في ذكرى رحيل سعدي المالح كم رجوتك صديقي ان تؤجل الرحيل قليلا


المحرر موضوع: في ذكرى رحيل سعدي المالح كم رجوتك صديقي ان تؤجل الرحيل قليلا  (زيارة 654 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل بطرس نباتي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 249
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
في ذكرى رحيل سعدي المالح
كم رجوتك صديقي ان تؤجل الرحيل قليلا


                                              بطرس نباتي
                                   
أنت الذي لم تسعك الدنيا كلها 
 كيف  سيضمك هذا  القبر ؟   
همست لك..  حينما تدليت بحبل الأبدية
نحو  العالم السفلي
راجيا  أن تعود
لعازر ليس بأقوى منك
حينما خرج من  أكفانه
ممزقا صمت القبور
اخرج  .. تمرد . قم يا صديقي ..قم ..
أن لم يكن  اليوم
قم  مع دموزي ...حينما تورق الكروم

عندما تجف الدموع في المآقي الحزينة ،عندما يطفح القلب بالمشاعر الجياشة لا يجد الكاتب من سبل التعبير ليفصح عما  تعج به ذاته من عواطف جياشة  وما تغمر نفسه من عواصف تقودها سحابة كئيبة قاتمة ، غير الورق ليطرح عليها بعض شحنات آلامه وأوجاعه .
 كنت قد رسمت صورة أخرى تشائمية للمستقبل ، منذ  أن أُجريت لي العملية الجراحية في برلين ، تحت إلحاح شديد من سعدي  طبعا ، لم أتردد  يوما أن أفصح بكل شيء أمامه فقد كان خير منبر للإعتراف  بالخطايا التي كنت ارتكبها، أو تلك التي أود اقترافها، كنت اكشف له عن أدق أسراري  أستشيره  في كل الأمور .
 أليس هو الذي  عرف وخبر كل شيء
 أليس هو الذي جاب المدن البعيدة,(1)
 وتعرف على كل خباياها وجاءنا منها بأخبار كنا نجهلها ..
  اتخذته  منبر اعترافاتي  منذ أن ارتكبنا  معا تلك الهفوة الأولى..       
   كما كنت منبره في كل الخبايا
  حينما  كنت  أرى نفسي تتلاطمها الأمواج
التجأ  تارة إلى صدره لأفضح له  أسراري وخطاياي ..
وتارة أخرى يأتي ليتوسد صدري
ليبوح لي  بما يؤلمه  من الخفايا  والأسرار.
قبل سفره إلى بيروت للعلاج ، همس في أذني لو امتد العمر بنا خمسة أو ستة أعوام أخرى ماذا ستفعل بهم؟  أجبته فورا ، سأطبع مجموعتي القصصية والمجموعة الشعرية السريانية وسأجمع بعض مما كتبته في الصحف من مقالات أدبية ودراسات في كتاب ، وربما يا صديقي سأكمل دراسة القانون ، ردد جملته السابقة التي كان يطلقها  ضاحكا ، حين التحاقي بدراسة القانون      ( بعد ما شاب ودو للكتاب)  قال: هذا كله جيد ، كررت عليه نفس السؤال  وأنت  ماذا ستفعل؟  قال :لي مشاريع أدبية كبيرة تنتظرني أخاف أن لا يكون لي متسعا لإكمالها .
كأنه يتتبأ بما سياتي به الغد ..
 في مقدمة أولوياتي ، هذا الإلآه الجميل( شربل)  ، إنه ذكي جدا وسأجعله يحيا ويتنفس بين الكتب والعلوم ، وسأتفرغ لكتابة  رواية أخرى وضعت الخطوط الرئيسية لإكمالها وكلها مرسومة هنا ( مشير إلى رأسه ) وعلى الورق أيضا ، قلت له وماذا أيضا ؟ سأعقبها برواية أخرى ، ثم  ألا ترى أننا منشغلون جدا بالمشاريع الثقافية للمديرية العامة من بناء قاعة  والتحضير للمؤتمرات والحلقات الدراسية وغيرها ، قلت له صائحا : الا تتعب أنت ؟  يا رجل رفقا بنفسك .. وهل تجد بان  هذه السنوات القلية كافية  لكل هذا المنجز؟ ، أجاب  ربما إذا ما  قدر لنا البقاء ، ضحكت وقلت، لك ..سأضمنها لك  ..ربما سأزيد عليها  ... أما لي فالشكوك تراودني .....
سعدي منذ أن ولد  أبنه شربل  وضع في هذا الإلاه  الجميل ... إلاه  أربل  كما ندعوه .. كل أماله وأمانيه ، أعتبره  عصارة روحه  ، علمه كل شيء من الحروف والأرقام بالانكليزية إلى استخدام  اعقد الالكترونيات ،  وهو طفل لم يتجاوز غير الثالثة  من  عمره  ، كنا نسميه الطفل المعجزة، وانه لمعجزة حقا.
إلى أين عزمت  الرحيل يا صديقي ؟
 كيف طاوعك قلبك الكبير؟
كنتُ  ولازلتُ على يقين
بأنك لو تركت كل شيء
أو أجبرت على الرحيل
فانك ستعود يوما
لأنك من المحال
أن تترك شربل حائرا
يطرح علينا سؤالاَ تلو سؤال
لم يكن ينادي زوجته باسمها مطلقا كان يدعوها ( عزيزتا) ولم يكن يجد راحة إلا عندما كان إلى جانبها كان يقول: لا ادري لما هذا التحول في حياتي ؟ أنا لم أكن اشعر بهذا الاستقرار من قبل .. كنت دائم الترحال ، تتقاذفني المرافأ والمطارات ، اعود من حمل حقيبة الى مدينة حتى ارى نفسي احمل حقيبة لتتلقفني مدينة اخرى ، حتى وجدت ذاتي ضائعا بين مدن وحقائب ,(2)
لكن الْيَوْمَ  عندما اشعر بتعب من الكتابة أو أعود من رحلة مضنية ،  لا أشعر بالراحة والأمان،  إلا  بعد أن أحط الرحال في مرفئي ( بربارا)  أشعر بأني استرد ذاتي من بين كفي هذه المرأة الطيبة والعظيمة .
كنت أقول له لما لا... إنها  خير هدية من  (بربارا)  قديسة كرمليس لك  لترتاح بين راحتيها ، بعد رحلتك المضنية مع الحياة...
 سعدي أحب الحياة  بقوة وأحب في الحياة تلك القرية التي ترعرع فيها وتركها لمدة  أربعة عقود  وعاد إليها ، وما أن وصلها لأول مرة بعد الانتفاضة أوقف العجلة  التي كانت تقله مستفسرا من أهلها أين يقع دارهم القديمة ؟ لكون كل ما في تلك القرية قد تغير .
أحب بعمق قريته وناسها كتب عنهم رواية عمكا(3)  مستذكرا كل تفاصيل حياة تلك القرية  التي كانت تحتل تلافيف ذاكرته وأراد  تخليدها بعمل أدبي لا زال يثير العديد من الدراسات والبحوث  والاستقصاء وأهداها لي مع هذه العبارة ( اهدي لك عمكا رواية الهم المشترك بيننا )
أحب موسكو بثلوجها وعطائها الفكري ومعها أحب جميع البلدات السوفيتية السابقة كان يتحدث عن  آثار وكتابات الكتاب والأدباء السوفيت   كما يتحدث عن أصدقائه ومقربيه  ،  كان سخيا  في معاملته مع أصدقائه ومحبيه يبذل كل ما في وسعه من اجل راحتهم  ، كان يرافق معظم الادباء والمفكرين العراقيين في حلهم وترحالهم ، يعرفهم على المراكز الثقافية ودور العلم  والمعرفة  ، مرة رافق الشاعر الكبير الجواهري في موسكو عندما زارها لأول مرة ، كان حريصا على تنظيم منهاج يليق بالشاعر ، قال سعدي : مرة دخلنا متجرا ، وكانت هناك صبية روسية غاية في الجمال وقف الشاعر مندهشا بجمالها ، ثم نظم شطرا من بيت شعري  بوصفها ، استفسرت الفتاة من سعدي بالروسية من يكون هذا الرجل؟، أجابها أنه بوشكين العرب، ضحك جواهري الكبير عندما عرف ماذا قال لها سعدي وأخذ يردد للصبية وبالعربية ، نعم إنه محق فأنا جواهري العرب، بهذه الأساليب الجميلة الرائعة كان سعدي يتعامل مع كبار الأدباء والمفكرين ..
مرة كنا في طريقنا إلى دهوك وفي الطريق قص لي  موقفا  جميلا حدث معه في موسكو عندما كان طالبا اعتبره سرا من أسراره  وكنت أصغي إليه بانتباه  وتركيز ، وعندما فرغ من حديثه  ، كنا على مشارف المدينة قلت له والله إنها قصة قصيرة ورائعة سأضمها إلى مجموعتي القصصية ، ماذا تقول ؟، قال إياك أن تفعل.. لأني نويت أن أقدمها لقرائي بنفسي  ، ولكنه عزف عن تقديمها في أي من أعماله الأدبية  ...
تعرف من خلاله رحلاته  إلى العديد من بلدان العالم ،على معظم كتاب ومفكري الوطن العربي سواء من هم في الداخل أو في المهاجر  ، لم يكن إلا نادرا أن التقينا بأديب أو مفكر ولم يأت لتحيته ومعانقته ، والجلوس معه ليتذكرا معا بعض المحطات التي التقيا ويجتران الذكريات القديمة .
 كنا في بيروت ،قادني إلى أماكن يعرفها لأنه كان يعيش فيها إبان الحرب اللبنانية وأخذ يشرح لي كيف كانت الطائرات الاسرائيلية تقصف هذه الأماكن ويعين أماكن سقوط الصواريخ والقنابل ، ويقول تحت هذا الجدار احتميت  وتحت هذه السقيفة المنهارة بقيت يوما كاملا وفي مقر الحزب الشيوعي اللبناني بقيت محاصرا لمدة  عشرة أيام بالكاد كان يصل إلينا الخبز أو الماء .
في بيروت كان دائم الالتقاء برجال الدين الموارنة وغيرهم ، كانوا يكنون له الحب والاحترام الشديدين ، كان حريصا على أن يزور صديقنا  حبيب افرام كل صباح في الرابطة السريانية ببيروت ثم ننطلق من هناك لمواصلة جولتنا في المكتبات والجامعات نجمع الكتب لتأسيس المكتبة السريانية التابعة للمديرية العامة للثقافة السريانية والتي تضم أكثر من 4000 عنواناً من كتب تخص ثقافتنا السريانية  ، 
لقد أحب بيروت كما أحب أية بقعة اخرى من وطنه العراق ، لما لا ألم يؤلف فيها روايته الاولى (ابطال قلعة الشوقيف 3)
كلما كان يلتقي بشخصية أدبية كانت تثمر عن مشروع ثقافي لخدمة الثقافة السريانية ، التقينا بالأب عبدو بدوي الذي كان صديقه  منذ زمن بعيد  وطلب منه أن يتحف مديريتنا  بإيقونات التي كان بارعا في رسمها  للمديرية العامة  وهكذا أصبحت مسألة الايقونات شاغله في تلك لأيام  لحين أن حصل على معظم  نتاجات الأب بدوي ،    كنا  نتحدث مع أدباء ومثقفي لبنان عن شؤون وشجون ثقافتنا القومية ، وجل عمله ولقائه كان يتركز في كيفية النهوض بثقافتنا وتراثنا ويزيل عنهما تراكمات  الماضي وسلبياته .
في حلب كان محوراً لجميع النقاشات  الدائرة حول إعلام شعبنا  أو مع أدباء وأعلامي سوريا الذين كنا نلتقيهم سواء في دار المطرانية للسريان الارثوذوكس أو في المراكز والمنتديات الثقافية ، الكل كان يعرف من هو سعدي المالح ... جميع من كنا نلاقيهم كانوا يرحبون به باسمه ولقبه وكانوا يدعونه ( قامة مشرقة للفكر العراقي المتجدد) ..
في  اليوم الثاني من افتتاح معرض الكتاب الدولي في اربيل ، كنا أنا وصديقنا صباح الشاني نسير معه لشراء الكتب وفي إحدى الأكشاك وقفنا نقرأ العناوين ، وإذا بشخص وقف مقابل سعدي مشيرا إليه وكأنه يعرفه ، قال لي من هو هذا الأستاذ ؟ كأني أعرفه ..أو مر بذاكرتي،  قلت له:  إنه الدكتور سعدي قال سعدي المالح تقدم إليه معانقا مقدما نفسه بأنه أديب من البصرة الفيحاء وانه  مسرور جدا ، لكونه يلتقي بالدكتور وهو قامة عراقية مشرقة في الأدب والفكر وهو فخر العراقيين جميعاً..
 هكذا كان سعدي بين الأدباء والكتاب العراقيين والعرب  بهذه الأوصاف الرائعة كان  الأدباء والمفكرون العراقيين والعرب يصفونه ، فهل يا ترى عندما عاد إلى خاصته ؟، إلى القرية التي أحبها ، وجعل  اسمها  ورموزها  وتاريخها ، تحتل معظم مؤلفاته ونتاجه  الأدبي والفكري  ، هل هذه المدينة التي عاشت بين تلافيف ذاكرته وبين شغاف قلبه ، أعطته أو بادلته ولو قليلا من العرفان بالجميل ؟ إنه سؤال أطرحه على الذين عرفوا سعدي عن كثب ، وربما   سيكون  لي وقفة أخرى للإجابة عليه ..

1- مقاطع من ملحمة كلكامش
2-مجموعة قصص قصيرة لسعدي بعنوان ( مدن وحقائب )
3- من مؤلفات سعدي المالح ( 1984 )