دويلات المدن
في الالفية الثالثة من ميلاد السيد المسيح كانت الاقسام الجنوبية من العراق مسرحاً لهجرة أقوام نزحت من الجزيرة العربية على شكل موجات بشرية أطلق عليها المؤرخون الغربيون ( الموجات السامية), وشملت أقواماً عديدة منها ألأكديون والبابليون, واستوطنت هذه الاقوام في مناطق تمتد من وسط العراق نزولا الى الحلة والديوانية والسماوة( لتوضيح الموقع), وفي أقصى الجنوب في مناطق( الناصرية والبصرة), كانت هنالك أقوام أخرى أطلق عليهم السومريون والذين اختلف المؤرخون في اصولهم.
وفي الاقسام الشمالية هاجرت أقوام سامية أخرى, واستوطنت في مناطق( نمرود, كالح, نينوى), أطلق عليهم الاشوريون والكلدانيون.
وتشير الدراسات التي قام بها المختصون أن هذه الاقوام أقامت مايعرف ب(دويلات المدن), أي أن كل مدينة كانت تمثل دويلة وهي تصغير لكلمة دولة, لها حاكمها وجيشها وأراضيها الزراعية, وفي كثير من الاحيان كانت هذه المدن تتقاتل فيما بينها لأسباب مختلفة, واستمرت هذه الحالة في مدن عديدة مثل(أور , الوركاء, بابل, كيش, لكَش, سبار), وتشير الدراسات التاريخية أيضاً الى ان بعض الملوك استطاعوا أن يوحدوا هذه المدن ويؤسسوا دولة قوية مثل سرجون الاكدي و أوتوحيكَال, وكلما مر اسم سرجون الاكدي في كتب التاريخ يذكر بانه كان زعيماً وطنياً.
ثم ظهرت مملكة بابل وكان من أبرز ملوكها حمورابي الذي وضع شريعته المشهورة باسمه والتي عثر عليها الفرنسيون في الاراضي الايرانية, في منطقة سوسة.
وأقام الاشوريون في الاقسام الشمالية, ومن أبرز عواصمهم نينوى, واستطاعوا تأسيسي جيش كبير, ومن ملوكهم آشور بانيبال وسنحاريب, ومرت هذه الدولة بثلاث مراحل كان آخرها العصر الاشوري الحديث, وكان من أبرز ملوكهم نبو يلاصر و نبوخذنصر الذي وصل بفتوحاته الى فلسطين وهو المشهور بالسبي البابلي لليهود, والمشهور ببناء الجنائن المعلقة وهو الذي دخل بابل ووحد العراق تحت قيادته.
ليس الهدف من هذا السرد هو التحدث عن تاريخ العراق القديم, بل عن تاريخ العراق المعاصر, فدويلات المدن التي تحدثت عنها عادت من جديد وبمسميات جديدة, مثل فيدرالية الجنوب, فيدرالية الوسط والجنوب...وتنوعت المسميات وكلها تحمل بذور الانفصال.
نحن لسنا ضد وضع ديموقراطي يحقق للشعب العراقي مساوات وتكافؤ فرص, ولكننا ضد تقسيم العراق.
ان مسيرة العراق الوحدوية قديمة قدم التاريخ فلا مجال لاختزال التاريخ, فالعراق رقم لايقبل القسمة, وان الاصوات التي تسمع هنا أو هناك, بالدعوات للانفصال مصيرها الفشل, وسيسجل التاريخ على هؤلاء كما سجل لغيرهم لأن العراق جسم واحد, فاذا تداعى جزء منه تداعت بقية الاجزاء.
لقد تعرض العراق لكثير من الهزات في تاريخه وخرج منها أكثر توحداً والتحاماً, لأن شعب العراق شعب واحد بتاريخه وأرضه ومياهه, فلا عودة ل(دويلات المدن), التي كانت قبل خمسة الاف سنة, والصراعات على الارض والمياه, وان كل ثرواته هي لكل أبنائه, ومن يعتقد أن النفط هو الثروة الوحيدة فهو خاطيء لأن النفط مادة نابضة وزائلة, وان الثروة الحقيقية هي العراق كله, بمياهه وزراعاته وكل ثرواته التي لاتنضب, والاكثر إثراءاً هو شعب العراق.
وأقول أخيرا...ياللسخرية....إذ ان ماجمعه العراقيون قبل 3000 سنة, يحاول البعض الان تفتيته بمحاولات وضع الحواجز أو الاسوار والاسيجة العامرة بين مدن العراق , أو حتى بين مناطق المدينة الواحدة, ولم يدركوا حجم المخاطر التي سوف تترتب على مجتمعنا الواحد من جراء ذلك.
فالبيت العراقي الذي يعيش فيه أفراد تختلف اتجاهاتهم الفكرية عن بعضها, فبينهم المتدين والعلماني والسني والشيعي والميال الى تيار فكري آخر مختلف, لايمكن أن تفصلهم كاتونات في بيتهم الواحد, لتحمي بعضهم من البعض الاخر, ولا يمكن أن توضع الاسوار بين غرف النوم للبيت الواحد لتفصل بين الزوج والزوجة أو الأبناء عن الاباء, ولا يمكن أن يفتت الضعفاء اليوم مابناه الاقوياء بالامس على مر التاريخ, والخطورة كبيرة على مجتمعنا الواحد الذي اعتاد التآلف والتعايش مع بعضه رغم اختلاف الانتماءات والميول الفكرية والسياسية.
راهبه الخميسي_الســـويد