الاستاذ المحامي طالب بدر في ذمة الخلود
وانطفأ نجم ساطع من النجوم المندائية .... طالب بدر في ذمة الخلود
الى اخي وعزيزي ابن العمومة ابو مشتاق كما كان يحلو لنا ان نسميه ايام صباه ...
وابو هيام ثم ابو سلام وابو الهام وانسام وسالي بعد ان تحققت الامنيات وعزائي
ونيابة عن عائلة المرحوم ياسر صكر الحيدر وعائلة " آل حـيـدر" في كل مكان الى
عاتلتك وبالاخص الاخت ام سلام التي رافقتك في السراء والضراء بدون كلل او
ضجرفكانت مثال الزوجة المخلصة ، عزاؤنا الى كل الاقارب والمحبين ورفاق دربك
الطويل ... وهنا لابد لي من وقفة لاستحظار الاخت الراحلة المرحومة فضيلة وروحها
الطاهرة لما بذلته من جهود نضالية وتضحيات اثناء مسيرتك النضالية حتى مماتها
قبل سنوات قليلة واسرك رؤيتها قبل مماتها في رحلتك الاخيرة الى بغداد بعد
التغيير فرحمة لروحها الطاهرة ..... واود هنا مخاطبة الكرام من اهالي الناصرية
وسوق الشيوخ والجبايش .... واهالي البصرة والعشار والطويسة ... واهالي بغداد
كرخا ورصافة ... والمندائيين في كل مكان لاقول لهم جميعا لقد رحل قدوتنا وزينة
رجالنا ........... لقد مات ابنكم البار طالب بدر وانطفأ نوره والشعب العراقي
الجريح باشد الحاجة الى هكذا انوار ليهزم بها الظلام والظلاميين
............... فعزاؤنا كبير وهو عزائكم ايها النجباء يامن عرفتموه وعايشتموه
... حيث كان نصيرا ومدافعا عن الفقراء والفلاحين والمظلومين منذ نعومة اظفاره
............. كان قويا وشجاعا وحكيما ولا تاخذه في الحق لومة لائم ... مثقفا
ومبدأيا محدثا جيدا واحاديثه هادفة ومشوقة ومستمعا متفهما ... حلو المعشر خفيف
الظل سريع البديهة ومتفهم جيد للاصول وتقاليد اهلنا وشعبنا ولا يخلو كلامه من
الطرائف والظرائف وقد حفظ منه الكثير من عايشوه مئات القصص الشعبية الفولكلورية
الهادفة ...... جند نفسه منذ صباه ضد الظلم ويدعو لمحاربته بكافة الوسائل ....
لقد استغل مكانة ابيه واهله وعمامه في سوق الشيوخ والجبايش وعلاقاتهم
الاجتماعية الجيدة وكلمتهم المسموعة في اوساط المجتمع ..... وتكونت لديه
شخصيته الخاصة في علاقاته الاجتماعية مع وجهاء العشائر والاخيار من حوله
والمتنفذين في القضاء ونواحيه واريافه وفي مركز لواء الناصرية بالرغم من صغر
سنه انذاك .... فكان مضيافا كريما ومتفقدا لكل معارفه في جميع المناسبات وسخر
هذه العلاقات الاجتماعية المرموقة لصالح الدفاع عن المستضعفين والمظلومين
والمحتاجين وكانت طلباته نافذة نظرا لوجاهته ومنزلته عند الاخرين و كان من
الواجهات الوطنية المعروفة .... ولكن هذه الوضعية لم تدم طويلا مع جلاوزة
الدوائر الامنية في الناصرية لاسيما بعد ان اتضحت هويته السياسية اليسارية
الديمقراطية شيئا فشيئا واصبح من الناشطين المستهدفين منذ نهاية الاربعينات من
القرن الماضي حيث جعلوا منه زبونا للمعتقلات والملاحقات الامنية .... كان قد
انهى دراسته الاعدادية انذاك والتحق في كلية الحقوق في بغداد .... كان طالبا
مثابرا مجتهدا ومتميزا وبنفس الوقت لم يتخلى عن علاقاته الاجتماعية الجيدة
ونشاطاته الطلابية والسياسية حيث كان الشعب العراقي يغلى بالاحداث السياسية
آنذاك ولم يسلم من الحملات المتكررة للاعتقالات بحق الناشطين من الطلبة
والمنظمات الجماهيرية والسياسية ... وفي احدى المرات سمعت بانه معتقل وموعد
امتحاناته ليس ببعيد ... أضرب عن الطعام وهو في المعتقل مصرا على اداء
الامتحانات مع زملائه في الكلية وبقي مستمرا في اضرابه حتى استجابت ادارة
المعتقل لطلبه وكانوا ياخذونه مقيدا الى قاعة الامتحان ويعيدوه الى المعتقل
بعدها وهكذا ادى كافة امتحاناته انذاك ونجح بامتياز واطلق سراحه بعد حين وهكذا
انهى مرحلة الحقوق بين الدراسة والمعتقلات وكان فخورا بكل ما قام به ولم تؤثر
كل هذه الاحداث على شخصيته المميزة وعلاقاته الاجتماعية والعامة والسياسية لا
بل زادته نضجا وصلابة واصرارا .... كان عظيما بكل معاني الكلمات .... كنا صغارا
ولكن مبهورون بشخصيته وشجاعته وكلامه وحكمته وكان قدوة ومثلا اعلى لنا جميعا
حينذاك ....عاد الى اهله ومعارفه في سوق الشيوخ والجبايش والناصرية بعد ان انهى
دراسة الحقوق ليمارس مهنة المحاماة وسجل نجاحا وشهرة في اوساط المحاكم
والمحاماة ودوائر العدل هناك وكان كما هو واكثر في النزاهة وحب العمل ونصرة
الفقراء والمظلومين بدون تحيز او تمييز فاضاف رصيدا اخرا لسمعته الطيبة وشهرته
ولكن ذلك لم يرق لجلاوزة السلطات الامنية والشرطة السعيدية لتزايد شعبيته
وشهرته واستمرت مضايقته وملاحقته حتى اضطر ان يشد الرحيل وانتقال عمله وعائلته
الى البصرة وبدأ مرحلة جديدة من حياته في المحاماة والحياة الاجتماعية بعد
زواجه واستقراره هناك ... وفي عام الف وتسعمائة وواحد وستون بعد ثورة تموز
الخالدة التقيته هناك حينما التحقت بوظيفتي كطبيب عسكري احتياط وتعايشت معه عن
قرب ووجدته هو ذلك الانسان الذي كان في مخيلتي واكثر نصيرا للحق والفقراء
ومدافعا حقيقيا عنهم .... انه عطوف مرهف الحس خفيف الظل وصاحب نكتة وحكيم متحدث
جذاب سديد في ارائه ودوما تراه متفائلا ويحب الحياة والانسانية جمعاء ، جدي
ومخلص ويحب عمله بشكل لايوصف ولذلك ذاع صيته في اوساط الدوائر العدلية ومثلما
شهرته في عمله تراه بارزا ومتميزا في الاوساط الاجتماعية والوطنية والسياسية
ولكنه لم يسلم من الاعتقالات والمضايقات والملاحقات الامنية عند اشتداد ردة
اعداء ثورة تموز ضد القوى الديمقراطية واليسارية التقدمية في ايام الزعيم
الراحل عبد الكريم قاسم .... وكنت كثيرا ما التقي به ونتجاذب اطراف الاحاديث
السياسية فكنت اقول له كيف ان عبد الكريم قاسم وطني ونسانده بينما هو يزج بك
وبرفاقك الوطنيين والتقدميين الذين ساندوه ووقفوا معه ضد اعداء الثورة بالسجون
وطرد بعض الضباط الاحرار المخلصين من الجيش ومضايقة الاخرين في الوقت الذي بدأ
كثير من الناس يشككون بوطنيته لولا دفاع القوى الخيرة عنه !؟ فكان يجيبني ان
عبد الكريم فعلا وطني لانه نصير الفقراء ... لانه هو ورفاقه حطموا حلف بغداد
.... لانهم قصموا ظهر بريطانيا العظمى .... لانهم الغوا النظام الملكي السعيدي
الاقطاعي واسسوا لنظام اجتماعي وسياسي جديد وشرعوا قانون الاصلاح الزراعي
.... وهم الذين وضعوا قانون رقم 80 للنفط ووووووالخ فيجب ان نسانده حتى لو
وضعنا في المعتقلات طالما في ذلك مصلحة للفقراء ومساندتنا له هي لمحاربة قوى
الردة المضادة للثورة .... وبدأ يقص علي قصته الهادفة المشهورة ( قصة رجل من آل
جويبر )؟ وبعد فترة وجيزة افترقنا لانتهاء خدمتي العسكرية..... وبعدها حصلت
الفاجعة في انقلاب شباط 1963 وتسارعت الاحداث وكل نال نصيبه منها وكان نصيبه هو
ان يهرب مع مجموعة من رفاقه الى ايران عن طريق البصرة وما عانوه من مآسي واهوال
والتي جسدها الشاعر الكبير مظفر النواب الذي كان معه في هذه الرحلة بقصيدته
المعروفة والتي كان يتغنى بها في كل مكان عنوانها طالب بدر ولكن في الحقيقة هي
توثيقا شعريا شعبيا ووصفا دقيقا لتلك المرحلة السوداء من تاريخ الشعب العراقي
ومعاناة العراقيون الشرفا ء بعد انقلاب شباط الاسود ..... وبعد فترة طويلة حيث
كل منا اخذ نصيبه من التعذيب والسجون التقيت مع ابو سلام في لندن في بداية
السبعينات من القرن الماضي كنت ادرس الاختصاص العالي في الجراحة وجاء هو
لاجراء عملية جراحية لعينه وعشنا فترة جميلة هناك وكنا نقضي ساعات نتجاذب اطراف
الحديث عما جرى وعن الوضع في العراق بعدعودة البعث للحكم مرة اخرى وتطرق الى
قصته اثناء هروبه الى ايران وكيف اعادتهم السلطات الامنية الايرانية الى العراق
بعد ازاحة البعثيين من قبل عبد السلام عارف .... قال اثناء عودتنا ونحن في
الطريق كنت احذر جماعتي ... اننا سنكون في قبضة الامن والمخابرات العراقية
وسيباشرون التحقيق معنا ..... فاياكم والتخاذل والاعتراف تحملوا واصمدوا ( تره
اليكول الف لازم يكول ياء ) وقلت له ( لازم هذي ابو سلام هم بيها قصة )؟ قال
نعم وبدأ يحكي لي قصة هادفة ذات مغزى ... وهي قصة ( السلطان الذي امر بتعليم
ابنه المتمرد الممتنع عن تعلم القراءة والكتابة ) ولاثبات اصراره على عدم
التعلم كاد ان يموت من عقوبات وجلد الملا بسبب عدم ترديده حرف الالف وحينما
ساله احد وزراء ابيه عطفا عليه لماذا يا بني لم تنطق بحرف الالف؟ ... فاجابه
احسن لان وراء الالف باء وجيم ووووالخ حتى الياء ( وهاي شراح يخلصها ؟ فاحسن
شئ من الاول مااكول الف حتى لا اوصل للياء )؟ ............ وشاءت الصدف ان اكون
قريبا من طالب بدر مرة اخرى لفترة اكثر من سنة عندما انهيت دراستي في اختصاص
الجراحة من المملكة المتحدة وعودتي الى العراق في عام 1974 تعينت كجراح استشاري
في البصرة وعملت معه في الهيئة الادارية لنادي التعارف في البصرة .... كان هو
الرئيس وانا نائب الرئيس وكانت تلك الفترة من اجمل الفترات التي جمعتنا سوية
.... ولكن كان عملنا لايخلو من الننغيصات والضغوطات لعدم تجانس اعضاء الهيئة
الادارية وكلما كنا على وشك الوقوع في مطب اومشكلة كان ابو سلام هو المسيطر على
زمام الامور ، كان وكأنه بيضة القبان في التوازن بين جميع الاطراف .... وبعد
عدة سنوات بدات الحرب العراقية الايرانية التقينا في بغداد بعد ان ساءت امور
مدينة البصرة وقرر نقل اعماله وعائلته الى بغداد .. وفي هذا الحين دخل الشعب
العراقي مرحلة ومعاناة من نوع جديد وهي مرحلة بداية النهاية بسبب الحروب
العبثية المدمرة والحصار الدولي على الشعب العراقي حتى بداية التتسعينات وآلت
الى ما آلت عليه ايام الهجرة والتشرذم في دول الشتات حتى جمعتنا الاقدار مرة
اخيرة مع ابو سلام في كندا وكانت لنا لقاءات كثيرة لاجترار الماضي وما جرى الان
للعراق وشعبنا العراقي الجريح ونتجرع الاهات والحسرات ومن ثم استبشرنا خيرا
بسقوط الطاغية ونظامه الفاشي ولم تدم فرحتنا طويلا حتى اصبنا بخيبة الامل
والاحباط ونحن نرى كيف ان العراق قد اصبح محتلا وهو يحترق وينهب وكيف اصبح
الشعب العراقي فريسة بايادي التيارات الطائفية والدين السياسي المتطرف والذي
يريد ايقاف عجلة التجربة الديمقراطية والتحرر واعادة النظام الشمولي ولكن من
نوع اخر اكثر جهلا وظلامية ...... كانت اخر امنيات ابو سلام ان يرى عراقا
ديمقراطيا تعدديا مزدهرا متحررا ولكن لم يمهله المرض للاسف الشديد ورحل الى ذمة
الخلود ...... نم قرير العين مطمئنا ياابا سلام فانت معنا حيا دائما وابدا ولكن
فراقك ياعزيزنا سيزيدنا ألما ، فلقد اديت واوفيت لك الرحمة والذكر الطيب وانت
باق معنا بامنياتك وآمالك وحكمتك وطيبة قلبك المتسامح وعلى دربك ودروسك
باقون..............................وحتما سننتصر وستتحقق آمالك التي ناضلت
وضحيت من اجلها طويلا
الدكتور جبار ياسر الحيدر
تورونتو // كندا