحدّث عن تاريخ الكلدان، ولكنني سأتطرّق الى فترته الذهبية التي بدأت على عهد إبن الكلدان البار( الملك نبوبلاصر 626 – 604 ق.م) حيث تولّى عرش بابل بدعم من أسباط عِرقه الكلدان، فأعلن الإستقلال التام عن الدولة الآشورية، ثمّ تحالف مع الميديين سنة 612 ق.م بهدف إسقاطها وقد دَبّ الهرم في أوصالها بعد أن طال إمعانها في العتوّ ردحاً من الزمن طويلاً، فبعد حربٍ لم تدم طويلاً حالف النصر المؤزّر الملك نبوبلاصر وحلفاءَه الميديين، حيث تمّ قهر وتدمير نينوي العاصمة الآشورية، فتلاشت المدينة العظيمة بلهيب النيران وقضي على جميع القادة والنبلاء والمقاتلين بحد السيف، وفتكت النيران بمعظم الشعب الآشوري ولم يلق النجاة إلاّ عدد قليل استطاع الهرب الى مدينة حرّان في القسم الغربي من إقليم آشور، بيدَ أنّ الكلدان والميديين وبعد ثلاث سنوات من تدمير نينوى أعادوا الكرّ ولاحقوا الآشوريين في عقر دارهم الجديدة مدينة حرّان التي جعلها ملكهم الأخير ( آشور اوبلّيط الثاني) عاصمةً له بعد زوال نينوى، فسحقوا آخر معقل لهم فكانت تلك نهاية مروّعة لعهد الآشوريين في كتب التاريخ تاريخياً وجغرافياً، وبهذا المنحى كتب المؤرخ سِدني سمِث سنة 1925 م( إن زوال الشعب الآشوري كيانا سياسياً ووجوداً بشرياً، سيبقى ظاهرةً غريبة وملفتة للنظر في التاريخ القديم، ممالك وإمبراطوريات اخري مماثلة قد توارت حقاً، ولكن شعوبها استمرّت في الوجود، فلم يحصل أن سلبت ونهبت أية بلاد اخرى وابيد شعبها بالكامل كما حصل لبلاد آشور). وفعلاً فقد كانت ظاهرة مخالفة لمنطق التاريخ حول مصير الشعوب، كانت معركة حرّان سنة 609 ق.م حاسمةً ورهيبة، الشعب الآشوري القاطن في المناطق الشرقية والوسط وما وراء دجلة وشمال مدينة آشور سقط بأيدي الميديين فابيد عن بكرة أبيه، كان رداً نارياً وانتقاماً رهيباً لم يشهد التاريخ القديم له مثيلاً، أما الشعب القاطن في المناطق الغربية، فكان أسعد حظاً لسقوطه بأيدي الكلدان، لعدم قضائهم عليه بالكامل اسوةً بالميديين ايماناً منهم بأنه يعود بجذوره الى الكلدان لأن مؤسسي دولة آشور وكما يقول المؤرخ الآثوري الروسي الكبير قسطنتين ماتييف كانوا جماعات تسلّلت في بدايات الألف الثاني قبل الميلا خارجةً من أرض بابل ميمّمةً صوب الجزء الشمالي من بلاد ما بين النهرين، واتخذوا لهم مثوى هناك وأصبحت مدينة آشور المتواجدة فعلاً قبل استيلائهم على تلك المنطقة أكبر مدنهم ونسبةً الى إسمها واسم إلهها(آشور) إستمدّوا تسمية دولتهم( الدولة الآشورية) حيث يقول في الصفحة:15 من كتابه< الآثوريون والمسألة الآثورية> ( إن الخارجين من أرض بابل يمّموا صوب شمال ما بين النهرين وأسسوا لهم هنالك موطناً وكانت آشور أكبر مدنهم) ويقول أيظاً( إن مدينة آشور غدت عاصمةً لدولةٍ عظيمة في القرن الثامن عشر ق.م ويردف في مكان آخر(ينتسب الآشوريون بمجموعهم الى الشعوب السامية ويعودون بالأصل الى البابليين) أليس هذا الإعتراف دليلاً قاطعاً على نسبهم البابلي؟ فضلاً عن أن دماء الآلاف من الأسرى الكلدان المهجّرين عنوةً أيام طغيان الملوك الآشوريين الى المناطق الآشورية تجري في عروق هذا الشعب الذي سلم منه عدد ضئيل نسبياً من الإبادة، فاحتضنوه كشعبٍ شقيق وانخرط بالمجتمع الكلداني وأصبح جزءاً منه بدون تمييز منذ ذلك العهد وحتى اليوم، وعندما إستتبّت السيادة المطلقة للدولة الكلدانية بعد هذه الأحداث أصبحت البلاد الآشورية بكاملها ساحةً مفتوحة لانتقال الكلدان إليها وشغلها بعد فراغها من ساكنيها المبادين منذ ذلك الحين وحتى اليوم، فكيف يجوز القول بأن الشعب الكلداني الذي استوطن المناطق الآشورية بعد انتصاره أصبح آشورياً لمجرد أن المناطق كانت موطناً للآشوريين قبل اندحار الدولة الآشورية؟ ثمّ إن الآشورية تسمية موطنية لدولة وليست قومية كما هي الحال بالنسبة للدولة العراقية اليوم فهل يمكن أن نسبغ صفة القومية على التسمية العراقية؟ أليست تلك فرضية وهمية لا نصيب لها من الصحة البتة!.
الحضارة الكلدانية
كانت بابل محطّ أنظار شعوب المنطقة نظراً لقدسيتها الأكبر بين مدن المنطقة ولتمتّعها بمركز حضاري مرموق، لذلك تعرّضت لطموحات القوى الكبرى لاتّخاذها عاصمةً لدولتها، ومن أبرز هذه القوى الآشوريون وجارتهم في ذلك الممالك الكلدانية مدفوعةً بعامل الوجود الكلداني الكثيف في الدولة البابلية منذ مطلع القرن الحادي عشر ق.م، وكان الملك الكلداني الأول الذي اعتلى العرش البابلي من مملكة< بيث دكّوري>سنة 783 ق.م وبعد وفاته سنة 770 ق.م تولّى العرش بعده الملك < أريبا مردوخ > واعتبر مؤسس السلالة الكلدانية، خلفه الملك < نابو شومر اشكون > سنة 760 ق.م وبعد وفاته تولّى سدة الحكم سنة 747 ق.م الملك < نبونصر > الذي على عهده تحوّلت بابل الى عصر تخلّله العلم والحضارة، ولشدة اهتمام هذا الملك بالعلم والحضارة أمر بتوثيق كافة الأحداث والظواهر الكونية توثيقاً دقيقاً، فكانت تدوّن تبدلات الطقس ومَدَيات الأنهار وتسجّل حركات الكواكب والنجوم وظاهرتا الخسوف والكسوف، وبالرجوع الى المصادر التاريخية اليونانية القديمة نجد الاعتراف بتفوّق الكلدان العلمي << لقد دوّنَ الكلدان بدقةٍ متناهية منذ أيام الملك نبوبنصر حركات الكواكب والنجوم المعروفة وقتذاك ولا يمكن الإنكار بأن علم الفلك الكلداني كان المستند والمعتمد لدى الفلكيين والرياضيين اليونانيين وقد تعلّموا منه الكثير >> إذاً كان الكلدان أول شعبٍ قام برصد حركة الأجرام وهنالك حقيقة ثابتة لم يتوصّل العالم الى إدراكها إلاّ بعد مرور عشرين قرناً على اكتشافها من قبل العلماء الكلدان، حيث أثبتوا أن الشمس والقمر وخمسة كواكب اخرى ترتبط ببعضها كمجموعةٍ واحدة. الكلدان أول من إستنبط نظرية الأبراج ونظّموا جداول زمنية دقيقة لظاهرتي الكسوف والخسوف قبل الميلاد بسبعمائة سنة ولِمئات السنين التالية، والى جانب علم الفلك تفوّق الكلدان في علوم الجَبر والرياضيات والهندسة وَفقَ ما ذكر المؤرخ والعالِم الآثاري < إدورد كييرا > حيث استنبطوا جذرَي التربيع والتكعيب بما لا يختلف إلاّ قليلاً عمّا هو معروف اليوم،هذا ما نوّه عنه المؤرخون ومنهم < جورج رو>، ناهيك عن مهارة الكلدان في علم المياه وأكبر دليل على ذلك الجنائن المعلّقة التي أمر بإنشائها الملك نبوخذنصر الثاني العظيم في بابل عاصمة الإمبراطورية الكلدانية والتي عدّت من عجائب العالَم القديم السبع، ولا زالت عقول العلماء في حيرة من الطريقة التي تمكّن بها الكلدان قبل أكثر من الفين وخمسمئة عام من ايصال المياه الى ذلك المرتفع الشاهق، كما أن البطارية الجافة التي عثر عليها حديثاً في بابل يرجّح العلماء تاريخها الى عهد الملك نبوخذنصر الثاني وهي لا تختلف عن البطاريات الجافة الحديثة كثيراً. برز الكلدان في فن النحت والرسم والمهن الصناعية ومنها صناعة النسيج المعروف بالنسيج البابلي الذي نال شهرةً واسعة في بلاد الرومان والفرس واليونان، ثمّ إن تحديد الوحدة الزمنية المعروزفة باليوم والشهر والسنة هي من تنظيم الكلدان وقد استندوا بذلك الى دورة القمر حيث حدّدوا دوراته ما بين ظهوره واختفائه باثنتي عشرة دورة و بتكرارها تتجدّد فصول السنة واتخذوا من أول نيسان ويعني( الحَد) حدّاً فاصلاً بين كل سنة واعتمدوه عيداً دعوه< أكيتو > يحتفلون به مستبشرين بتجدّ الحياة والطبيعة في ذلك اليوم حسب اعتقادهم. أما التقويم الشمسي القمري الذي لا زال اليهود يعتمدونه بعد أن اقتبسوه من الكلدان أيام السبي البابلي فكان اكتشافاً كلدانياً وهو أن كل 19 سنة شمسية يعادلها 235 شهراً قمرياً وتوفيقاً بين السنتين الشمسية والقمرية نظّموا تقويماً باحتساب سبع سنين من كل تسع عشرة سنة مدّة كلٍ منها ثلاثة عشر شهراً، أليس إذاً من حقنا نحن الكلدان أن نفتخر بأسلافنا أصحاب هذا التاريخ المجيد والحضارة العلمية والإنسانية الزاخرة بأروع الإنجازات التي ساهمت بتقدّم البشرية وأن نعتزّ بحمل اسمهم!
الكلدان ما بعد الميلاد
بعد افول نجم الإمبراطورية الكلدانية التي هيمنت على الشرق الأوسط بأكمله لمدة خمسة وثمانين عاماً
(626 – 539 ق. م) وخضوع الشعب الكلداني لأنواعٍ من الحكم الأجنبي، إلاّ أنه بقي شعباً حيّاً يمارس نشاطه الحياتي كاملاً، وكانت لغته الكلدانية السلسة ذات الأبجدية السهلة التي انفردت بها دون غيرها مدعاةً لاعتزاز الممالك الأجنبية التي تعاقبت على حكم بلاد ما بين النهرين بعد انهيار الحكم الكلداني آخر حكم وطني أصيل لبلاد مهد الحضارات، واعتمادها لغةً رسمية لتسيير شؤون ممالكهم، فلها والحق يقال الباع الأطول بين بقية اللغات في دفع مسيرة الحضارة العالمية الى الأمام حينذاك، فقد أشعلت ثورةً ثقافية محدثةً نقلةً نوعية من حيث البحث والتأليف والتوثيق، مختزلةً الجهد الإنساني الى حدٍ كبيرلم يسبق له نظير.
إن تقليد كنيسة المشرق الكلدانية الأصل والمنشأ، يؤكد بما لا يقبل الشك بأن مار توما الرسول مرّ ببلاد ما بين النهرين ما بين سنة(35 – 37 م) يرافقه مار أدي أحد الإثنين والسبعين تلميذاً من تلاميذ الرب يسوع له المجد، وهنالك تقليد آخر يشير أن مدينة قيصرية فلسطين كانت الميدان الأول لنشاط مار توما الرسول في رسالته الاولى قبل انطلاقه الى الهند، ومن المؤكّد أن جزءاً لا يستهان به من سكان هذه المنطقة اليهودية قد انضمّ الى الموجة الاولى من معتنقي المسيحية في بلاد ما بين النهرين، كما أن الحرب السجال بين الفرس والرومان أدّت في الواقع الى انتقال أعداد كبيرة من الأسرى المسيحيين القاطنين في الأراضي الخاضعة للسيادة الرومانية الى المناطق الواقعة تحت النفوذ الفارسي، ولا سيما في منطقة عيلام الضفة الشرقية لشط العرب، ويمكن اعتبار هذين الحدثين عنصرين مهمين لانتشار المسيحية الأول في بلاد الرافدين، بيدَ أن النواة الاولى لنشوء المسيحية المبكّر فيها كان بروز التجمّع المشترك بغالبيته الكلدانية المطلقة التي تلقّت بشارة الإنجيل الخلاصية بلهفةٍ عارمة وقبلتها بشوقٍ مذهل أدخل الحيرة والبهجة الى قلوب المبشّرين برئاسة مار أدي الذي عهد إليه مار توما الرسول مهمّة مواصلة التبشير في منطقة المشرق بعد مغادرته الى الهند وكان مساعدا مار أدي في التبشير تلميذاه مار ماري ومار أكّاي.
بدأ مار أدي وتلاميذه رسالتهم التبشيرية من الرها، ثمّ انتقل مار أدي وتلميذه مار ماري للتبشير في نصيبين ومنطقتي آثور وبيث كرماي ، ووافت المنيّة مار أدي بعد رجوعه الى الرها، أما مار ماري فواصل التبشير في نصيبين وأرزون وأرسل تلاميذه للتبشير في مناطق قَردو وداسان وأرمينيا الصغرى، ثمّ انتقل الى مناطق حدياب والأهواز وبيث كَرماي وكشكر وميشان وساليق ورادان، إتخذ من مدينة ساليق مقرّاً لكرسيّه وشيّد في دير قوني كنيسة كبيرة وفيها دفن. التقليد الشرقي إذاً يؤكّد أن مار أدي وتلميذه مار ماري كانا مبشّرَي المشرق الأوّلَين، ويؤيّد هذا التقليد أقدم المؤرخين الكلدان: إبن الأحد العربي ܒܪܚܕܒܫܒܐ ܐܪܒܝܐ : ܡܫܝܚܐ ܙܟܐ مشيحا زخا : نرساي الملفان وكتاب أعمال القدّيسين والشهداء والكثيرون غيرهم، والدليل الأسطع بين كل ما ذكر، هو إجماع معظم العلماء والمؤرخين، بأن القداس الكلداني المدعو بقداس الرسل ( ܩܘܕܫܐ ܕܫܠܝܚܐ) الذي نظّمه الرسولان مار أدي ومار ماري هو أقدم ليترجيات العالَم المسيحي قاطبةً .
لدى تأسيس الكنيسة طلب المؤمنون الكلدان من مبشّريهم تسميتها( كنيسة المشرق) لعدم رغبتهم بتسميتها باسمهم القومي الكلداني باديء الأمر نفوراً من كل ما له علاقة بالوثنية ولفرط تزمّتهم اللامحدود بالدين المسيحي الحق، كما لم يشأ الكلدان أن تكون الكنيسة حصراً عليهم، فضمّت بين جناحيها أقواماً وأجناساً شتى منهم العرب والفرس والمغول والهنود وغيرهم، غير أن أحفاد الكلدان تنبّهوا الى الخطأ الفادح الذي وقع فيه آباؤهم بإهمالهم تسمية كنيستهم باسمهم القومي فعاد بهم الحنين إليه، فاستعادوه بكل فخر واعتزاز بعد الغزو العربي الإسلامي لبلاد ما بين النهرين وإجبار الكلدان الباقين على الوثنية على اعتناق الإسلام، وقد أشار الى ذلك الكثير من المؤرخين، حيث قال إبن العبري في كتابه الموسوم(معَلثا) لدى تطرّقه الى الأمّة الكلدانية النسطورية( المشارقة العجاب أبناء الكلدان القدماء) وفي كتابه < تاريخ الدوَل > سمّى لغة أهل العراق( الكلدانية النبطية) وذكر بطريرك اليعاقبة ميخائيل( السريان هم كلدان قومياً وأن لفظة السريان تعني المذهب وليس العِرق) وقال القاضي أبو القاسم الاندلسي في كتابه< طبقات الامم > ( والامّة الثانية وهم السريان البابليون الجدد) وفي كتاب < القوانين السنهادوسية > ينعت
عبديشوع الصوباوي في الفصل السابع بطريرك المشرق( بطريرك بابل عاصمة الكلدان) ومن هذا يتّضح بجلاء أن التسمية الكلدانية وحدها كانت المهيمنة على كنيسة المشرق، ولم يكن هنالك أي ذكر للآشورية إطلاقاً لكونها قد انصهرت بانصهار بقايا أصحابها القدماء بالمجتمع الكلداني قبل ما يزيد على الألفين وخمسمئة عام، فأصبحوا مع إخوتهم الكلدان شعباً واحداً دون تفريق أو تمييز حاملين الهويّة الكلدانية.
في النصف الأول من القرن الخامس ظهرت على الساحة المسيحية بِدعتان كبيرتان هما بِدعتا نسطوريوس واوطاخي عصفتا بالكيان الكنسي المتلاحم كالبنيان المرصوص القائم بين جميع الكنائس والمستند على العقيدة الايمانية الكاثوليكية( الجامعة) توخّى مبتدعاها ومن ورائهما أتباعهما الشهرة والمجد، تدفعهم نزعة السيطرة مشوبةً بالكبرياء الى فرض آرائهم قسراً وبتعابير غريبة ذات مساس بعقائد ايمانية كالثالوث والتجسد والفداء أملتها عليهم الظروف الثقافية المرتبطة بالمصالح السياسية الدولية، وكانت من القوّة بحيث أنها أفلحت في شق الجسد الكنسي أي
( الكيان الكنسي المنظّم) فانسلخت بعض أعضائه، وابتعدت عن الأصل وطابت لها القطيعة، وإذ طالت هذه القطيعة
أصبحت بالنسبة لها وضعاً مألوفاً واعتبرته طبيعياً من غير بأس. وبالرغم من بعدِ كنيسة المشرق عن منبع هتين البِدعتين إلاّ أنها اكتوت بنارههما، فانشطرت الى الى قسمين حيث تبنّت الأغلبية الساحقة من أبنائها المذهب النسطوري وتبنّت الأقلية المذهب الاوطاخي الذي تعدّدت أسماء أتباعه الى ما يقرب العشرين إسماً منها:المنادون بالطبيعة الواحدة بالمسيح،الآريوسيون، الديوسقوريون ، الساوريانيون ، التشوباسخيقيون وتعني(ملحقو الألم باللاهوت) واليعاقبة وأخيراً الاوثوذكس، وبعد هذا الحدث تمّ انفصال كنيسة المشرق عن كنيسة الغرب الرومانية الكاثوليكية الجامعة بعد أن كانت جزءاً مكمّلاً لها، ودعيت بالكنيسة النسطورية، ولكنها في الحقيقة لم تختلف عنها في العقيدة الايمانية وإن عبّرت أحياناً عن فهمها لشخصية المسيح له المجد حسب المصطلح النسطوري، ولم يكن ذلك سوى ردّ فعلٍ إزاء البدعة المنادية بالطبيعة الواحدة للمسيح وليس بسبب اختلاف عقائدي مع روما، إذ رغم اتخاذها قراراً مبدئياً بتجميد الإعتراف باسقف روما رئيساً أعلى للكنيسة الجامعة في مجمع ساليق الرابع سنة 424 م، إلاّ أن القرار لم يجسّد فعلياً لأنه كان وليد أوضاع الكنيسة الداخلية المتردّية والتناحر المستشري في صفوف أساقفتها آنذاك، أما نظرتها الفعلية رغم ابتعادها الطويل عن كنيسة الغرب لم تتغيّر عن أن اسقف روما هو خليفة بطرس الرسول وله الأولوية بين إخوته الأساقفة، وقد تجلّت هذه النظرة عند اهتدائها في منتصف القرن السادس عشر وعودتها الى المذهب الكاثوليكي الحق الذي كانت عليه قبل اضطرارها لتبنّي المذهب النسطوري تحت ضغط العوامل الخارجة عن إرادتها، ولكن للأسف الشديد اصطدمت عودتها الصائبة والملهَمة بتعنّد قلّةٍ من أبنائها وإصرارهم على البقاء في بودقة النسطرة، وهي الأقلية التي عثرت عليها البعثة التبشيرية الأنكليكانية( الإنكليزية)
في منتصف القرن التاسع عشر فاستغلّت تمرّدها على امتها وكنيستها الكلدانية أبشع استغلال، وإمعاناً منها في العمل على تكريس انفصالها، أطلقت عليها التسمية الآشورية التي لم تخطر على البال منذ اندثارها بزوال أصحابها في نهاية الجيل السابع قبل الميلاد، وبذلك خلقت للامة الكلدانية مشكلةً عويصة عانت منها كثيراً ولا زالت تعاني ولا سيما في هذه المرحلة الحاسمة في حياة شعبنا، مرحلة انتقال العراق الحبيب من الهيمنة الديكتاتورية البغيضة الى
مرحلة سيادة الحرية والديمقراطية وقيام دولة المؤسسات الدستورية.
الكلدان والعهد العربي الإسلامي
في بدايات القرن السابع الميلادي كان المدّ العربي الإسلامي في توسّع مستمر، وقد استطاع جيش العرب المسلمين احتلال بلاد ما بين النهرين(عراق اليوم) سنة 634 م وأجبر المحتلون السكان الأصليين على التحوّل عن دينهم واعتناق الإسلام، فتحوّل نصف السكان من جميع الأديان الى الإسلام فأصبح دين الغالبية، ولما كان الكلدان المسيحيون يمثلون الغالبية العظمى من السكان الأصليين إمتنع السواد الأعظم منهم عن اعتناق الإسلام
ولم يجبروا باعتبارهم أصحاب الكتاب بعرف المسلمين ففرضت عليهم الجزية، ولكن الولاة الطغاة الذين تعاقبوا على حكم البلاد وخلافاً لأوامر الخلفاء، فرضوا على المسيحيين الى جانب الجزية ضرائب اخرى باهضة أثقلت كاهلهم وسلبت القوت من أفواه أبنائهم إضافةً الى غلق معاهدهم وجمعياتهم وناهيك عن إهانة كرامتهم، وكانت الفترة الأشدّ جوراً عليهم هي فترة حكم السفاح الشهير الحجّاج بن يوسف الثقفي، التي تحت وطأتها اضطرّ الكثيرون الى الدخول الى الإسلام تخلّصاً من الجزية والضرائب المهلكة، بينما فضّلت أعداد كبيرة ليس من ولاية البصرة فحسب بل من الولايات الاخرى أيظاً الفرار الى قرى الشمال في المناطق الجبلية النائية.
عندما تولّى العباسيون زمام الخلافة انتهجوا سياسة مغايرة لسياسة الأمويين وبفضلها تغيّر وضع أبناء كنيسة المشرق الكلدان المؤلم الى الأفضل، حيث اعيدت إليهم جميع معاهدهم المصادرة منهم، وباشروا التدريس ونشر العلم والمعرفة ، كما ساد الإنسجام والتناغم في العلاقات الإسلامية والمسيحية، وأخذوا يتعاطون مع حضاراتهم العريقة في الأديرة والكنائس والمساجد والمدارس المنتشرة في طول البلاد وعرضها، كما كانت اللقاءات تجري تترى بين العلماء والمثقّفين يتناقشون ويتحاورون في شتى الميادين الدينية والثقافية والإجتماعية التي تعطي انعكاساً للإرتقاء بالأخلاق الكريمة وانتهاج سبل الحق والعدل والتسامح والعيش المشترك بسلام ووئام على أساس الايمان بالله الواحد والإخلاص للوطن، وكان للكلدان المسيحيين دور بارز في بناء الحضارة وتطوير المجتمع، إذ كان تفوّقهم ملحوظاً في ميادين العلم والمعرفة كالطب والصيدلة والهندسة والتجارة وحتى السياسة، إليهم أسند تدوين قوانين الدولة، هم الذين قاموا بترجمة الكتب العلمية والفلسفية من اللغة الإغريقية( اليونانية) الى اللغتين الكلدانية والعربية وانتقلت في النهاية الى الغرب عن طريق اسبانيا. ورد في معجم اللاهوت الكاثوليكي للعلماء الألمان( إن العلوم الشرقية على زمن الفتوحات العربية كانت محصورةً بالكلدان فقط، فكانوا يدرسون اللغات الكلدانية واليونانية والمنطق والفلسفة وعلم الفلك والطب والهندسة والرياضيات والموسيقى في مدارس نصيبين والرها وساليق ودير قوني). كانت مدارس الكلدان ومستشفياتهم من الكثرة بحيث جعلت المؤرخ الأب لابور يقول في ذهول( ليس هنالك امة على سطح الأرض استطاعت مباراة امة الكلدان في تأسيس المدارس.
الكلدان في العهد المغولي
يقول الأب أنستاس الكرملي في كتابه < الفوز بالمراد في تاريخ بغداد >( إن ما عاناه المسيحيون من المصائب والمِحَن على عهد غازانخان المغولي لا يسع القلم وصفه) أما المؤرخ أوبري فاين فيقول( إن القوانين اللاإنسانية الجائرة التي فرضها المغول أدّت الى هروب علّية القوم وتشتّت غالبية المسيحيين ولجأ الكلدان منهم الى قرى جبال تركيا وايران) وفي كتابه < نزهة المشتاق) يقول يوسف غنيمة( هاجر النساطرة من البصرة وبغداد ومن المناطق الاخرى باستثناء الموصل وتوابعها ملتجئين الى جبال كردستان وبلاد فارس). ويذكر المؤرخون أن الحملة الإضطهادية الأعنف التي طالت السكان الأصليين كانت على عهط تيمورلنك ما بين عامي 1393 – 1401 م.
الكلدان و الحكم الوطني
العراق كغيره من الأقطار التي خضعت للنفوذ العثماني لمدةٍ طويلة جداً وفي خلال الحرب العالمية الاولى، اندحرت الدولة العثمانية أمام الحلفاء بقيادة بريطانيا وفرنسا وتمّ اقتسام المناطق التي كانت تحكمها، فكان العراق من مجموعة الحصّة البريطانية، فتولّت سلطات بريطانيا العسكرية أدارة شؤونه فترة أعوام ثلاثة تقريباً ثمّ أقامت له حكماً وطنياً بقيادة الملك فيصل الأول سنة 1921 م، وقد كان للكلدان دور لا يستهان به في دعم وتعزيز الحكم الوطني في شخص بطريركهم العظيم مار عمانوئيل الثاني الذي أيّد تشكيل الحكومة الوطنية الاولى، وكان لوقفته المشهودة في ضمّ لواء الموصل الى العراق صدىً جميلاً لدى قيادة الحكم الوطني، حيث بادر الى إرسال سكرتيره الخوري يوسف غنيمة آنذاك(البطريرك لاحقاً) الى عصبة الامم وقدّم لها وثائق ومستندات تثبت عائدية لواء الموصل الى العراق، فأصدرت العصبة قرارها سنة 1925 م لصالح العراق دون تركيا التي كانت تطالب بضمّه إليها. لقد كان للكلدان حضور في الأوساط الحكومية ، حيث خصّص لهم مقعد في مجلس الأعيان وكان تمثيلهم النيلبي يتراوح ما بين سبعة وثمانية نوّاب ووزير واحد وعدد من القضاة والمدراء العامين. للكلدان اعتزاز كبير بانتمائهم الوطني وقد ألفوا العيش المشترك مع كل الأطياف والأقوام الذين تحتضنهم الأرض العراقية المعطاء
ولذلك يطالبون أن تدرج قوميتهم في متن الدستور العراقي المرتقب الى جانب القوميات الاخرى وهو حقّهم المشروع.
الشماس كوركيس مردو
في 11/ 6/ 2005