للمرة الأولي اعترف أنا المجرم بجريمة كبري دون أن تنتزع مني الإجابة بكماشة المحققين ذوي الشوارب الطويلة، جريمة تعيش معي حفنة من السنين دون أن اعترف لأقرب المقربين مني، وقد حان وقت الاعتراف، والاعتراف هو سيد الأدلة، هذه جملة قد استهلكتها فنون الدراما ومحامي الدفاع، حين يعترف المجرم بجريمة قد ارتكبها ولم يتقاضي عليها،عن جريمة لا يغفر لها الاعتراف بل يبقيها معلّقة إلي القبر، ولا يكفي الاعتراف من تخفيف قلق الجريمة، وربما سأعمل علي تكرارها مرة أخري وفق قاعدة مقولة ماكبث في مسرحية شكسبير العظيمة حين يقول:
إن الإيغال في ارتكاب الجرائم المتكررة لهو أسهل بكثير من التوبة والعودة الي خط البداية الأول. ثم يكرر في مقطع آخر:
ليست العبرة أن تكون ملكا بل العبرة أن تكون آمنا.
الأمن الشخصي نقيض القلق الدائم من جريمة ترتكبها ولم تحاسب عليها، جريمة اليوم أصبحت ليست فاعلة او ذات انعكاس سلبي علي المحيط، وربما علي نحو جريمتي يوجد الكثيرين، وهم يعذبّهم ضميرهم من عدم الاعتراف بالإرادة الحرة الطليقة، باعترافي المدون تحريريا هذا ربما سيجدون متنفسا لهم بي، او أني أشجعهم علي الاعتراف بجرائمهم وإعلانها صريحة ويريحون ضمائرهم.
جريمتي أني لم (اتسرّح) رسميا من خدمة العلم، إذ تملكتني رغبة قوية ألان بالاعتراف كاملا، وسأتحمل ما يترتب علي ذلك من تكفيرات محتملة وقاسية في نفس الوقت، علي ذلك الجرم الذي ارتكبته عمدا بمسوغ غير قانوني البتة , ذلك أني قد عمدت علي تزوير تسريحي من الخدمة العسكرية داخل دفتر الخدمة العسكرية، عندما ذهبت لأحد المزورين الحاذقين والذي يتعامل بالدولار الأمريكي خلافا لأقرانه، لأنه أفضل من يجيد (طرسة) التزوير، حتي انه يعلن دوما إن مدونة تزويره ستمر بسلام دون أن يميزها حتي مدير التجنيد العامة بل وزير الدفاع ذاته، ويضع شرطا علي نفسه بأنه يجعلك أن تمر من اشد السيطرات خيفة ودراية بأمور التزوير آنذاك والمسماة بسيطرة القادسية من قاطع شرقي البصرة إلي مدن العراق المختلفة، سيعيدون دفتر الخدمة مع الاعتذار عن التأخير، وفي نهاية المطاف يأخذ ورقة المئة دولار، ويقول مودعا:
إذا وجدتني بمكان ما وكأنك لم ترنٍ من قبل، هذا هو الشرط الذي يضعه في بداية التعامل معه، ثم يضيف سلة من الشروط الأخري،كوصايا المرور الآمن من أحلك السيطرات وأكثرها رعبا:
إذا مررت بسيطرة ما فلا تبتأس بل قابل الانضباط بابتسامة خفيفة. أو
إذا قال لك (هويتك ياولد..) لا تقول له (مَنْ.... أنا؟) فانه سيقول لك (نعم أنت) بل حتي لو كان يقصد الشخص الجالس خلفك، فقدم هويتك بسرعة فائقة ومعها دندنة خفيفة مسموعة بأغنية من ألاغاني التي يحبها الانضباط أو رجل الاستخبارات.. ولكنك ردد في قلبك (الهم اجعل من خلفهم سدا ومن أمامهم سدا...).
إذا ما صادف انك نائم وعثرت عليك سيطرة مخاتلة راجلة او متحركة ثابتة او متنقلة، فانهض من نومك وضع غطاء الرأس فوق هامتك بسرعة البرق قبل أن يصعد رجل السيطرة الي المركبة.ولكنك قبل ذلك توصي الشخص الجالس بقربك علي إيقاظك قبل توقف المركبة.
ومن علوم المرور الأمن من السيطرات أن تجلس قريبا من باب الحافلة ولا تجلس في مؤخرة المركبة أو قرب نافذة مفتوحة، وهناك أمكنة فيها من الخطورة، فرجل السيطرة عندما يفتح الباب ينظر لا أر ديا الي مؤخرة المركبة وفي الزوايا القريبة من النوافذ.
علي أن تضع دفتر الخدمة في (جيب الصدر) وقدمه في يدك اليمين فهي الأقوي وليس من دليل واضح لارتعاشها، أما إذا كنت أعسرا فقدمه بيد اليسار مع كلمة (تفضل.. بصوت مسموع واثق).
وبتلك الوصايا عبرت حربين داميتين قد مرتا ومات إقراني فرادا وجماعات من تولدات الموت 1958، في أتون جبهات حارقة، واني آسف لموتهم، فهم قد ذهبوا الي حتوفهم، أما أنا فبقيت أتعذب جراء تزوير أوراقي الثبوتية التي هي ألان أمامي وأنا الوحيد الذي اعرف بعدم نزاهة التواقيع والاختام فيها بعد موت المزور في ظروف غامضة.
أني في التقليد العام مجرم متستّر بجريمته، وحين زالت أسباب الحروب، أصبحت ألان حرا طليق مجرما أحوم حول مكان جريمتي، أستطيع البوح بجريمة غاية في الخطورة إبان الماضي القريب.
في (السيطرات) هناك نظام معقد وشبكة دقيقة من المراحل التي عليّ أن آمر من خلالها لأتجاوزها بسلام.
إمامك سيطرة... خفف السرعة... 60 كم... 30 كم... 10 كم... قف للتفتيش... مجموعة براميل بيض بحزام احمر في وسطها، ثم إطارات معطوبة منكسة داخل الأرض وقد صبغت بلون ابيض، ثم مطب أول صناعي علي الطريق قبل الوصول إلي حدود ارض الفحص نحو علم السيطرة الراجف، يرتجف رعبا من الخوف.. مطب ثاني أعلي من الأول وتلوح بيرية حمراء في أفق السيطرة وتتضح معالم السيطرة من غرفة صغيرة وأثاث وقصعة وإبريق مقلوب ومجرفة وبنادق وشوارب معلقة ونجوم طائرة في الهواء لضباط يتفرسون في الوجوه خلف زجاج المركبة، وعند دخول المطب الثالث تصفر الوجوه ويطفآ سائق المركبة مذياعه وينزل النافذة ويزيح الستائر بخوف واضح علي الوجوه