البروفسور الراحل د. افرام يوسف فصول مترجمة من كتابه (عطور الصبا في سناط) 1-3


المحرر موضوع: البروفسور الراحل د. افرام يوسف فصول مترجمة من كتابه (عطور الصبا في سناط) 1-3  (زيارة 2098 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل الأب نويل فرمان السناطي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 145
    • مشاهدة الملف الشخصي
البروفسور الراحل د. افرام يوسف
فصول مترجمة من كتابه (عطور الصبا في سناط) 1-3


ترجمة الأب نويل فرمان  السناطي
______________________

مقالات نشرت في جريدة الأديب البغدادية (2004)

كنت قد بدأت بترجمة هذه الفصول لجريدة الأديب البغدادية، فنشرتها لحين توقفها عن الصدور. وكنت بدأتها بمقابلة مع صديقي وقريبي الراحل الكبير د. أفرام يوسف. في المقابلة، كانت ثمة اشارة سريعة الى صحته النحيلة، فطمأننا، وأجاب على الاسئلة برحابة ودماثة وبروح النكتة التي تحلى فيها، وذكرني بالطريقة التي كانت يتكلم فيها عن صحته: باسلوبه الفكه الخاص (البراغي حاليا مضبطـّة بشكل مقبول) وآمل في الحصول قريبا على تلك المقابلة لنشرها.   
أما الآن فلمناسبة رحيله قبيل أيام، الذي هز الاوساط العلمية، التي افتقدت شخصية فذة مثله، فمن باب التعزية والوفاء له، انشر، عبر مقالات متتابعة، هذه الفصول التي سعيت إلى ترجمتها ترجمة ادبية، من كتابه الفرنسي عطور الصبا في سناط (Parfums d’enfance à Sanat). تكشف هذه الفصول ذلك الاحساس المرهف الذي تحلى به، وتلك التفاصيل الجميلة والدقيقة التي يرويها عن صباه في سناط.

الفصل الأول: الجدي الموعود
____________________

على قول أمي وارينة، ولدت في يوم كان الأول من كانون الثاني، تحت نجمة المجوس الكلدانيين. كان ذلك اليوم عيدا مزدوجًا للمسيحيين في شمال العراق، لكونه يوم احتفالهم بالسنة الجديدة وذكرى تقديم يسوع إلى الهيكل.
في الصباح الباكر من ذلك اليوم، كان والدي راجعًا من القداس. وفي الطريق الذي كان يسبح في الظلام، لمح شابًا صغيرًا يتقافز إلى استقباله، ثم صاح بصوت عالٍ تصحبه اشارات كبيرة بالذراعين:
- يا يوسف، عندي لك خبر سار، أجل خبر سار جدًا. لقد ولد لك ولد، إنه ابنك البكر.
- الحمد لله! يا وديع، ايها البشير الصغير بالسعد، سأهديك أجمل جدي من قطيع أجدائي.
كانت تلك هدية رائعة بحق. وهكذا، بتأثر شديد، أسرع الاثنان، اليد في اليد، نحو الدار التي كانت تقوم في وسط القرية.
في الغرفة شاهدا المولود الجديد الذي قدمته لهما بكل فخر جدتي لأمي واسمها كترو. طفح قلب يوسف من الفرح. لامس رأس الرضيع وقال: " ليكن اسمك إيشو، بما أننا نحتفل اليوم باسم المخلص".
وهذا إيشو هو أنا.
كانت وارينة، الخارجة لتوّها من سن الطفولة،  ترتاح على سريرها. وكان ينسلّ من الشباك ضياء فضي ينير وجهها الشاحب المتعب.  فقد عانت كثيرًا من المخاض، وكم خافت من أن تموت خلال الولادة، كما يحدث ذلك أحيانًا. لكن كترو وقفت إلى جانب ابنتها في هذه المحنة، وكانت هي نفسها التي تقدم في القرية الخدمة المجانية للقابلة، وقد استطاعت أن تشجعها بالكثير من الكلام الطيب، وتلت أمامها السبحة الوردية، ورتلت طلبات القديسين وما حفظته من ترانيم.  وهكذا تلقت الرضيع بين ذراعيها، وغسلته، ومددته لينام في مهد خشبي مزوّد بقصبة للبول.
كانت عادة متبعة لدى عوائل القرية، ولا سيما في أسرتنا، "بيت اسحق" أنهم منذ اليوم التالي للولادة، يقدمون إلى أهل الصبي وجبات الطعام اليومية. إذ كان من الصعب على الأم الشابة التي تلد حديثا، أن تقوم بشؤون المطبخ. وهكذا جاءت نسوة "الأسرة الكبيرة"، في هذه المناسبة، لمساعدة أمي. كما مرت وارينة بوضع دقيق آخر، وهو أنها لم تجد في صدرها، الحليب الكافي لإرضاع مولودها الجديد. ولا يجدر بالطبع أن تغذيه منذ تلك الأيام، بحليب البقر أو الغنم. فاهتدت جدتي إلى الحلّ، وقالت بصوت متحمّس :
- لقد وجدت الحلّ، الأمر بسيط جدًا، هناك عدة نساء في مرحلة الرضاعة، ويمكنهن إرضاع إيشو.
لا أحتفظ بالطبع، بأي ذكرى عن عماذي، الذي احتُفل به بعد أسبوعين. بهذا السرّ أدخِلت ضمن الجماعة المسيحية، وفي الأسرة الكبيرة. فقد حدّثتني كترو فيما بعد، بأني كنت ألبس ثوبًا طويلا من قماش الساتان بلمعته المحببة، الأخضر الفاتح، وأني كنت الأول من بين المعمّذين الستة. وبفضل هذا الامتياز، استطاع أهلي أن يحتفلوا بهذه المناسبة التي دعوا إليها وجهاء القرية، بضمنهم القس متي، وهو رجل ذو لحية رمادية ، اشتهر بمرحه. ففرشوا أمام المدعوين أطباقًا شهية من الدجاج بالرز مع الزبيب، والتمر والرمان، وقدموا أيضا أقداح الشاي. ثم قدّموا إلى الكاهن هدايا دسمة، من نقود، ومنشفات وصوابين لزوجته وأولاده. وكان هذا الرجل بارعا في القصص الطريفة التي يحكيها، فيلطف الأجواء في كل مجلس. كما عُرف بموهبة الشفاء، فيقصده الناس من كل حدب وصوب.

الفصل الثاني: الأسرة
______________

لقد تزوج والداي وهما في شبابهما المبكر، فكان لأبي عشرون عاما، ولأمي 17، تم ذلك في أعقاب اتفاق تم بين العوائل والأصدقاء. وكان جدي الأول توما يمثل عظمة السلالة، لأنه كان قسيسًا. وبسبب برّه ومكانته المرموقة، اختير من بين وجهاء سناط، ورسم بوضع يد اسقف الأبرشية بعد دورة  في الإعداد الكهنوتي. أما العم حنا كاكو، الذي كان قد اختير منذ فترة قصيرة مختارًا للقرية، فقد ساند يوسف وهكذا جرى الاحتفال بكل بساطة.
لم تكن أمي منحدرة من سناط، بل من قرية هربول المجاورة الواقعة على مسافة 30 كلم.
فبعد الحرب العالمية الأولى، كان قد تمّ رسم الحدود ما بين العراق وتركيا، فجعل الخط الحدودي هربول، على الأراضي العثمانية. وكانت وارينة ابنة عيسى اوراها المختار. عندما مات هذا الأخير، تركت ابنته تركيا، مع جدتي كترو وخالي اوراها وحنا (والد المطران مثلث الرحمة مار بطرس هربولي- المترجم) ليستقروا في قرية بهنونا. ترعرعت هناك، واصبحت فتاة شابة رشيقة وحيوية، كريمة ومضيافة. كانت قد حبتها الطبيعة بوجه جميل ذي سحنة بيضاء، وشفتين بلون الرمان، وعينين مسحوبتين. وما أن لمحها أبي  حتى وقع في حبها للحال، وطلب يدها. كان الوالد ذا قامة متوسطة، قويا ومفتول الساعد، استطاع أن يجتذب المراهقة بسحنته البرونزية وشعره ذي اللون الأسود الغامق. كما أعجبها بهيئته الرصينة والمهيبة. كان يتيما، وتلقى تربية عصامية على يد جدتي سارة. وقد حفظ أبي تذكارا مريرًا عن أيام عرسه.
ففي ذلك الوقت، كان للشاب أن يدفع مهرا معيّنًا: فقبل اسبوع من الاحتفال، وتحديدا قبل ثمانية أيام من الموعد المحدّد، ذهب يوسف إلى شقيقي الفتاة الموعودة له.
ويا للمفاجأة، فقد طالبوه بثلاثين دينارًا. لم يكن الخاطب المسكين، قد توقع مثل هذه النفقات، فاضطر إلى بيع قطعتي أرض صالحتين للبناء، في مركز القرية.
استقرت كترو مع العروسين الجديدين، وساعدتهما على العيش المناسب. كانت امرأة كبيرة القامة، تنسدل على كتفيها القويين، ضفيرتان رماديتان، وكانت تتميز بصوت قوي، وقد عُرفت بطيبتها وذكائها وعنفوانها وبإمارات التقوى.
كان يوسف قد اقتنى عدة حقول، يستثمر فيها الفواكه والخضراوات، كما كانت له أراض لزراعة الحنطة والشعير وأنواع أخرى من الحبوب، على وفق المواسم الزراعية. كان يحرث البستان لزرع الطماطة والبطاطس والباذنجان والفاصوليا والتبغ. كان لأبي شغف في التدخين، مما كان يحدث النزاع بينه وبين أمي التي كانت تأسف أن أرضًا بمثل هذا الخصب تخصص للتبغ بمضاره.
إلى جانب ذلك، كان القطيع بحوالي خمسين من الماعز، يشكل في حياة الجبل مصدرًا ثمينًا للمعيشة، بما يوفره من زبد وجبن واللازم من الحليب طوال السنة. وكان الحلب في الموسم من اختصاص النساء. وكان لنا من الغنم ذات الفم والأقدام البنية، وذات فروة مجعدة وبذنب قصير ومكتنز.
وكانت ثمة فعالية أخرى، التجارة التي كانت تدر لنا موردا مستقرا. فكان يوسف رئيس قافلة، ويذهب ثلاث مرات في الأسبوع إلى زاخو الواقعة على مسافة 9 ساعات سيرًا على الأقدام. تلك كانت بلدة صغيرة ترتمي على سفح الجبل الأبيض، وهي تفترش مساحات سهلية واسعة وخصبة، تنمو فيها الحبوب والفاكهة وكروم العنب. وكان يتحلزن فيها على شكل طوق، رافد من نهر دجلة يدعى الخابور، تعلوه عدة جسور صغيرة، أشهرها كان قد انشئ من الحجارة في العهد العباسي. وكنا نلمح من بعيد قمة أرارات حيث رسىت سفينة نوح. وكان الوالد يشتري من زاخو بضائع بالجملة ليجلبها إلى سناط. كيف يا ترى استطاع ان يقطع تلك المسافة ذهابا وإيابا لأكثر من عشرين سنة في طريق محفوف بالصعاب والمخاطر، يرتاده قطاع الطرق الذين كانوا يقتلون المارة وينهبونهم. في كل رحلة كانت تراودنا الهواجس بشأنه، ولا نكف نتساءل:
- هل يا ترى سيعود سالمًا بجلده، أم سيكون ضحية للقراصنة.
وكنت أمنّي النفس، كما في الحكايات الأسطورية، أن أعطيه بساط ريح يأخذه ويعيده بسلام. فكان يوسف يذهب مع حماره كيندو، وكان الحيوان المسكين لا يقوى إلا على نزر يسير من الحمولة.  في أحد الأيام، ذهب أبي إلى الموصل، وهناك اشترى بغلا ضخمًا قويًا، عمره سنة، ويستطيع أن يحمل أكثر من مائة كيلو وبوسعه ارتقاء الطرق النيسمية المتصاعدة، سمّيناه فريدو. وكان في القرية، اقتناء بغل، بمثابة الترقي إلى درجة اجتماعية أفضل. إذ لم يكن بوسع الجميع أن يدفعوا نفقات مثل هذا الحيوان الذي كنا فخورين به أيما فخر. وكم كنت أحب أن أداعب ثوب جلاله الرمادي. في ظهيرة صيف، امتطى والدي صهوة فريدو وأخذني وراءه، لنقوم بجولة على تلك المرتفعات. كان الهواء منعشا جدا ونحن على ارتفاع 900 متر من مستوى سطح البحر. وهناك صعدنا إلى مغارة رعاة، على مقربة بضع كيلومترات من المكان.
لدى عودتنا، تراءت لي سناط، كأنها في إناء تطوقه الصخور، ويرتقي قيامها إلى اكثر من ثلاثة قرون. كانت القرية على مقربة من جبل زنارا، وفي جنباته كانت تنساب ساقية صغير تدعى نهيرا.
كان البغل ينحدر بهدوء وبخطوات هادئة رشيقة برغم الطريق المتعثر بالأحجار والصخور. وكنا نرى الأشجار بأنواعها تلقي بظلالها على البيوت المرصعة بالحجارة البيضاء والمتراصة على بعضها، تشتبك فيما بينها تلك أشجار الجوز والخوخ والرمان. وكنت ألمح من جديد، أطيافًا صغيرة للأشخاص على السطوح المبنية من التراب المفخور والمخلوط بالتبن. على ساحة صغيرة بوسط القرية، كان يرتفع برج ناقوس كنيسة مريم العذراء. وما لبث فريدو ان انسل بين الأزقة الضيقة المتعرجة والمتموجة بججارتها غير المنتظمة، والمليئة بالأطيان في فصل الخريف. تتوالى عليها الثيران والحمير والغنم تشق طريقها بكل حرية. مررنا بالمدرسة والمستوصف ومركز الشرطة. في تلك الساعة كان البقالون قد أغلقوا دكاكينهم. على الباب استقبلتنا الوالدة بابتسامة مرحبة بالقول:
- سفرة سعيدة. هلموا كلوا، والشاي حاضر.
ذهب الوالد ليربط الحيوان.
دخلت إلى صالتنا الكبيرة بحيطانها التي كانت تعانق تلك الدعامات الخشبية العذراء. فألفيت الجدة جالسة على الشباك، تعالج الصوف في مغزلها اليدوي. دعتني بهدوء:
اجلس بجانبي يا ايشو. لقد عملت اليوم كثيرًا وعيناي توجعانني. بعد الغداء، عدت بقربها وانا اتذوق معها ذلك القدح الحار والمهيّل، وأقص عليها أطرف مغامرات فريدو.
بقي البغل يرافق أبي طوال سبع سنوات، في رحلاته مع القافلة إلى زاخو. كنا نحب هذا الحيوان ونقدّره، لما تميّز به من طبع وقور ومستقل، لقد أصبح واحدا من أعضاء الأسرة.
وفي مساء شتاء، عندما كان فردو عائدًا من رحلة استغرقت عشرة أيام، إنهار وسقط ضحية أزمة قلبية. وجاء الوالد حزينًا تعيسًا ليعلن لنا النبأ المفجع:
-   لقد مات فريدو.
-   كيف حدث ذلك؟ سألت والدتي منتفضة من الصدمة، ومعها جدّتي. وأين هو الآن؟
-   إنه مجندل في الطريق على مسافة 300 متر من هنا.
فهرعنا راكضين، لنجد الحيوان المسكين ممدًا على الحافة السفلى للطريق. تلك مائة 100 كيلو من التمر، التي كان يحملها، تفرطت كلها واختلطت مع التراب، لكننا لم نولها اهتمامًا يذكر.
تألمت كثيرًا بسبب موت فريدو، وبصعوبة شديدة نمت تلك الليلة. كنت أتساءل إن كان يوجد فردوس للحيوانات، فيه جنان وينابيع وعشب طري وشعير. في اليوم التالي سحبنا جثة الحيوان ونحن يعتصرنا الألم، إلى أحد الوديان، وواريناها ببعض الحجارة. وكان على الوالد أن يكدّ كثيرًا حتى يشترى في غضون بضع أشهر لاحقة، بغلا جديدًا.

الفصل الثالث: الربيع في سناط
______________________
 
وتفتقّت براعم الربيع، المفعم بالدفء، وبعبقه المزدهر. كنت أنبهر لمنظر نمو الوريقات على أغصان الشجر، فيما تتفتق أشجار الرمان عن ورود بلون الياقوت، وكانت أشجار (العنجاص) والمشمش تتشح بألوان العيد.
وكان العشب بمرح يزاد اخضرارًا.
وتحت شمس خجولة بعد، كانت تقوم على ضفاف الجداول جنبدات بقلوب ذهبية.
وكانت العصافير تحلّق، وهي تطلق زقزقاتها العاشقة.
ويا ما كان يتملكني شعور من الخفة الجذلى، فكان حب الطبيعة يستغرقني في أحلام رقيقة.
ولئن تصاعد، بين الفينة والأخرى، دوي من بعض الصواعق، ما كان ذلك يخيفني بشيء.
فقد كنت ابن المطر وكنت ابن قوس وقزح.
في الربيع، كان أبي يأخذني كل يوم إلى الحقول، ليريني كيف تزرع البطاطس والباذنجان. كنت أعاينه بشغف واشتياق، لفرط الرغبة في التعلم على أعمال الحقول هذه. لما كانت تشدّني من ألفة مع الفجل والثوم والبصل التي كانت تطيّب وجبات غداء الأسرة.
وكنت أساعد الوالد في تنظيف جداول القرية، متقافزا في الماء بمرح.
كنت سعيدًا.
وكانت تندلع أحيانا بعض المشاجرات بين السناطيين  حول تجاوزات في الماء والأراضي ، بين من يفتقد روحية التعامل وبين من يفتقر إلى الشجاعة.
أما أنا فكنت ألجأ إلى الارتماء بين أحضان الحقول الدافئة.
وحدث أنه لأول مرة رأيت النساء من كل أسرة كبيرة، يتجمعن للخروج يوميًا من القرية على جماعات صغيرة.
وهكذا في حوالي الساعة العاشرة، أخذت أمي برفقة عماتي تغادر سناط. وعندما كانت تهمّ في الخروج، وجدتني أتشبثت بها، متوسّلا إليها أن تصطحبني معها. ولكنه كان من الصعب عليها أن تأخذني معها، فإذا كانت تستطيع حملي في الذهاب، لن يكون ذلك بمقدورها في الإياب، إذ لم تكن تشعر أنه بوسعها أن ترفعني إلى كتفيها وبيدها جرة الحليب.
فبكيت. كانت الأم تستجيب في الغالب إلى التماساتي.
لكني هذه السنة كبرت كثيرًا. فرفضت وارينة أن تأخذني معها. فتعالت صراخاتي وازداد ضجيجي، حتى وجدت واحدة من بنات عمي رضيت أن تحملني على ظهرها طوال طريق العودة التي كانت تستغرق خمسة أو ستة كيلومترات.
كنا نسير بصعوبة في طريق متعرج صعودا إلى أعلى الجبل، حيث تحلب النسوة الغنم، والكل في هرج من الثرثرة والكركرات والأقاصيص، ولا يخلو كل هذا من المشاحنات أحيانًا، وأنا لا أفقه من ذلك شيئا.
لدى العودة إلى دار، رأيت أمي تصنع الجبن. لقد تعلمت ذلك من كترو.
كانت تصنع من الجبن، عدة عشرات من الكيلوات، تجمعه في الجرار، تحتفظ بجزء وتطمر المتبقي في الأرض ليكون محفوظا في الشتاء.
فكان الجبن، غذاءً أساسيًا، في كل الأكلات طوال السنة. وكانت أمي تجيدها أيما إجادة.
وبعد إنجاز هذه العملية، كان يتوفر لنا طعام طازج لذيذ. كان أبي وأخي يستذوقانه جدا، ويستغرقان في تناوله بشهية كبرى.
في نهاية الربيع كنا نطلب من امرأة متخصصة، أن تصلح الجبن بالثوم الأخضر وما ينبغي من مطيبات، قبل أن ندفن الجرار في التربة.
فكانت تلك مناسبة احتفال تجمع أعضاء العائلة حول الجبن ملك المائدة في كل أسرة.
وكنا نستهلك أيضا الكثير من لبن البيت.
كانت الأم تغلي الحليب، في قدور عملاقة، لبرهة من الوقت، ثم تضيف شيئا من اللبن، وتغطيه حتى صباح اليوم التالي، وعندئذ ليس لنا سوى أن نملأ منه الأواني.
أما بخصوص تصنيع الزبد، فكانت وارينة تضيف إلى اللبن مقدارًا محددًا من الماء، وتسكب الخليط كله في "المشكا" وهو وعاء  من جلد الماعز، مصنـّع لعملية تحريك مكوكي لنصف ساعة، حيث كان الزبد يطفو على السطح شيئًا فشيئًا يتم استخراجه في كميات صغيرة.
هذه العمليات المطبخية،  واهتمامات الوالد الزراعية، كلها كانت تبهرني وتوقعني في أيما حيرة.
 





غير متصل الياس متي منصور

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 509
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الاخ والأب الفاضل نوئيل فرمان السناطي  المحترم
جزيل الشكر على  ترجمة ونشر (عطور الصبا في سناط)،  سرد مدهش لذكريات الطفولة بأسلوب ادبي ممتع وبديع وحزين بذات الوقت  للملفان الراحل  افرام يوسف  الذي  الف وقدم الكثير الكثير وبرحيله ترك فراغاً كبيراً في المشهد الثقافي والعلمي 
عند قرأتي للنص شعرت  وكأنني أتجول في ازقة سناط  وانا طفل  اسرح وامرح بين جنباتها اقطف الرمان والجوز  التين والعنب من بِوارى الى نابوا(نبع )،
حقاً انها وثيقة مهمة  تنبض بالحياة ، وتوصف  دقائق الامور  للحياة الاجتماعية والاقتصادية  في سناط والقرى الاخرى في المنطقة التي كانت تتشابه الى حد كبير



غير متصل الأب نويل فرمان السناطي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 145
    • مشاهدة الملف الشخصي
الاخ والأب الفاضل نوئيل فرمان السناطي  المحترم
جزيل الشكر على  ترجمة ونشر (عطور الصبا في سناط)،  سرد مدهش لذكريات الطفولة بأسلوب ادبي ممتع وبديع وحزين بذات الوقت  للملفان الراحل  افرام يوسف  الذي  الف وقدم الكثير الكثير وبرحيله ترك فراغاً كبيراً في المشهد الثقافي والعلمي 
عند قرأتي للنص شعرت  وكأنني أتجول في ازقة سناط  وانا طفل  اسرح وامرح بين جنباتها اقطف الرمان والجوز  التين والعنب من بِوارى الى نابوا(نبع )،
حقاً انها وثيقة مهمة  تنبض بالحياة ، وتوصف  دقائق الامور  للحياة الاجتماعية والاقتصادية  في سناط والقرى الاخرى في المنطقة التي كانت تتشابه الى حد كبير

شكرا الاخ العزيز رابي ألياس منصور، على تعليقك المؤثر، وأعرف أن أديبا وشاعرا مرهف الإحساس مثلك، تم تهجيره من ارضه وهو مستغرق في سن الرشد، قد احتفظ بذكريات، بقيت ساخنة، عن حدث التهجير، وما تم وصفه عن سناط، كما اشرت حضرتك، هو قريب، لا غرو، مما عشتموه في ديره شيش، باستثناء افتقادكم للمزيد من الماء.... ولطحن الحبوب...
مع اعتزازي وأطيب تحياتي



غير متصل الأب نويل فرمان السناطي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 145
    • مشاهدة الملف الشخصي
كتب الاعلامي المعروف الزميل سعد المسعودي على صفحته للتواصل الاجتماعي في 6 تموز 2008

وداعا طيب القلب وغزير العلم والطيبة والوطنية الدكتور أفرام عيسى يوسف.
أرقد بسلام ليرتاح قلبك المتعب ..الذي اتعبته المنافي وخراب سناط مدينتك الرائعة التي توارت عن الوجود بسبب حماقات الحروب، بعد أن كانت لؤلؤة اشبه بنيزك هبط من السماء "سناط" الجبل والوادي واقدم الكنائس ..
لم أكن أعرف أن ندوة المغتربين العراقيين كانت آخر نشاط لك معنا ..
ندمت لأني لم نلتقي بعدها …
كنت عالما عرفت سعيك للمعرفة منذ 33 عاما عندما كنت في مونبليية وصولا لاحتفالية مع كل مولود جديد لك وهو كتاب ..
ستبقى كتبك وطيبة قلبك ووفائك وعراقيتك تتحدث عنك دائما ..
فراقك احزنني صديقي أفرام وداعا وانا في محراب قداسك وإلقاء النظرة الاخيرة ..

رابط الفيديو في آخر تقديم للاستاذ سعد المسعودي عن البروفسور الراحل افرام

https://www.facebook.com/saad.almassoudi/videos/10156517510194100/




غير متصل الياس متي منصور

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 509
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
شكراً على إنعاش الذاكرة اخي وابتي العزيز 
لقد تذكرت ما فعله جدي والد والدتي پوشانى الشماس المقتدر دَاوُدَ  القس بطرس
عندما صاح : بأعلى صوته على قافلة لابناء قرية امرى (ديره شيش)، توقفوا ثم نزل اليهم وهم يعبرون نهر سناط
 وأخذ يفتش أحمال حصنهم
فقالوا له عن ماذا تفتش يا شماس؟ فأجابهم ظننت إنكم جئتم لسرقة الماء من سناط!
نعم كان يمزح مع أبناء قرية  امرى دوماً  وخاصة في  موضوع  الماء لان سناط كانت تتميز بنهرها الذي ينبع من ارضها
وكانت تعمل عليه الطواحين ...وكان أبناء قريتنا امرى يطحنون حنطتهم  فيها خاصة قبل سقوط الثلوج التي كانت تقطع الطرق بين القريتين ! وبالرغ من ان  امرى كان لها اكثر عشرة عين او عيون للماء ، لكن اي منها غير قادرة على تشغيل طاحونة ...

 



غير متصل الأب نويل فرمان السناطي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 145
    • مشاهدة الملف الشخصي

ܗܐܘܬ ܒܣܝܡܐ ܪܐܒܝ ܩܫܘ ܢܪܘܝܐ
ܘܛܘܒܐ ܠܚܘܒܘܟ ܠܠܫܢܐ ܘܠܒܢܝ ܥܡܢ
ܘܡܪܝܐ ܝܗܒܠܘܟ ܚܘܠܡܢܐ ܘܚܝܐ ܒܪܝܟܐ ܘܝܪܝܟܐ
ܩܫܝܫܐ ܢܘܐܝܠ ܦܪܡܢ ܕܐܣܢܟ