هل ستوّحد مجزرة الجسر العراقيين مجدداً ؟
د. مهند البراك
بين آلام الجراح وانين الأحزان والبكاء على الوطن الذي لايزيده الاّ الحرص على الحفاظ والأنطلاق مما تبقىّ من ذخيرة لأنطلاق جديد نحو حياة جديدة . . وبين الآمال والأحلام التي لا يعكّرها ويعقرها الاّ الأرهاب والأنانية وضيق الأفق والجوع الى التسلّط، والتي لاتؤدي الاّ الى اطالة الأحتلال في هذا الزمان وموازينه الغبراء من جهة، وبين لاابالية اطراف وقوى اقليمية ودولية متحكّمة، بآلام وعذابات العراقيين مهما ادّعت . .
اهتزّ العراق والمنطقة بمجزرة جسر الأئمة في يوم استشهاد الأمام الكاظم، التي تتحمّل المسؤولية فيها اطراف متعددة بما فيها التي قامت بتنظيمها بذلك الشكل لأهداف تتعلّق بماهية اهدافها فيها وبمدى آهليتها لتحمّل مسؤولية في قيادة جموع، في الظروف البالغة الدقة والخطورة سواءاً من الأرهاب والعنف المتنوع، او من الضياع والتشتت .
ورغم كل الآلام تلك، اهتزّ العراق بمواقف اهالي الأعظمية الأنسانية والوطنية باسنادهم ومحاولاتهم لأنقاذ ضحايا الحادث الجلل، وبمواقف ابناء واهالي الفلوجة المنكوبة وسعيهم لأسعاف اخواتهم واخوانهم المبتلين، في صفعة هائلة للقوى التي تحاول الدفع بالطائفية وتأجيجها لغايات لم تعد محكمة الأخفاء في صدرها . (1)
وفيما عبّر البعض عن مفاجأته بذلك التعاطف والتلاحم في هذا الزمن المؤلم، فان الكثيرين يرون بانه ان دل على شئ، فانه يدل من جديد على ان النفس الوطني العراقي لم يمت بل انه يورق كما تورق البراعم من جذوع الأشجار المحروقة التي بقيت منتصبة، سواءاً في وديان وجبال كوردستان اوفي حياض الأهوار بعد ان طالتها اجهزة الدكتاتورية بالحرق والتجفيف . . ان الشعور الوطني يورق واعداً من جديد، من عروق عمدّتها دماء شهداء ابطال الأجيال من كلّ اطيافها، انه يورق بين اطلال الدكتاتورية المنهارة وبين اجراءات الأحتلال ووحشية الأرهاب الأصولي الوافد ومحاولات اشاعة الطائفية البغيضة والأطماع، ليدعو من جديد الى ان العراق باطيافه السياسية والقومية والدينية، بنسائه ورجاله وكل طوائفه . . سيزهر رغم الجراح !
انه الرد الداعي الى الكف عن التصريحات التي تشق الصفوف وتنبش وتحوّرالماضي الأليم من اجل حفاظ على حظوة او على موقع مسؤولية مؤقت قادت اليه اقدار متغيّرة في زمان موحش(2). انه دعوة جديدة لكل العراقيين والعراقيات الى اليقضة والحذر من الأحابيل والأفخاخ، الى الوحدة من اجل سلامة العراق الحبيب الذي لايزهو ولاتسمع له كلمة بقدر قامته الحقيقية، الاّ بوحدة وتفاعل وتلاحم اطيافه، كما علّم تأريخنا وجغرافيتنا وعلّمت احزاننا وافراحنا .
ويتساءل كثيرون هل ستكون دماء الضحايا الغرّ ناقوساً جديداً لمن لم يتّعظ بعد، ناقوساً يقرع عالياً ويدعو العراقيين للوحدة ؟ كما دعت قافلة شهداء جسر الشهداء وفتاة الجسر في وثبة كانون 1948 ؟ هل ستكون آلام ودموع الجرح النازف الجديد راية لبداية جديدة نحو التآخي والتسامح وتذليل العقبات وتخطىّ شوائب الماضي(3)، بعد ان مضى عامان ونصف على سقوط دكتاتورية كشفت باجرامها وهروبها وسقوطها وتوريثها الأحتلال . . عمق المأساة العراقية وعمق الآلام وفداحة الخسائر والتركات التي لم يعمّقها الاّ التسرّع ثم التباطؤ واتفاقات الغرف المغلقة ثم استعمال (القوة المفرطة) . .
اضافة الى محاولات بعض الدوائر المتنفذة دوليا واقليميا لدفع الأوضاع باتجاه لايخدم الاّ مصالحها الضيّقة الأنانية ويحلّ لها ازماتها الآنية العابرة . . ناسية او متناسية ان الجهود الجادة الجماعية على صعوباتها والسعي الى تقاسم الحكم على اساس دستور مدني، والسعي لدعم قيام عراق برلماني يوالف اطيافه السياسية والقومية والدينية ويوطد تآخيها . . ليطلق طاقاتها، هو الذي سيوفر حتى لتلك الدوائر ما طمحت وتطمح اليه بشكل قانوني دائم ومستقر، بحساب مصلحة شعب العراق المتنوّع لأنه باطيافه مالك هذه الأرض وصاحبها، الأمر الذي لن تستطع حتى شرائع الغاب نكرانه .
بعيداً عن جعل تلك الشعارات برقعاً وواجهة لمحاولات دوائر دولية واقليمية وداخلية لزيادة الأزمة اواحتوائها، لتصدير ازماتها الى البلاد ومحاولات جعلها ساتراً عسكرياً لها بجعل الواقع دائم الألتهاب والتفجّر ودفعه (او غض النظر عمّن يدفعه شاء ام أبى) الى هاويات مخيفة اعمق، وتسويق ذلك على انه نتيجة لجهل العراقيين ووحشيتهم ! . . الى الحدّ الذي تتوازن فيه قوى الصقور الدولية والأقليمية وادواتها والمتأثرين بها والناشطين باموالها واسلحتها وخبراتها ومجرميها، بعيداً عن الأهتمام بمستقبل افضل للبلاد وبعيداً عن الأهتمام بدماء ودموع ابناء وبنات العراق التي يخطئ من يعتقد انها ستذهب هدراً.
المجد لقافلة شهداء جسر الأئمة !
1 / 9 / 2005 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. المعروف ان غالبية اهالي الأعظمية والفلوجة، من المسلمين السنّة .
2. راجع تصريحات السيد الجعفري المؤسفة التي تتكرر حول احداث الموصل عام 1959 ، التي تطالبه اوساط واسعة بالعدول عنها، لأنها صارت معروفة وصار معروفاً الهدف من تناولها بتلك الصورة التي تستهدف اكثر من طرف وطني، بعد فواجع العراق الكبرى التي تلت والتي لاتزال تستمر.
3. بعد معاقبة كبار المجرمين .[/size]