البدايات الأولى لتأسيس الحركة الديمقراطية الآشورية
حقائق أم مهاترات وأحباطات شخصية
أبرم شبيرا - لندن
هناك مثل شائع يقول: "عندما يفلس التاجر يبحث في الدفاتر القديمة". ولكن يظهر أن هذا المثل تطور في مجتمعنا الآشوري في هذا الزمان بحيث لم يعد لمثل هذا التاجر نفعاً من الدفاتر القديمة المستهلكة في الزمن الحالي لذا يلجأً إلى الحيل والكذب وإهانة الآخيرين من أجل تبرير تصرفاته أو تغطية خسائره أو إفلاسه. هكذا هو الحال مع بعض "مناضلي" هذا الزمان أو"المحاربين القدماء" أو "أعضاء سابقين في حركة أو حزب ما". لقد كتبت مقالة بجزئين عن ذكرى تأسيس الحركة الديمقراطية الآشورية ونشرفي موقع (عنكاوا) وتلقيت إنقادات وملاحظات وإطراءات سواء كتابةً أو هاتفياً أو شخصياً. وبصراحة أكره الإطراءات وأفضل الانتقادات لأنها المصدر الإساسي لكل إنسان منفتح للتطور الفكري. وليس غريباً أبداً عن مجتمعنا مثل بقية مجتمعات العالم أن يكون بين هؤلاء المنتقدين من يتجاوز حدود الآداب والمجاملات المطلوبة وينحو منحى شخصي، فإما بالتهجم على شخص ما ولإسباب ترتبط بتصفية حسابات قديمة أو لمجرد تبرير بعض مواقف الماضي التي عفى عليها الزمن. وطيلة عقود من زمن كتبت العديد من المقالات والكتب ولم أتطرق بعين إلى أسم شخص أو حاولت إهانته أو الرد عليه بسلبية مهانة في وسائل الإعلام ذاكراً أسمه فهذا ليس من شيم من يؤمن بأننا أبناء أمة واحدة قد نختلف قليلا أو كثيراً ولكن يجب أن نبقى ضمن حدود المجاملة المطلوبة عندما ننتقد بعضنا البعض مهما كان إختلافنا كبيرا، وحتى هذا الانتقاد يجب أن يكون بشكل عام في معالجة ظاهرة معينة عامة لا تخص تحديداً شخص معين او حزب أو منظمة معينة. أنتقدت بعض أحزابنا ومنظماتنا القومية وممارساتهم ولكن أحترم كتيراً المسؤولين عنهم وأعضائهم وقد أنتقدهم أثناء اللقاء معهم إنتقاداً بناءاً مقبولا وفي حدود الاحترام والمعقول الذي يحفظ صلتي بهم كأبناء أمة واحدة ولكن من المستحيل أن أتطرق إلى أسمائهم في وسائل الإعلام.
نشر موقع عنكاوا في الأيام القليلة الماضية رد على ما كتبته عن مناسبة تأسيس الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) من أحد الاعضاء السابقين التاركين لهذه الحركة وكنا نأمل أن يكون هذا الرد علمياً وموضوعياً يضيف معلومات أخرى إلى المرحلة الأولى لتأسيس زوعا ولكن للأسف الشديد يظهر أن كاتب الرد "عضو مكتب سياسي سابق" لزوعا قد ركز جل رده على مسائل شخصية لا علاقة لها إطلاقاً بالموضوع الذي كتبته فإنهال بالشتائم على رابي يونادم كنا السكرتير العام للحركة وربما لإسباب تتعلق بتصفية حسابات الماضي وبأسلوب متخلف ينم عن حقد دفين لم يجد سوى صفحات عنكاوا لتفريغه. ولكن عجبي الكبير كان هو الشتائم الكبيرة التي خصني بها مع العلم بان معرفتي بكاتب الرد سطحية ولم ألتقي به إلا مرتين، مرة في دمشق في منتصف التسعينيات من القرن الماضي عندما كان لازال عضو مكتب سياسي لزوعا حيث كان "يناضل" بكل الطرق للهرب من زوعا واللجوء إلى الخارج. ومرة أخرى في ستوكهولم في عام 1998 عندما كان خارج هذا المكتب وتحدثنا عن موضوع إنتسابه إلى سلك الكهنوتية للكنيسة الشرقية القديمة فعدا هذا لم ألتقي به ولم أشارك معه في أي عمل قومي أو نشاط آخر أو زاحمته على كرسيه في المكتب السياسي لزوعا والتي لا علاقة تنظيمية لي بها سوى مناصرتها فكرياً في المسائل القومية التي أومن بها أنا أيضا. كما لم يكن لي معه أية مسائل أو مشاكل شخصية قطعاً. عجبي كبير ولكن يظهر بأن مثل هذا العجب الكبير سيخف عندما نعلم بأن مجرد ذكر أسم الحركة الديمقراطية الآشورية والحديث عن بعض المنجزات التي حققتها يصيب بعض الذين تركو قطار زوعا أو الحاقدين عليها القشعريرة والهذيان فليجئون إلى أبخس الوسائل في الطعن والإهانة الشخصية لقادة هذه الحركة ومن كتب او تكلم عنها.
على أية حالة، وحتى لا أطيل على القارئ اللبيب وأستهلك صفحات عنكاوا الثمينة، أود أن أفرغ ما في جعبتي حول موضوع كاتب الرد من خلال ثلاث قنوات وأرجو أن يطول باله في هذا الخصوص.
الأول: فحوى الموضوع: يظهر بأن كاتب الرد لم يقرأ الموضوع، ولو الفقرة الأولى منه، بشكل دقيق ومعرفة المغزى المراد منه. فأنا لم أذكر إطلاقاً بأن رابي يونادم كنا هو مؤسس الحركة أو المؤسس الوحيد للحركة، كما لم أتكلم عن تأسيس الحركة ومن كان مؤسسيها. فالفقرة الأولى والوحيدة التي تكلمت عن رابي يونادم لم تكن إطلاقاً عن المواضيع التي تشعوذ كاتب الرد فيها وإنما هي مجرد ذكرى لقاء معه والنقاش حول تأسيس الحركة وموقفي من توقيت تأسيس الحركة، أية حركة سياسية والتي لم أفصل فيها. فمثل هذا اللقاء لم يكن قاصرا على رابي يونادم بل كان أيضا يشمل بعض الأصدقاء في السنوات اللآحقة الذين كانوا يثقون بي وكانوا من الرواد فتركوا قطار زوعا وهم في قمة القيادة ولجأوا إلى الخارج مثل صاحب الرد. بهذا الخصوص أتذكر الزيارات العائلية التي كنت أقوم بها إلى بيت السيد زيا بتيو (ميخائيل) في الموصل عام 1981 والتي كان يحضر بعضها السيد نورا القس زيا (المعروف بدكتور هرمز) وكلاهما كانا في قيادة زوعا وتركوها وهاجروا إلى الخارج وضمن ظروف تختلف عن ظروف "الشماس المناضل" فكنا نتباحث في أمور سياسية وقومية كثيرة فكانوا يعرضون عليً الإنظام إلى زوعا وفي بعض الأحيان كانوا يجلبون معهم مطبوعات سياسية بسيطة صادرة عن الحركة الديمقراطية الآشورية ومنها "بهرا" التي كانت نشرة بسيطة متكونة من صفحتين أو أربع صفحات. إذن كيف يدعي صاحب الرد بأن زوعا تأسست في عام 1983 عند إنعقاد الكونفراس الأول؟ مسكين هذا "المحارب القديم" الذي يجهل أبسط أبجديات السياسة... فمعظم الأحزاب السياسية في العالم تأسست في بداية الأمر فكرياً وأيدولوجياً ومن مجموعة بسيطة من الأشخصاص ثم في حالة تطور هذه الأحزاب وزيادة أعضائها يبدأ الإطار التنظمي بالتأسيس سواء عن طريق عقد كونفراس، كما كان الحال مع زوعا، أوعن طريق مؤتمر عام. والكونفراس يعقد دائماً في ظروف صعبة وإستثنائية، خاصة في بلدان عالم الثالث حيث يكون إستبداد السلطة قائماً على رقاب المعارضين في حين يكون إنعقاد المؤتمر العام للحزب في ظروف أخف وفي أجواء فيها هامش من الحرية والديمقارطية كحد أدنى.
إذن وبإختصار... الرد لم يكن له علاقة إطلاقاً بالموضوع الذي كتبته بل كان تهجماً شخصياً إليً وإلى رابي يونادم ومن دون مناسبة أو علاقة بالموضوع. ألم يكن الأجدر بصاحب الرد ومع عدد آخر من القياديين الذين حالهم كحاله، تركو قطار زوعا أيضاً ورحلوا إلى الخارج، أن يثبتوا إخلاصهم للحركة التي أسسوها وقادوها وهي في بداية مسيرتها وأن يوفروا دموع التماسيح التي يذرفونها على الأيام الخوالي وأن يبقوا في الوطن ويشكلون الأكثرية في اللجنة المركزية أو المكتب السياسي لزوعا ليزاحموا رابي يونادم ويطردوه من الحركة أو غيره من القياديين الذين لا يرضون عليهم أو لا يتفقون معهم ومن ثم يمارسوا أو يطبقوا السياسات والأفكار التي يومنون بأنها المناسبة والصحيحة لزوعا وليست المنحرفة التي يزعمون بانها تمارس حالياً. فما الذي أخاف أو أدى بهؤلاء الذين يبكون ليل نهار على زوعا أن يتركوها ويفروا إلى الخارج. أ فهل كان لزوعا حكومة أو سلطة أو سجون وقوى أمن ومخابرات تطارد المعارضين لها أو تسجنهم أو تطردهم من الوظائف أو تقطع عنهم أرزاقهم كما كان يفعل حزب البعث في نظام صدام المقبور؟ فالجواب معروف سلفاً ... قطعاً لا. وما يؤكد هذا الجواب القطعي هو أن جميع الذين تركو قطار زوعا لم يبقوا في الوطن ليقاوموا المنحرفين بل رحلوا إلى الخارج، فلو كانوا جادين في إنتقادهم أو تهجمهم لزوعا ولقيادتها وهم في أرض الوطن ينافسون رابي يونادم كنا وغيره من القياديين بالطرق السياسية الصحيحة لكان الناس قد صدقوهم وآمنوا بهم وبأفكارهم ولكن الأمر يظهر وهم بعيدين آلاف الأميال عن أرض الوطن بأن المسألة هي حالة ذهنية مرتبطة بتبرير الماضي بحج واهية لا يصدقهم إلا الحاقدين على المسيرة الصحيحة لأمتنا. وأنا أتحدى هؤلاء القافزين من قطار زوعا إذا كان بإمكانهم أن يبينوا وبوضوح إختلافهم الفكري أو الايديولجي عن زوعا... إليس هو خلاف شخصي فحسب؟ بلى والله. والرد على مقالتي واضح وضوح الشمس. والمسألة لا تتعلق بزوعا وحدها وإنما بالتنظيمات والأحزاب الآشورية الأخرى. فهناك عدد من خرج أو إنشق عن هذه الأحزاب والتنظيمات ولكن ثرثرتهم وهيجانهم وتهجم الشخصي لقادة هذه الأحزاب لم تلغيها من واقع الوجود بل بقية سائر في مسيرتها وصامدة لأنها تخلصت من الجراثيم والأمراض وأصبحت معافية أكثر من السابق.
وأخير لم يبقى في هذا الشأن إلا أن أكون منصفاً بحق الذين تركوا قطار زوعا ورحلوا إلى الخارج بأن أوضح بأن أمر أو ظروف بعضهم تختلف عن الآخرين. فالبعض منهم تركوا قيادة زوعا لظروف عائلية قاهرة مقبولة بشكل عام ولجوا إلى المهجر للتخفيف من هذه الظروف أو معالجتها ولكن بقوا بشكل أو بآخر ضمن المسيرة العامة لزوعا ومخلصين أو آمنيين بتاريخها يحترمونها ويحترموا قيادتها في حين قفز الآخرين من القطار بحثاً عن حياة أسهل في المهجر ومن هناك أصبحو مطرطمين ومناضلين من الصنف الكارتوني الذي يعج به مهجرنا الآشوري. وفي الختام أطلب من كاتب الرد والقراء الكرام إعادة قراءة الفقرة الأولى من المقالة أعلاه ليتأكدوا بأن ما كتبه "المحارب القديم" لا علاقة له إطلاقاً بصلب الموضوع.
الثاني: مقالتي في مجلة المثقف الآثوري: أود قبل كل شي أن أوضح للقارئ الكريم ولكاتب الرد على السواء بأن الإنتقائية منهج رجعي وإنتهازي تدميري، فهو المنهج الذي يلجأً إليه كاتب أو سياسي أو أي شخص آخر للبحث في الظواهر العامة شيئاً ما ليخدم غرضه ومهما كان هذا ضيلاً أو حقيراً في الأطار العام للموضوع. وتعتبر الجماعات الإسلامية الإرهابية رائدة في استخدام هذا المنهج عندما تلجاً إلى القرآن وتأخذ منه بعض الآيات وتعطيها تفسيرات بغرض تبرير عملها الإجرامي في قطع الرؤوس أو قتل الأطفال والأبرياء وتكفير الآخرين وتحليل سرقة أموالهم. ويظهر بأن صاحبنا "المحارب القديم" لجأ إلى هذا الأسلوب عندما استخدم فقرة واحدة متكونة من بعض السطور لمقالة كتبتها في مجلة المثقف الآثوري عدد تموز 1977 لا بل حتى أنه لم يكمل هذه الفقرة لأنه لم تكن تخدم غرضه في الطعن الشخصي. فكاتب الرد يحاول بخجل وبتردد مفضوح ومهزوز إتهام بعلاقتي بحزب البعث أو التعاطف مع النظام وهو بمضيره الحي يعرف مواقفي حق المعرفة من حزب البعث والنظام الصدامي المجرم والذي يعرفه البعثيون قبله وقبل غيره من المتصيدين في المياه العكرة. فبمجرد قراءة مئات المقالات وثمانية كتب كلها كتبت عن الآشوريين وتاريخهم وحقوقهم ونضالهم ومدى استبداد حزب البعث تجاهم يعرف حق المعرفة عن مواقفي تجاه هذا النظام والذي أصدر، ممثلاً بالمجرم المقبور عدي صدام حسين باعتباره رئيساً لإتحاد كتاب وأدباء العراق حينذاك، قائمة بأسماء تزيدة 350 شخصاً، وأسمي من ضمنهم، يتهمهم بالخونة الذين يكتبون ضد النظام فتعرض شقيقي وأقاربي في العراق إلى الإستدعاء إلى دوائر الأمن والمخابرات لتوجيه التهديد والوعيد والإهانات الشخصية لهم بسبب كتاباتي ضد النظام.
هذه المقالة ،التي استخدم كاتب الرد نصف فقرة من فقراتها العديدة، كتبتها قبل ثلاثة عقود، بدءً لابد من معرفة طبيعة الظروف المحيطة بمجتمعنا الآشوري في تلك الفترة. فالمقالة المعنونة بـ (النادي الثقافي الآثوري في ظل الضمانات الدستورية في حماية الأقليات) – من الملاحظ أن كاتب الرد حذف "في حماية الأقليات" ... لماذا؟ الجواب في منهجه الانتقائي الانتهازي لخدمة غرضه في الطعن الشخصي. في تلك الفترة كانت وزارة الداخلية العراقية قد أصدرت قراراً إلى كل الأندية الآشورية والكلدانية بضرورة رفع أية شروط "عنصرية" في أكتساب عضوية النادي وأعتبرت تسميات مثل الآشورية أو كلدانية أو سريانية كلمات عنصرية يجب رفعها من النظام الداخلي للنادي وإلا سيعاقب أعضاء الهيئة الإدارية بموجب قوانين النظام. كما تضمن قرار الوزارة بضرورة قبول غير الآشوريين في النادي وعدم قصره على الآشوريين أو الكلدان أو السريان فقط. سارع معظم الأندية إلى الركوع أمام هذا القرار ففتح باب العضوية لغير الآشوريين وأصبح الكثير منها مجرد بارات لشرب الخمور، وفي مقدمتهم نادي سنحارب الذي كان يتراسه عميل نظام البعث "وليم شاؤول" المعتقل حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية، فلم يكتفي بتعيين غير الآشوريين في النادي وإنما عين المدعو "هاشم شبيب" مدير الصحافة العامة في وزارة الإعلام ورجل مخابرات النظام كرئيس فخري للنادي، والذي سنأتي على ذكره فيما بعد.
أصبح النادي الثقافي الآثوري في موقف محرج عقب صدور هذا القرار وهو معروفاً كمركزاً قومياً وثقافياً للشباب الآشوري فكان عليه مقاومة مثل هذه السياسات الاستبدادية بكل الوسائل للحيلولة دون رفع تسمية "آثوري" من النظام الداخلي أو قبول غير الآشوريين فيه. أين كان "المحارب القديم" في تلك الأيام أفهل كان عضواً في أحد هذه الأندية، وبالآخص النادي الثقافي الآثوري أم كان لا يجراً الاقتراب منه لأنه كان في نظره نادياً عنصرياً. قام النادي بجملة نشاطات ثقافية وفكرية كسبيل أو سلاح ذكي في محاربة هذا القرار، فأستدعى بعض من كبار المثقفين العراقيين ومن أعضاء حزب البعث المقبور لإلقاء محاضرات عن حقوق الأقليات في العراق وعن ضماناتها الدستورية لكي يتم أحراجهم أثناء طرح الأسئلة عليهم ومقارنة ما سيقوله عن هذه الحقوق مع قرار وزارة الداخلية الآنف الذكر. وضمن نفس السياق طلب مني رابي عوديشو آدم الذي كان رئيساً لتحرير مجلة المثقف الآثوري حينذاك أن أكتب موضوعاً في نفس الإطار. فكتبت المقالة المذكورة أعلاه ونشر في الصفحات الأولى من المجلة وهي تدور في نفس الإطار يبين الضمانات الدستورية التي يتمتع بها النادي ولا يجوز المساس به من خلال تطبيق قرار وزارة الداخلية. وفي تلك الأشهر كان أحد "المسيحيين" من موظفي مكتب المجرم المقبور صدام حسين الذي كان نائباً لرئيس ما يسمى مجلس قيادة الثورة قد تبرع بمبلغ قدره ألفين دينار عراقي إلى النادي ... أعيد وأكرر بالرقم ( 2,000) دينار عراقي وبأسم صدام حسين .... تصورو أليس تبرع مثل هذا المبلغ الضئيل جداً إلى النادي إهانة لصدام ونظامه؟ فالحالة المهانة هذه تشبه كما يتبرع أحد المليارديرية مائة دولار لجميعة خيرية فقيره، لهذا من يقرأ المقالة يدرك على الفور مدى الإحراج أو ربما الإهانة التي كنًُا نصب إليه من كتابة ونشر المقالة إلا إن صاحبنا كاتب الرد لم يكن بمستوى فكري وسياسي يمكنه من إدارك هذه الحقيقة لأن صندوق دماغه مليئ بالاحقاد الشخصية والنزعات العشائرية والتوجهات النفعية فلا قابلية فكرية له لإدراك مثل هذه الحقيقية.
كتبت المقالة مستخدما اسماً مختصراً (أ . د. شبيرا) ضاناً بسذاجتي أن هذا سيفوت على النظام المقبور ومخابراته. ففي صيف من نفس العام كنت في لندن لجمع بعض المصادر عن أطروحتي الجامعية، صادف أن كان هناك في تلك الفترة وفداً من الناطقين بالسريانية من "الآثوريين والكلدان والسريان" برئاسة المدعو هاشم شبيب المار ذكره يتجولون في أميركا وبعض بلدان أوربا الغربية لغرض التطبيل والتزمير لسياسات النظام المقبور، فعقدوا ندوة في المركز الثقافي العراقي في لندن وحضرتها مع بعض الآشوريين المقيين في لندن و بعد إنتهاء الندوة عقدت جلسات جانبية أثناء العشاء فبدأ هاشم شبيب بالوعيد والتهديد للآشوريين الذين لا يقدرون أفضال النظام وسياسات البعث تجاه "ضمان وحماية حقوق الأقليات" ومنهم الآشوريين فأشار إلى المقالة التي كتبتها في المثقف الآثوري والتي كان يحملها بين يديه حيث جلبت إلى لندن وقام البعض بتوزيعها هناك، فعبر هاشم شبيب خلال حديثه عن سخطه الشديد تجاه مضمون المقالة وكاتبه الذي وصفه باللئيم والخبيث وركز على جملة ذكرتها في المقالة تقول "بأن تبرع صدام بمبلغ ألفين دينا كان له تأثير ليس على الآثوريين فحسب وإنما على جميع أبناء الآشوريين" قائلا بأن خبث الكاتب يظهر من خلال جملة "جيمع أبناء الآشوريين" لأنه يقصد أيضا الكلدان والسريان وهذا غير مقبول اطلاقاً وعندما عرف بأنني هو الكاتب من خلال دخولي معه في نقاش حاد طلب مني زيارته في مكتبه في وزارة الإعلام عند العودة إلى بغداد. وفي بغداد أستدعاني أنا ورابي عوديشو إلى مكتبه وهناك وجه لنا نحن الأثنين تهديدات صريحة ووعيد غاضب مؤكد ضرورة منع استخدام اسم "الآشوريين أو الآشوري" في المجلة وإلا فالسجن مصيرنا. هكذا استلمت فاتورة المقالة من رجل المخابرات العراقية هاشم شبيب مثلما استلمت فاتورتي من كاتب الرد على مقالتي حول ذكرى تأسيس زوعا من إهانات وتجريحات.
هناك نقطة مهمة جداً يستوجب ذكرها هنا ونحن بصدد مجلة المثقف الآثوري والمقالة التي يختلس منها كاتب الرد جملة قصيرة للطعن الشخصي وإتهامي بعلاقة بنظام البعث المقبور، وهي أن صورة قداسة البطريرك مار دنخا الرابع وهو يصافح صدام حسين كان غطاءاً لغلاف المجلة، ولا أتذكر بأن كان نفس العدد من المجلة أو غيره لأن المجلة غير متوفره عندي حاليا عند كتابة هذا الموضوع. أ فهل نتهم "استغفر بالله" قداسته بالعمالة والتعاطف مع النظام المقبور "معاذ الله"... حسب منهج المتصيدين في مياه المجاري وذوي الأفكار الشحيحةوالخبيثة يصح لهم مثل هذا الإتهام اما أصحاب العقول النيرة والضمائر الحية فتعرف بأن قداسته هو رأس لرعية كبيرة تعيش في العراق ومن واجبه الديني والإنساني أن يتبع أسلوب المجاملات والبروتوكولات المعروفة في هذا السياق مع الرؤساء والحكام مهما كانت طبيعة النظام السياسي، أما من لا يفهم ذلك فليضرب رأسه بالحائط. تصوروا كتبت آلالاف السطور والفقرات في النضال القومي الآشوري وعن حقوق الآشوريين وعن استبداد النظام البعثي المقبور في العراق فكل هذا عمى عيون "المحارب القديم" ولم يرى إلا فقرة أو بالأصح نصف فقرة ليستخدمها في الاهانات الشخصية وحتى هذا الاستخدام استخدم بحالة من التردد والخوف وكانه يحاول سرقة شيء وهو غير واثق من نفسه.
الثالث: دراستي العليا للماجستير:
عندما يلجأ الإنسان إلى أبخس وأغبث الوسائل في تحقيق هدف ما فهذا لا يعني إلا أن هذا الشخص في مأزق فكري وإنساني كبير. هكذا الحال مع كاتب الرد فهو يستخدم قبولي في الدراسات العليا وسيلة لكي يتهمني بتهم حقيرة وبذيئة. إن إستخدام الوسائل النبيلة لتحقيق أهداف حقيرة سرطان فكري يأكل دماغ هؤلاء. فدراستي للحصول على ماجستير في العلوم السياسية هي ثمرة جهود فردية ومعاناة شخصية لم أحصل عليها بفعل فاعل أو بفضل شخص أو النظام كما يتهمني كاتب الرد ولم أستفد من هذه الشهادة في الحصول على لقمة العيش أو منصب معين بل استخدمتها في خدمة أمتي التي هي أحوج ما تحتاج إليها من جاجة أية أمة أخرى إليها. مقدماً أعتذر من القارئ الكريم وأرجو أن لا يتهمني بالنرجسية عند الحديث عن هذا المضوع.
في عام 1972 قبلت في الجامعة المستنصرية كلية الآداب القسم المسائي وكنت في حينها موظفاً صغيراً (كاتب طابعة) في وزارة المالية وكانت الدراسة في الجامعة بأجور والتي كانت تشكل ثقلاً كبيراً عليً وأنا من عائلة فقيرة ولكن وضعت خدمة أمتي بالعلم والفكر نصب عيني ولم يهمني صرف كل راتبي من أجل إكمال دراستي. في نفس العام تحولت إلى كلية القانون والسياسة لأني وجدتها أنفع في تحقيق الهدف من دراستي. عندما يضع الإنسان نصب عينه هدفاً نبيلاً ويسعى بكل إمان وجهد لتحقيقه فمن المؤكد سيحققه. وفعلاً في عام 1976 تخرجت من الجامعة حاصلا على البكلوريوس وبدرجة جيد جداً وكنت الأول في قسم العلوم السياسية (وثائق الجامعة تؤكد ذلك) وبغية الإستمرار حتى الدكتوراه أستقلت من الوظيفة وقدمت إلى الدراسات العليا في جامعة بغداد (لم تكن في حينها درسات عليا في المستنصرية ) فكنت من الأوائل المقبولين وذلك بسبب درجات تخرجي العالية من جهة وكون منافسي من الجامعة المستنصرية شيوعياً من جهة أخرى فكان من الأفضل، كما ذكر لي صديق فيما بعد، بأن يكون قبول المستقل أهو من قبول الشيوعي بالنسبة للجامعة. وفي بداية عام 1980 تخرجت بدرجة إمتياز وحصلت على شهادة الماجستير، وكانت الدرجة الوحيدة والأولى التي تمنح لطالب في تلك الكلية. وطبقاً لقوانين الجامعة كان من المفروض أن أتعين معيد أو مدرس في نفس الكلية، وهو الحلم الذي كنت أتمنى تحقيقه، إلا الجامعة لم تقبلني بسبب كوني غير منتمي إلى حزب البعث وكان هذا يقال لي مباشرة وبصراحة فأصبحت بذلك ملتزماً بدفع كافة أجور الدراسة، بعد أن كان الطيب الذكر إيشو دنخا يقيرا الذي كان يعمل كمدير صيانة في النبك المركزي العراقي قد كفلني كفالة مالية عند الجامعة. وفعلآ بعد أن تيسرت حالتي المالية بعض الشيء (بعد عملي في شركة أجنبية) دفعت ومن قوت يومي كل الأجور إلى الجامعة. بعد أن حرمتني الجامعة من التعيين أضطررت إلى العمل في شركة بريطانية إنشائية كمساعد مدير إدارة ثم مدير إدارة وحتى وصلت إلى مدير فرع العراق وأستمريت العمل معها في إنكلترا ولازلت أعمل معها حتى هذا اليوم متنقلا بين إنكلتزا ودولة الإمارات العربية. لو كان صاحب الرد يحمل ثقافة صافية النية لكان قد عرف هذه التفاصيل الشخصية مثلما عرفه معظم المثقفين الآشوريين لا بل عرفه حتى أعدائنا الذين كانوا ينصبون الفخاخ للوقوع بنا وبسمعتنا كما يفعل الآن كاتب الرد.
الأطروحة التي كتبتها لنيل الماجستير كانت معنونه " دور المثقفين في التحولات الإجتماعية" وهي دراسة سياسية فلسفية مقارنة بين الفكر الماركسي والرأسمالي عن المثقفين وعلاقاتهم بالطبقات الاجتماعية ودورهم في التغييرات السياسية، وتعتبر أول دراسة جريئة من نوعها وفي مرحلة كان بمجرد التطرق إلى الماركسية أو الشيوعية يكون السجن أو المطاردة مصير الفرد. لا بل كانت الأطروحة الوحيدة في تلك المرحلة التي لم تتطرق إطلاقاً إلى النظام الحاكم مدحاً أو إلى حزب البعث تمجيداً كما كان الحال مع كل الاطروحات الأخرى دون إستثناء خاصة في العلوم الاجتماعية وتحديدا السياسية منها. فلو كان لكاتب الرد فرصة قراءة رسالتي الجامعية مع إنفتاح عقله لما لجأً إلى الأساليب البذيئة في إتهامي بتهم لا يعقلها حتى المختل عقليا وهي التهم التي يبدو بأنه تعلمها من إختصاصي الشتائم والاهانات. لقل نلت عن هذه الأطروحة درجة الماجستير بإمتياز وناقشني حولها في جلسة مفتوحة لجنة متكونة من أربعة من كبار أساتذة كلية القانون والسياسة ولم يكن أي منهم بعثياً كما حضر المناقشة أكثر من مائتين شخص نصفهم من الأصدقاء من النادي الثقافي الآثوري. إضافة إلى درجة الإمتياز أوصت لجنة المناقشة بطبع الأطروحة عل شكل كتاب على حساب جامعة بغداد إلا أن رئاسة الجامعة وبتوصية من هيئة رقابة المطبوعات منعت من طبعها بحجة كون الأطروحة "لم تضيف بشئ إلى الفكر السياسي السائد في الوطن" ، كما ذكر على مسودة الأطروحة. أي بمعنى آخر أن الأطروحة لم تساهم في مناقشة أو تطوير حزب البعث كما كان جارياً في تلك الفترة في أطورحات العلوم السياسية، في الوقت الذي وصف رئيس لجنة المناقشة الأطروحة بأنها تستحق شهادة الدكتوراه. كم كنت أتمنى لو كان كاتب الرد من بين جموع الحاضرين للمناقشة ليرى ويسمع المناقشات الحادة والطويلة التي دامت أكثر من أربع ساعات وفي أمور ومسائل كان الكثير ولايزال حتى اليوم يخاف من التطرف أو الاستماع إليها. أين كان كاتب الرد في ذلك الزمان وفي أية زواية من زوايا مجتمعنا الآشوري كان يناضل؟ ... ففي الوقت الذي كان النادي الثقافي الآثوري في بغداد وفرعه في السليمانية مراكز للنضال القومي والفكري وبؤر لنشوء التنظيمات الآشورية، أفهل كان كاتب الرد قريباً منهم ومعروفاً بنشاطه؟ فلو كان قريباً منهما لكان له توجهاً آخر ولا يلجاً إلى إتهامي بتهم لا تليق بإنسان يعرف ولو جزء قليل من هذه الحقيقة ... الحقيقة التي إن لم يصدقها فليسأل من كان حاضراً في تلك المناقشة من أعضاء النادي ليعرف عين الحقيقة.
بعد سنة من حصولي على شهادة الماجستير قدمت إلى دائرة البعثات للسفر والدراسة في الخارج للحصول على شهادة الدكتوراه فرفض، ثم قدمت وقدمت ... ورفض... ثم قدمت للدراسة على حسابي الخاص وكنت مقبولاً في أكثر من جامعة محترمة بريطانية وأميركية إلا إن الجواب شفهياً كان وعلى الدوام ... (مو بعثي ها ) وتحريرياً ... "عدم حصول موافقة الجهات العليا". والمسألة أصبحت واضحة فيما بعد، أنها متعلقة ببصمة الإبهام... أو كما كان يقولون تبصم تقبل... أي توقع على إستمارة الانتماء للبعث تحصل على شهادة الدكتوراه... لقد فعل بعض من زملائنا ومنهم آشوريين فبصموا وسافروا وأصبحوا من الحاصلين على شهادة الدكتوراه والكثير منهم لم يرجع بل بقى في المهجر، وهي مسألة تخصهم وحدهم وليس لنا عتاب عليهم من إقتناء مثل هذه الفرص للإستفادة منها. لقد كان عنادي عناد "تخوما" نحمد الله ونشكره على هذه النعمة ولم أخضع لا إلى التهديدات و لا إلى الإغراءات ... لا إلى العصى ولا إلى الجزره... فركبت فرس العناد مؤمناً بأنه السلاح الوحيد المقاوم لاستبداد البعث المجرم. وعندما ضاقت الأمور بي وبعائلتي من التهديدات والمضايقات المستمرة تركت الوطن وتركت ورائي كل شيء عدا ضميري النظيف والحي الذي جلبته معي وسيموت معي وأنا سعيد غير نادم على خسارتي لشقاء عملي في العراق، فالضمير القومي النظيف والحي هو الكنز الذي لا يفنى أبداً والذي أسعى بكل جهدي وطاقتي أن أعكسه في كتاباتي ومواقفي التي أقفها تجاه أي مسعى قومي شريف. فمن كان ضميره حياً يعرف الضمائر الحية الأخرى ومن كان ضميره ميتاً أو خاضعاً للأحقاد الشخصية لا يعرفها أبداً.
وأخيرا ... أرجو من القارئ الكريم أن يستميحني عذرا من الإطالة في هذا الموضوع وإنتقادي لأحد من أبنائنا الآشوريين الذي أجرم بحقي من دون أساس أو شرع، فأنا إنسان آشوري ملتزم بحدود الأخلاق القومية والإنسانية ولا أسعى أبداً إلى أنتقادات شخصية لأبناء أمتنا. فنحن أبناء بيت واحد نتناقش ونختلف ونتخاصم ولكن ضمن سور البيت الآشوري. ولكن مع الأسف الشديد يظهر بأن كاتب الرد قفز من فوق هذا السور وأصبح خارج البيت الآشوري وأصطف مع الاختصاصين في الإهانات الشخصية ومع خبراء التهجم على مؤسساتنا القومية المناضلة وعلى الأقلام الشريفة النظيفة.