من نبوخذ نصر إلى سومرست موم
أبطال بلا انتصارات!
أديب إيشو
هل يُعقل هذا ؟ و هل يحدث ان يكون هناك أبطال إنما دون انتصارات ؟!
قبل هذا السؤال ، فليسمح لي القارئ ببضع أسئلة :
ـ هل حدث مع أحد منكم انه تتبع و لو لبعض الوقت ما يجري على ساحتنا الآشورية ثم خرج مستلسماً .. صاغراً و قائلاً : لست أدري ... لست أفهم ؟!
ـ هل حدث مع أحد منكم انه جال بنظره على جميع المواقع الإعلامية الخاصة بشعبنا الآشوري و بجميع أطيافه ثم خرج يلعن الساعة التي أصبح فيها لدينا وسائل إعلام ؟!
ـ هل حدث مع أحد منكم انه تابع و ملياً اللغة التي يتخاطب بها أبناء هذا الشعب فيما بينهم ، و تابع و ملياً أيضاً اللغة التي يتخاطب بها مع الآخر ، ثم خرج حتى من ثيابه ؟!
ـ هل حدث و ان اُثقلت رؤوسكم و انحننت ظهوركم و تعبت أقدامكم من كثرة علامات الاستفهام ؟!
إذاً أنت في قلب الدوامة التي تسمى السياسة الآشورية
و أهلاً بك في رحلة قصيرة و غير مسلية أنقلك فيها من مجد نبوخذ نصر إلى سقطة سومرست موم أما لماذا ؟ و ما علاقة نبوخذ نصر بنا نحن ! و ما علاقتنا به ! و ما علاقة نبوخذ بسومرست و ما علاقتنا نحن به ؟
أسئلة ليست محيرة و لا معقدة إذا ما تواضع أبطال هذه الأمة و نزلوا من على خشبة المسرح و التقطوا أنفاسهم بعد استعراض العضلات الدامي و المرهق هذا ! و جلسوا على مقاعد المتفرجين قليلاً و استمعوا إلى بعض الأجوبة علهم يدركون أي نوع من الأبطال هم و لماذا ... ؟
بداية من نبوخذ نصر ، فهو غني عن التعريف ، هو باختصار بطلنا الذي صال و جال . هو ملجأنا نحن الأمة التي أوشكت على إفلاسها إلا من بضع وريقات من كتب التاريخ نلصقها على ألسنتنا و نمتص ما فيها من دسم ليقرقع لساننا بعدها بالإنجازات و المآثر .
خطيئة نبوخذ نصر الوحيدة << على ذمة أصحاب القلوب الرقيقة و المعدنية >> انه أتعب شعب الله المختار حيث سرق منهم جحيمهم و أراهم نعيم بابل { تخونني الألفاظ من وقت لآخر } .
أما خطيئتنا الوحيدة بعد الألف إننا لا زلنا نحمله في قلوبنا بعد ان أسقطناه من عقولنا و سقطنا نحن
في مستنقع التاريخ و عسله .
لكن من هو سومرست موم ليقتحم علينا خلوتنا و عسلنا و ما علاقته بنا نحن أحفاد نبوخذ نصر ؟
سومرست موم شخصية تاريخية معروفة أيضاً << من قال إننا نفتقد التواضع >> خُلدت إنما في تارخ الأدب ، روائي انكليزي عُرف عالمياً ، كان يكتب كلاماً جميلاً و قوياً و مدوياً .. تماماً كالرسائل و البيانات و البحوث التي يتناولها أحفاد نبوخذ نصر الآن .
و صاحبنا هذا و رغم سجله الأدبي الزاخر و صولاته و جولاته ! له قصة أو مأساة أو دراما أو سموها ما شئتم ؟ فعندما يتعلق الأمر بإسم أو تسمية فلا بد ان انحني إجلالاً لطلاقة اللسان التي يمتلكها بعض أبطالنا ! و انحني احتراماً للمخزون الثقافي الذي تنبع منه ملاحم العز و الغار .
قصة صاحبنا سومرست لا يزال العالم يذكرها مع كل كلمة ترد عن هذا الروائي الشهير مهما كانت القيمة الأدبية لأعماله :
( فقد كان يتمشى مرة في حديقته و برفقته السكرتير الشخصي ، و حدث ان انحنى السكرتير على الأرض عندما رأى دودة تتلوى بين الأعشاب فأمسك بقليل من التراب ووضعه فوق رأسها ... و ليسقط إلى جوارها الكاتب سومرست موم مغشياً عليه ...! حيث بقي في المستشفى في حالة دوخة مستمرة ، فقد كان مشهداً مرعباً لم يتحمله صاحبنا و معادلة مخيفة :
دودةَ + قليل من التراب + الحياة الآخرة ... و لكم ان تتخيلوا إلى أين سرح خياله في تلك اللحظات الحرجة و المصيرية ...!؟ )
هل توضحت الصورة و العلاقة قليلاً ؟
أم انه موضوع كرامة و عزة نفس ما يجعل البعض يتساءل : أي علاقة ..؟
هل ينبغي ان استفيض و أقول :
إننا جميعاً نبوخذ نصر فيما بيننا و سومرست موم عندما نواجه الآخر حتى و ان كان ....
مشكلتي إنني افتقد اللغة المنمقة الأكاديمية و التي غايتها المراوغة و الحفاظ على ماء الوجه و الخروج بأقل الخسائر .
هل ذكرت كلمة الخسائر ؟
إذاً فلا بد إننا الطرف المعني ، فها هي جولة أخرى و أقصد بها الدستور الذي سيضع الركائز الأساسية للنهوض بالعراق و استعادة مكانته الطبيعية ، العراق مهد الآشورية و نبض كل الآشوريين في العالم .
تحضيرنا كالعادة جاء عشوائياً و سادته اللامبالاة و الأنانية في التعاطي و النتيجة : سقطت بابل سقطت و سقط أبنائها الطيبين . لا أدري ما إذا كان هذا التعبير مناسباً فالسقوط يعني ان الشخص كان واقفاً ثم سقط ، أما نحن فلا أتذكر أخر مرة كنا فيها واقفين شامخين { فليذكرني أحد } .
من حق كل انسان آشوري ان يتساءل : إلى متى نبقى في هذه الدوامة الخيصة و المصطنعة ؟ إلى متى نبقى أسرى هذه الأجواء الملوثة و الفاسدة ؟ فلو أعدنا قراءة مختصرة لما تم طرحه بعد الانتخابات السيئة الصيت تلك ، لوجدنا ان الأجندة القومية ـ باستثناء القليل ـ و بسبب مثلث برمودا الذي يبتلع كل التوجهات الصادقة و الممثل من< بعض حملة الصليب و حملة الأقلام المسمومة و حملة أعلام الأمة المستكردة و بجدارة > جاءت باهتة و عديمة اللون و مثيرة للسخرية حيث
توزعت أجندتنا في محورين اثنين :
ـ الحرب الكلامية و الدامية و استعراض العضلات بين الانتماءات الحزبية و المذهبية .
ـ توجيه رسائل الذل و الخنوع الكوميدية إلى الفخامات و الرؤساء .
حيث خلت الساحة السياسية من الحوار العقلاني الهادئ المنطلق من وحي الروح القومية و الهادف إلى بعث تلك الروح . و نتيجة لهذا الفراغ تحولت ساحتنا السياسية إلى حلبة مصارعة و هتاف و أرقام و أوسمة ، و كانت الطامة الكبرى هي انجرار الكثير من أبناء الطائفة الكلدانية وراء الدعوات التي أطلقها أصحاب تلك الأوسمة باعتبارهم الأبطال القادمون و هم وحدهم القادرون على استعادة مجد نبوخذ نصر !.
و سرعان ما دخل الجميع معركة الحسابات الشخصية و كالعادة تم وضع القضية و أعبائها على الرف ، فمعركة الحسابات الشخصية و تصفيتها أسهل بكثير و لا تتطلب سوى كلمات تُستحضر من قواميس الردود الجاهزة و ما أكثرها . أما القضية التي حملها في قلوبهم عظماء أمتنا الآشورية و طافوا بها العالم / وفي مقدمتهم أبناء الطائفتين الكلدانية و السريانية / تسبقهم صرخات المذابح و مآسي الحروب وويلاتها ، فهي ما تتطلب التضحية و الجهد و الإخلاص و هي معاني لا تُستحضر و لا تُشترى ، بل هي المعاني التي تولد من رحم المعاناة و الألم و التي وحدها تقود إلى الإبداع و الخلود و لهذا بقيت هذه الأمة خالدة حتى اليوم و بقي مبدعيها خالدين أحياء في وجداننا و لهذا نتألم عندما نرى أبناء هذه الأمة يطعنون في خاصرتها و يزداد ألمنا عندما يواجهون آهات أمتهم المجروحة و الحزينة بابتسامات و بطاقات تهنئة يقولون فيها :
لقد فعلناها و أصبحنا قومية
كل هذا و لا زالت الرسائل تنهال على الفخامات تطالب بمزيد من فوضى الأسماء و ملحقاتها و يا لهول المفارقة و يا لبؤس هذا الشعب ! رسائل و بإسم من .. و إلى من .. و تطالب بماذا !!!
أما عن مضمونها و مقدماتها و نهاياتها فحدث و لا حرج ، فأبو الأنبياء خرج من عندنا و عرج على جيراننا و سقى ماشيته من عند جيران جيراننا !
أي صيغة هذه و أي أزمة سنتجاوز بهكذا طروحات و أي أجوبة تنتظرون من فخاماتهم ؟!
منذ سنين و نحن سكارى منتشين بهكذا معلومات تاريخية غافلين عن مشاكلنا الحقيقية و المخاطر التي تهدد وجودنا و هويتنا .
منذ سنين و أداءنا السياسي هش يفتقر إلى أبسط بديهيات السياسة .
منذ سنين و نحن نلبس ذات الرداء المضحك المبكي و الذي لا يستحق إلا الشفقة .
أسئلة برسم العاملين في الحقل السياسي :
ـ كيف يمكن أن تُسرق و تدّعي وفي نفس الوقت بأنك لم تُسرق ؟
ـ كيف يمكن أن تُجرح مئات المرات و الآلاف ثم تحجم عن تسمية خصمك و لو لمرة واحدة ؟
ـ كيف يمكن أن تتألم و تعاني ثم تصمت و تصلي علّ طبيباً يمر << صدفة >> بجوارك ليشفي جراحك ؟
أليس هذا واقعنا و حالنا و مصيبتنا ؟!
لم نكن أمة بلا اسم يا سادة ، و لم نكن أمة تنقصها المعرفة و الشجاعة لكننا اليوم نحصد ما زرعته بذور المذهبية و المزاجية ، و ما يدمي القلب هو إصرار الكثير على زراعة تلك البذور مجدداً ، و في كل موسم بإسم جديد لتتعالى بعدها الأصوات : ثمة شيء غريب ! إنها إرادة الله و.....
أي إله و أي غرابة أيها السادة الأبطال ! إنه الوضوح و لا شيء آخر ما نحتاجه ، و التغيير بات أولوية لا بد منها فالمسألة ليست مجرد بيانات و لقاءات هنا و هناك و على خلفيتها تلك الابتسامات العريضة ، ففي هذه الظرف الدقيق و مع كل إشراقة شمس هناك الكثير من خيرة أبناء الشعب الآشوري المكبلين بسلاسل مذهبية يعزفون عن أداء واجبهم الطبيعي و هؤلاء هم خسارة مضاعفة لا يراها و لا يلمسها أبطالنا الصناديد ، و هؤلاء الصناديد يشبهون في لغاتهم و صلواتهم ذلك المزمور الذي غناه شعب الله المختار في إحدى رحلاتهم إلى بابل :
(( يا بنت بابل المخربة طوبى لمن يجازيك الذي جازيتنا . طوبى لمن يمسك أطفالك و يضرب بهم الصخرة ))
يا لبؤسنا و شقاءنا عندما نضرب أطفالنا و بماذا .. ؟ بصخرة ! و نعتبرها بطولة !؟
و يا لبؤسنا و شقاءنا عندما ننحني و نركع و لماذا .. ؟ لكي نتسول اسماً من الآخرين ! و نعتبرها سياسة !؟
يا لبؤسنا عندما نكون عظماء كنبوخذ نصر فيما بيننا و نكون سومرست موم مع غيرنا !!!
ألم أقل لكم إنها رحلة غير مسلية ... و قد آن للبعض أن يترجل منها أو يلقي بنفسه {لا فرق } فقد تعبنا من ذات الطريق و ذات الأصوات و ذات البطولات { سموها ما شئتم } .
استراحة :
بين اليهود طرفة معروفة يسخرون فيها من أنفسهم / لكثرة خلافاتهم و صراعاتهم / فيقولون :
لو دخل يهودياً جزيرة نائية و عاش فيها لوحده لأقام بها معبدين : واحد يصلي فيه و الآخر حتى لا يصلي فيه !! .
أخشى ان يكون اليهود و في رحلاتهم تلك أخذوا ما أخذوا و تركوا لنا هذه الطرفة التي تعكس و إلى حد ما أداءنا و سلوكنا و هزائمنا و أبطالنا الذين جعلوا هذه الأمة مثار سخرية ، فهنيئاً لكم أوسمتكم و يا لمصاب هذه الأمة بأحفاد من هذا القبيل .