سهرة مع تورغينيف


المحرر موضوع: سهرة مع تورغينيف  (زيارة 117 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ضياء نافع

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 401
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
سهرة مع تورغينيف
« في: 19:48 15/07/2018 »
سهرة مع تورغينيف
أ.د. ضياء نافع

قضيت سهرة جميلة وغير متوقعة بتاتا قبل ايام مع الكاتب الروسي ايفان تورغينيف ( 1818 -  1883), وها انا ذا اكتب للقارئ حكاية هذه السهرة الغريبة والطريفة, وما اكتشفته – اثناء ذلك - من وقائع جديدة في حياة وابداع هذا الكاتب الروسي الكبير .
بدأت الحكاية عندما طرقت جارتنا باب شقتنا, وهي امرأة مسنة وفي غاية اللطف والادب والرقة , وعندما فتحنا لها الباب واستقبلناها بالترحاب طبعا, قالت لنا , انها تحمل هدية رمزية لنا  , وبعد السلام والكلام , تبين انها تريد ان تهدينا كتابا من مكتبتها الخاصة عنوانه – ( تورغينيف . الحياة . الفن . العصر.) ,  وهو كتاب ضخم طوله اكثر من 30 سم وعرضه اكثر من 20 سم ,و يشبه الالبوم الكبير , ويقع في  184 صفحة كبيرة , وقد أصدرته دار ( سوفيتسكايا راسّيا ) ( روسيا السوفيتية ) عام 1988 , وهي دار نشر سوفيتية مشهورة جدا , وطبعت منه 50 الف نسخة , وبشكل فني فخم وترف بكل معنى الكلمة وبالتعاون مع مطابع المانيا الديمقراطية آنذاك. وقالت جارتنا , ان هذا الكتاب موجود في مكتبتها منذ حوالي 30 سنة , وانها تعتز به كثيرا , وبما انها تعرف حبنا للكتب واعتزازنا بها ومحافظتنا عليها , فانها قررت ان تهديه لنا بمناسبة احتفالات روسيا بالذكرى المئوية الثانية لميلاد تورغينيف , وقالت انها متأكدة من رعايتنا لهذا الكتاب ووضعه في صدارة مكتبتنا المتواضعة , واننا سنتذكرها دائما ما ان تقع اعيننا على هذه التحفة الجميلة . شكرناها طبعا وتقبلنا هذه الهدية القيّمة  بكل سرور مع الممنونية . وقد أثارت هذه الهدية اهتمامي الشديد طبعا , وجلست رأسا للتعرّف على طبيعتها و اسرارها , وقد تبين ان هذا الكتاب بلغتين – الروسية والفرنسية , وتعاون على  اعداده و اصداره حوالي عشرة اشخاص من المتخصصين ما بين من يحمل شهادة الدكتوراه في الادب , والمتخصص في الفنون التشكيلية والفوتوغرافية واللغوية والتاريخ ...الخ من الاختصاصات المتنوعة في العلوم الانسانية .
توجد في الكتاب مقدمة و تسعة فصول  , وامام كل فصل مقولة من مقولات تورغينيف , ونجد في المقدمة جوهر الفكرة , التي أدّت الى اصدار هذا الكتاب , اذ يشير الدكتور بيشولين ( والكتاب من وضعه واعداده ) , الى ان هذا الاصدار لا يتناول سيرة حياة تورغينيف و ليس عرضا نقديا لمسيرته الابداعية في تاريخ الادب الروسي والعالمي, وانما يهدف هذا الكتاب الى التركيز على موقف تورغينيف باعتباره واحدا من شخصيات الثقافة الفنية الروسية باوسع معاني هذه التسمية , وباعتباره واحدا من نقاد الفن , الذين يتفهمون بعمق طبيعة الابداع الفني ونفسية الفنانين , ويتوقف بيشولين عند نقطة شبه مجهولة في حياة تورغينيف , اذ تبين ان الكاتب اراد ان يكون رساما , وحتى انه درس في شبابه الفن التشكيلي , وكان يكتب عن ذلك ويجمع اللوحات التي تعجبه , وكان دائما ما يزور المتاحف ومعارض الرسم , وانه كان صديقا قريبا من الرساميين الروس الكبار في عصره , ويشير الباحث , الى ان القارئ يجد الكثير من الاشارات الى الفن التشكيلي والفنانين التشكيليين على صفحات الروايات والقصص وقصائد النثر التي كتبها تورغينيف , وان الصور الفنية الرائعة الجمال  للطبيعة , والتي رسمها تورغينيف بالكلمات في نتاجاته الادبية جاءت تعبيرا عن عشقه للفنون التشكيلية , اي ان تلك الصور الفنية لم تأت صدفة في ابداع تورغينيف بل نتيجة للارتباط الروحي الأصيل والعميق له مع الفنون التشكيلية بشكل عام .
وكما أشرنا اعلاه , يتضمن الكتاب تسعة فصول , ويتناول كل فصل علاقة تورغينيف بالفنون التشكيلية , وهكذا يتوقف الباحث في الفصل الاول عند تاريخ البورتريتات التي رسمها مختلف الفنانون التشكيليون لتورغينيف , ويتحدث عن كل لوحة من تلك اللوحات الشهيرة له ويعيد نشرها بشكل فني رائع , ويتناول الفصل الثاني مخطوطات تورغينيف والرسومات التي رسمها في مسودات كتاباته , وهو تقليد جميل نجده عند بوشكين وليرمنتوف وغوغول ( درس الباحثون الروس هذه الرسومات والتخطيطات عند هؤلاء الادباء الكبار واستنتجوا منها جوانب نفسية وفنية عديدة لديهم , ولا مجال للتوقف عندها في اطار هذه المقالة طبعا ) , وينشر الباحث العديد من رسومات تورغينيف وتخطيطاته في مسوداته , وكذلك رسوماته لبعض ابطال رواياته . لقد تمتعت كثيرا مع الفصل الثاني من هذا الكتاب , اذ اكتشفت موهبة الفنان التشكيلي تورغينيف , ووجدت لوحات في غاية الجمال والاتقان رسمها هذا الكاتب الكبير , وتوقفت طويلا عند نص خطّه تورغينيف لنص جميل بقلمه , نص يرتبط بموقفه من اللغة الروسية وتعريفه لها , والنص هذا هو قطعة نثر رائعة الصياغة ومشهورة جدا في الاوساط الادبية الروسية , يشير تورغينيف فيها الى ان اللغة الروسية ( العظيمة والجبّارة كما يصفها) تساعده في الغربة وتخفف من توهج شوقه وحنينه الى الوطن, وقد تذكرت اننا درسنا هذا النص في الكلية التحضيرية لجامعة موسكو عام 1960 , عندما كنت ادرس اللغة الروسية هناك , وذلك ضمن مادة ( النصوص الادبية ) او ( المحفوظات ) كما كنا نسميها ضاحكين في اوساط الطلبة آنذاك , وكنت عندئذ احفظ هذا النص (عن ظهر قلب) كما يقول التعبير العربي الطريف , وقررت ان امتحن نفسي , و حاولت ان أقرأ هذا النص عن ظهر قلب دون النظر الى خط تورغينيف له , ولكنني لم استطع ان اتذكر غير بداياته , رغم اني تذكرت كل الاجواء التي كانت تحيطني بالكلية التحضيرية في تلك الايام الجميلة , الايام الخوالي التي كانت ترتبط ببوشكين وتورغينيف وبقية الاسماء العملاقة في تاريخ الادب الروسي واحلامنا الوردية حولهم آنذاك .
ختاما لهذه ( السهرة!) مع تورغينيف , اود ان أشير , الى ان هذا الكتاب يحتوي على مقولات رائعة لتورغينيف تسبق كل فصل من فصوله , واختار مقولة واحدة منها على سبيل المثال وليس الحصر وهي – ( هواء الوطن ضروري للفنان ), وكذلك اود ان اشير الى ان هذا الكتاب يحتوي على أكثر من مئة صورة ولوحة له وللفنانين التشكيليين الروس الكبار ولمخطوطات تورغينيف ورسوماته , وانها مطبوعة بشكل واضح و أنيق ورائع.