وسادة أبي.....قصة قصيرة / سها جلال جودت


المحرر موضوع: وسادة أبي.....قصة قصيرة / سها جلال جودت  (زيارة 1208 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 279
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
وسادة أبي
 ما يزال طيف حضورك يعزيني في خوفي وقلقي ورعبي وخفقان قلبي كلما سقطت قذيفة أو سمعت صوت أبواق سيارات اﻹسعاف تدوي، رحلت تاركاً خلف ظهرك إرثاً كبيراً في حبك والدعاء لك وأمي، لن تصدق إذا قلت لك رغم ألمي على فراقك أنني أشعر بالارتياح. لا لشيء فقط، بل ﻷنك لن تشاهد مآسي المدينة التي أحببتها، المدينة التي حفظنا شوارعها وحاراتها وأزقتها وحدائقها بالشبر، كنت تزورني، تستمع إلى ثغاء قلمي وتبدي سروراً وفرحاً وابتهاجاً بما تسمع، أراك الآن ترتب نرجيلتك، تنقع التبغ اﻷصلي بالماء بعد أن تلفه بقطعة قماش قطنية، تشعل الفحم، وتضع وردة أو فلة في قارورة الزجاج، تطلب مني أن أجهز لك فنجان قهوة، تتأملني بابتسامة حنون راضية وأنت تستمع إلى قراءاتي، قد تكون الورقة رسالة من صديق، وقد تكون مقالاً كتبته، وقد تكون قصة من حكاية سمعتها، كنت تثني وتدعو لي بالتوفيق، ها هي صورتك اليوم ترتسم أمامي كاملة، مفاجأة أن أراك وأمي وحشداً من إخوتي وأخواتي وأولادي تقفون بالكراج تنتظرون حضوري للانطلاق برحلة السفر إلى المطار.
لم أكن أعرف أن دموعك تلك ستظل في روحي تنهمر غيثاً كلما هاجت الذكرى، أسمع اﻵن صوت شهقات بكائك كأنها تصلي في قلبي وتزفني عروساً في رحلة السفر إلى بلدٍ بعيدٍ، سأحلق فوق الجبال والبحر المتوسط وجزره العائمة على سطحه، سأحلق وأعانق الغيم كأنني أعانق كتل الثلج اﻷبيض، من هناك، حيث العلو والارتفاع ما بين اﻷرض والسماء، سأرى الشمس تشق جمرتها النارية على امتداد خط اﻷفق، صورة حفظتها ذاكرتي كما حفظت شكل وجهك وأنت تبكي، كانت كلمتك كافية لتكللني بالفخار والاعتزاز والبهاء:
- "حماك الله يا ابنتي، حماك الله، رفعت رأسي اليوم بسفرك إلى بلد المليون ونصف المليون من الشهداء، إلى بلد نحبه كما يحبنا، فرحتي بتحررهم من فرنسا كفرحتي بسفرك إليهم، إلى أرض الخير والجمال والسحر، إلى أشقاء وشقيقات كانوا نبراس فجر الحرية، إلى أبناء وبنات اﻷمير عبد القادر الجزائري"، واليوم يا أبي أهز وجدان دمعاتك الصافيات وأنا أبكي حرقة وألما على وطن دمروه، اغتالوه، حاصرونا من الوريد إلى الوريد، مزقوا أواصر لحمتنا، كبلونا بحرائق الموت والخراب والدمار، كل ما يحزنني يا أبي وسادتك التي ورثتها من رائحتك، الحرب لم تدعني أنام عليها ولو ليلة واحدة، الحرب لم تتركنا ننام في بيوتنا، الحرب تذيقنا في اليوم الواحد ملايين اﻵهات والصرخات على راحلين أبرياء من الشعب كافة، نحن اليوم ضحية انفجار حقد كان نائماً، متخفياً، ندفع ضريبة ذلك الحقد من أمننا واستقرارنا، صوتي وحده يا أبي لا يكفي، من كثرة الصراخ أصابته البحة وربما أفقده، حزينة أنهم حرموني من زيارة قبرك وأمي، حرموني من رائحة رفاتك تحت التراب، أترى كم هم قساة القلوب؟ أترى أي وجع يسكن في أحداق عيون قلبي الذي أنهكه القهر والقلق والخوف، أعرف أنك تحس بوجعنا، بعذابات أرواحنا، أعرف أنك تريد أن تشق حجر القبر لتخرج إلينا، ترمي بعباءة حبك وحنانك علينا تريد أن تحمينا، وﻷنك تريد أن تحمينا اسمع ما رأيته في ذلك الحلم الغريب، تدخل بيتي امرأتان لا أعرفهما واحدة جميلة جداً، بل صارخة الجمال، تلك الجميلة أعرف أنها من أصول ذات حسب ونسب، وأرى فيها بعض ملامح أمي، تبتسم في وجهي ابتسامة تروقني، أقول لها:
- ما طلبك سيدتي؟ تجيبني وابتسامتها لا تفارقها:
- لدي لك رسالة.
- رسالة، ممن ؟ أسألها
تقول وقد انفرجت أسارير وجهها كأنها تبشرني بأمر يهمني:
- لا تخافي من الحرب، الملائكة تحيط بك لتحميك ومن تحبين.
 فأقول لها فوراً كأن حديثاً روحياً استقر في وجدان الروح:
- أنا يا سيدتي، محصنة بحماية الملائكة.
ترد علي فوراً:- نعم، نعم. وتغيب.
أستيقظ على الفور، كان هذا الحلم ما بين وقتي العصر والمغرب، لم يكن حلماً ليلياً، ولم يكن كباقي اﻷحلام، أوقن على الفور أن روحك وأمي تستبسلان في رعايتنا، رعايتي، فأرتاح، أشعر براحة تعتريني وبأمل قريب سيعلن عن انبلاج ظلام الحرب نحو النور واﻷمن واﻷمان، وسأجري راكضة بكل ما بقي من قوتي ﻷبحث بين الركام عن وسادتك التي ظلت عيني معلقة بها.
1/6/2016