حقل فوكو - تشارلز ليمرت


المحرر موضوع: حقل فوكو - تشارلز ليمرت  (زيارة 636 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أدب

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 303
    • مشاهدة الملف الشخصي
حقل فوكو - تشارلز ليمرت
« في: 18:20 10/11/2018 »
حقل فوكو - تشارلز ليمرت

 مدارات ثقافية :ترجمة : خالدة حامد

ما ميشيل فوكو ؟ هل هو ماركسي ؟ بنيوي ؟ سيميائي semiotician ؟ فهو يستعمل مصطلحات ماركس : الطبقة ، الاقتصاد السياسي ، الإنتاج ، رأس المال ، سلطة العمل ، الصراع . لكنه وإن كان ماركسيا ، تبدو صلته بالماركسية غير واضحة . إذ نلمس اهتماما بنيويا بالأشكال الشمولية من الثقافة في حديث فوكو عن ” النظام في حالته الأولية ” وفي محاولته ” كشف أعمق طبقات الثقافة الغربية (1)”.
إلا إنه ينكر اتجاهه البنيوي ، على الرغم من ذلك ، ويبدو دوره السيميائي واضحا في دراساته للنحو العام في ” الكلمات والأشياء “ Les mots et les choses وللعلاقة بين العلامات signs والأعراض symptoms في ” مولد العيادة ” (2) Naissannce cliniqne . لكنه يبدو على الرغم من ذلك أكثر من محض سيميائي .
إن الماركسي ، البنيوي ، السيميائي صفات يلصقها به قراؤه وليست صفاته شخصيا . فنحن حينما نقرأ له نراه يواجهنا في كتاباته بالجديد والغريب ، ونفعل ما يفعله بقية القراء أي نقرأ من المألوف إلى الغريب . ونظرا إلى أنه مفكر فرنسي يكتب بعد الحقبة الوجودية existentialist period ، نفترض أنه لابد أن يكون ماركسياً أو بنيوياً أو سيميائياً . فما الذي يمكن أن تجده في فرنسا هذه الحقبة عدا ما ذكرناه ؟ إن افتراضا من هذا النوع يثير مشكلات كثيرة . وقد تفيدنا مثل هذه الستراتيجية في القراءة فائدة كبرى في حالات معينة لكنها تخذلنا في حالة فوكو . فبعض المؤلفين يميل إلى ملاءمة المقولات بينما لا يفعل فوكو ذلك.
تدفعنا كتابات فوكو بعيدا عن المألوف باتجاه الغريب ، ويكون القارئ عارفا بالسور المتين الذي يحيط بما لدينا من خزين المعرفة المألوفة ، والذي لا تنحل أواصره حينما نقرأ . فنحن لا نستطيع استغلال معرفتنا بالماركسية والبنيوية والسيمياء بل نحن مجبرون على الانتهاك وتجاوز حدود معرفتنا وفسح المجال أمام أنفسنا للسقوط في غياهب لغته وفكره الغريبين والتساؤل عما إذا كان لما نقرأه أية قيمة أصلاً ، إذ تبدو القواعد اللازمة لقراءة فوكو على النحو الآتي : لا تجعل منه شخصا آخر ، تعلّم أن تعيش معه كما هو ، توصلّ إلى أحكامك بعد قراءة الكثير . ومما لا شك فيه إنك ستتعلم الكثيرعن سوسيولوجيا العقاب في ” المراقبة والمعاقبة” Discipline and punish ، وأبستمولوجيا العلوم الإنسانية في “الكلمات والأشياء” ، والتفكيك الفلسفي لنظرية السلطة في ” تاريخ الجنس ” The History of sexuality الجزء الأول ، والفلسفة الشارحة للمعرفة التاريخية في”حفريات المعرفة” Archaeology of Knowledge ، ونظرية الفكر السياسي في” الحقيقة والسلطة” Truth and power (3) ، والدراسات الأدبية لباتاي وبلانشو وفلوبير وروسيل ونيتشه في ” اللغة والذاكرة المضادة والممارسة (4) ” Language , counter –memory , and practice ونجد الكثير من هذه الموضوعات قائمة بذاتها ويمكن أن تذوب في موضوعات هي خارجية بالنسبة لفوكو إلا أن كل من لديه رغبة بفهم فوكو عليه أن لا يحوله إلى شيء آخر ، بل ينبغي له رؤيته من منظور مصطلحاته الصعبة الخاصة به.
يبدو أن أحد الأسباب التي تدفع فوكو إلى إقصائنا خارج حدود المألوف هو أنه باريسي . فالمفكرون الباريسيون يعملون في حقل القوى الفكرية المعقد والمتغير بسرعة . (5) فالأفكار تغدو وتروح ، والنجوم الفكرية تبزغ وتأفل ، وقد يحدث ذلك في غضون أسابيع . ولا يوجد أي مكان فكري آخر في العالم الحديث يماثل باريس تماما ، فهي البؤرة التي تتمركز فيها معظم قوة ثقافة العالم وبالتالي صار لزاما على المؤلفين ، وعلى أفكارهم ، التنافس لاحتلال موقع في هذا الحقل ، وقلة هم الذين يحتفظون بمكانتهم لفترة طويلة . وينبغي للكتاب تلبية حاجات الجمهور الأدبي الملح والمتقلب . كما يكون المفكرون تحت أنظار صفحات جريدتي ” اللوموند ” أو ” النوفيل أوبزيرفاتور” ، وعلى شاشات التلفزيون الفرنسية ، وعلى منصات الكوليج دي فرانس . وقلما نجد مخبأ من باريس كلها لأن القبول الأدبي علامة على القيمة الفكرية . فحالما يعرض الكاتب نفسه لهذا الجمهور تعصف به عندئذ قوة ذلك الجمهور . ولكي يتفادى المفكرون الباريسيون الإحراج يكونون تحت طائلة الضغط للبحث عن ملاذ لهم في ما هو غريب وجديد وهذا هو السبب وراء قلة شروحات الأدب الفرنسي والعلم الإنساني وغزارة شفراته (6) codes . وتعمل الابتكارية الأسلوبية والفكرية على حماية موقع المؤلف الثمين في مناخ ثقافي متأجج . ويشعر القراء الأجانب ، لا سيما الأميركان ، بهذا الأمر أولا . فنحن نكتشف ميرلو بونتي ، سارتر ، ليفي شتراوس ، التوسير ، غورفتش، بارت ، دريدا ، كرستيفا ، هنري ليفي ثم نندفع إلى باريس لزيارة هذه النُصُب لكننا لا نجد سوى الحجارة . فقد اكتسحتنا العاصفة نحن أيضاً ، والنجوم أفلتْ أو انتقلت إلى مجرة معجمية lexical أشد غرابة ، ولا أحد في باريس يرغب بالحديث عنها ، فقد وجد الفرنسيون أن اهتمامنا بالنصب التذكارية غريب تماما.
يعد فوكو جزءا من هذا الحقل . وعلى الرغم من أنه لم يفقد مكانته الأدبية في باريس حتى الآن ، يبدو أن مؤلفاته تحمل علامات ضغوطها . وربما كان هذا الأمر غريبا إلى الحد الذي جعل فوكو يحتفظ بهذه المكانة عشرين عاما ، أي منذ نشر كتابه ” تاريخ الجنون “(7) Histoire de la Folie في 1961 . ومع ذلك ، يوجد تفسير جوهري لغرابة فوكو . فهو قد حول شروط الفكر الباريسي المعقدة إلى منهج وضعي . لكن ينبغي لنا القول أن فوكو ليس ذا مزاج عابث . ومهما يكن حكمنا النهائي على عمله ، لابد من التشديد على أن فوكو يقصد الكتابة والعمل على النحو الذي يمارسه هو . وتؤكد نظريته الاجتماعية انتهاك الحدود المألوفة على نحو واضح.
فوكو الحدث : إن إطلاق اسم ” الحدث “event على فوكو لا يعني الاحتفاء به أو جعله أكثر مما هو عليه ، بل يعني دراسته بمصطلحاته الخاصة ، فهو يرفض التاريخ التقليدي للأحداث الكبرى (الحروب والمعاهدات والاتفاقيات الدبلوماسية ، وما إلى ذلك ) ويقترح بدلا منه تاريخا يضفي صفة الحياة على الفهم الاعتيادي للأحداث التاريخية . فنجده يهتم بالأحداث القليلة الشأن في التاريخ أكثر من اهتمامه بالأحداث الكبرى : إذ يعنى بالراويات المنسية ، بتقرير عن جريمة ما ، بقصة خنثوية ، بمشهد واحد من الأعمال الكاملة لماغريب (8) . فالحدث لا يقاس بما يحمله من معنى أو أهمية ، بل بمكانته في مجال القوة الاجتماعية . فهو بؤرة لقلب المصادفة Chance reversal : ” علينا أن نتقبل إدخال المصادفة بوصفها مقولة category في إنتاج الأحداث(9) ” . فحدث فوكو لا يشكل المصدر الآني للتغير ، بل هو اللحظة المنفصلة المحدودة حينما يتضح التحول . ولهذا السبب فإننا حينما نتحدث عن فوكو ، فإن الحدث لا يعني السؤال عن المعاني المهمة أو المقاصد الخاصة أو الكليات totalities الاجتماعية التي يمثلها الحدث ، بل ينبغي لنا أن نضع جانبا الأسئلة الاعتيادية المتعلقة بخلفية فوكو وتراثه ومصادره وتأثيراته ، وخط اتصاله وأهميته ومعناه الأعمق . بل لا يتطلب الأمر سوى وضع كتاباته في محل تكون فيها مختلفة ومحددة بخصوص ” شروط وجودها الخارجية (10) “.
يعد فوكو حدثا يمكن فيه رؤية الانقلابين اللذين حلاّ في الفكر الفرنسي مؤخرا ، وإن لم يكن هو السبب وراءهما ، ولا ممثل لهما تماما ، بل كان بمثابة المركز البؤري لهما . ومع ذلك يمكن أن نلحظ من اختلافه عن الحقول التي كان جزءا منها مدى تجسيد [عينية] concreteness موقفه والسمات العامة للحقل الذي اشترط هذا الموقف.
وقد مثلت الحركة البنيوية أول التحولين . إذ ظهر كتاب فوكو ” تاريخ الجنون ” 1961 في خضم الجدل البنيوي ، وكان عنفوان البنيوية واضحا في المدة المحصورة بين 1955 ( ” المدارات الحزينة ” Tristes Tropigues لليفي شتراوس) ومنتصف الستينيات ( من أجل ماركس ” For Marx لألتوسير 1966 ، و”علم الدلالة البنيوي “Structural Semantics لغريماس 1966 و”السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية ” Political Power and Social Classes لبولانترة 1968)(11) . وعلى الرغم من أن البنيوية شكلت حركة متعددة الجوانب ، ولا شك أنها كانت النشاط الفكري الوحيد المتميز آنذاك ، نجدها طرحت أسئلة فصلتها عن وجودية وظاهراتية phenomenology ما بعد الحرب العالمية الثانية تماما : هل أن التاريخ يقبل التحول إلى أفعال actions تقوم بها الذات التاريخية ؟ ألا تفسر اللغة العقل الإنساني أفضل من الوعي ؟ كيف تكون دراسة الإنسان علمية ؟ يبدو جليا تداخل الأسئلة وإجاباتها . واستطاعت البنيوية تحويل الفكر الفرنسي ضمن الأنشطة المتراوحة بين استخدام ليفي شتراوس للسانيات linguistics ياكوبسن في نقد النزعة التاريخية historicism الماركسية . لكن على حين غرة ، اكتنف الشك الذات التاريخية وميتافيزيقيا الوعي ، ومسألة إعلاء شأن الهرمنيوطيقا hermeneutics (12) في العلوم الإنسانية . وحلت محلها أسئلة مختلفة تماما : ألا تعد الذات نتاج القوى الاجتماعية ؟ ألا يمكن قراءة الوعي من اللغة ؟ ألا يمكن وجود علم شكلي ، شامل في الأقل ، للإنسان من دون التأويل interpretation أو اللغة ؟ ما معرفة الإنسان ؟ وهكذا نجد أنها نشرت تعاقبية synchrony سوسير بإزاء النزعة التاريخية ، وأعلت شأن اللغة على الذات المتكلمة بإزاء الظاهراتية ، وعادت إلى تحليل الشكل والعام بإزاء الهرمنيوطيقا.
كان فوكو حدثا ضمن هذا الجدل ، وطرح الأسئلة ذاتها إلا أنه رفض البنيوية قبل انصرام العقد(13) ، لأنه عمل في كتب تلك الحقبة ” تاريخ الجنون ” و ” الكلمات والأشياء” و ” حفريات المعرفة ” في المجال الفكري ذاته الذي عملت فيه البنيوية ، وإن لم يكن يحمل صفة البنيوي . وحدث التحول الثاني في الفكر الفرنسي الحديث داخل البنيوية ذاتها . فقد ظهرت البنيوية كتكيف من الداخل ، إلا أن الأمر تحول على نحو أنذر بنهايتها ، وما بين كتب دريدا الثلاث في 1967 ( ” الصوت والظاهرة “Speech and Phenomena و” الكتابة والاختلاف “ writing and Difference ” و ” في الغراماتولوجيا (14) “ Of Grammatology ) وكتاب دولوز وغواتاري ” نقيض أوديب : الرأسمالية والشيزوفرينيا ” Anti – Oedipus : Capitalism and Schizophrenia في 1072 ، وكتاب بورديو “نظرة في نظرية الممارسة “Outline of a Theory of Practice في 1973(15) ، جوبهت البنيوية في أضعف مواضعها : حيث تكمن آثار النزعة الإنسانية والتمركز حول الصوت phoncentrism عند سوسير وليفي شتراوس ، وعجز البنيوية عن تقديم تفسير سياسي للثقافات التاريخية ، ونزعتها الوضعية ، ولاسيما تغاضيها عن الذات الراغبة ، الممارسة . ولم يكن الانقطاع هنا واضحا على النحو الذي توضح فيه مع الوجودية . وأن ما يسمى بما بعد البنيوية قد سلَّم برفض البنيوية للميتافيزيقا واهتمامها باللغة والأدب ورفضها تحويل الإنسان إلى ذات مثالية . إلا أن هذه الحركة ما بعد البنيوية أفادت من الانبعاث اللاكاني(16) ، إلى حد ما ، ومن القراءات المستقلة لفرويد ونيتشه وماركس (وغيرهم) ، وتمكنت من إحياء قضايا الذاتية subjectivity والفعل التاريخي والممارسة . ولم تعد الذات تمثل ذاتية الوعي القديمة المتعالية ، بل أصبحت ذاتية الرغبة المتوسطة بين اللغة والأدب . وما عاد الفعل التاريخي يمثل مشاركة إنسانية بل صار سياسة الكتابة والجنون . وما عادت الممارسة تعبيراً عن المقاصد ، بل أصبحت استراتيجيات يحددها اتحاد القوى الاجتماعية والرغبة الإنسانية(17). وينبغي ألاّ نندهش إذا علمنا أن التحول الأخير أكدته سنة الثورة 1968 . ومن هذه اللحظة ، ما عاد بالإمكان التفكير ، على نحو تجريدي ، بالتعاقبات الجامدة ، بالإنسان التاريخي ، بالبنى الاجتماعية (بضمنها البنى اللسانية) بوصفها محددات ، أحادية الجانب ، للفعل الاجتماعي أو للذوات التي بلا رغبات أو التي لا تخشى تهديد الموت ، فإذا وضعت البنيوية حدا للبرالية الوجودية السرية فستمد الحركة ما بعد البنيوية حبالها إلى النزعة التجريدية abstractionism وإلغاء النزعة السياسية الكامنتين في البنيوية.
ولا شك في أن فوكو يُعد حدثاً في هذا التحول الثاني وقد وضح في كلمته الافتتاحية التي ألقاها في الكوليج دي فرانس ، دور النقد في الدراسات التاريخية (18). إلا إنه كان بعد ذلك ، أي في ” المراقبة والمعاقبة ” 1975 و ” تاريخ الجنس ” 1976 ، حذرا في محو آثار نظرية السلطة التحديدية غير المباشرة كلها . إذ ما عادت السلطة تأتي من الأعلى ، أي ما عادت تمثل فعل البنى الإقصائي على الأفراد ، بل صارت سيرورة محايثة immanent process مرتبطة بالمعرفة والخطاب بإحكام ، وتعمل بصفة تقنية على مستويات المجتمع كافة(19). وكان الفرد الراغب نتاجا للجنس ومنتجا له . ولم يكن الفكر السياسي الحَكَم الذي يتحدث إلى الجماهير وينوب عنهم ، بل أصبح الفكر العيني الذي يشترك في دراسات إقليمية (20) . لكن علينا توخي الحذر من احتمال إثارة جدل يشترك به فوكو مع نفسه . إذ لا يوجد فوكو مبكر وفوكو متأخر بالمعنى الذي اكتشف فيه فوكو ، بعد 1970 ، كلية وجود السلطة وسياسة الحقيقة [ أي أنها موجودة في كل زمان ومكان ]. فمنذ البداية كان ثمة نيتشه وباتيل وآرتو وفرويد(21). فلو لم يتغير فوكو ، لكان قد تميز بأحداث 1968 ، في الأقل . وهذا لا يعني أن فوكو ، الحدث ، بنيوي وما بعد بنيوي ، وإن كان لا يمثلهما معاً . فهو حادث في هذه التحولات إلا إنه يحتفظ بخصوصيته على الرغم من ذلك ومثلما إن هذين الانقلابين كانا أعظم من فوكو ، كان هو ، بالمقابل ، يزيد من وقعهما . وقد أفرزت هذه التحولات قضايا التاريخ واللغة والمعرفة ، وأخيراً ، السياسة . وكاد فوكو أن يكون حدثاً في عصره إلا إنه يشكل ، إلى جانب تلك القوى ، أعضاء في سلسلة الأحداث ، أي السلسلة التي سبقت البنيوية والتي لا شك في أنها سوف تدوم بعد زوال ما بعد البنيوية.
وهكذا ، لا نستطيع التحدث عن خلفية فوكو ، بل عن مكانه ، بوصفه حدثا في السلسلة التي تظهر كقوى فكرية . ويرى فوكو أن قضية التاريخ من وضع ماركس ونيتشه ومؤرخي ” الحوليات “ Annals .
كما يرى أن قضية المعرفة طرحها ، إلى حد كبير ، باشلار وكانغيلم ، وغيرهم بينما طرح قضية اللغة باتاي وبلانشو وآرتو ونيتشه وفرويد ، فحينما تقرأ فوكو تصل إلى سلسلة أسماء ، كتلك المذكورة آنفا . وتتباين هذه السلسلة وتتداخل عناصرها ، ولا تمثل هذه الأسماء مصادر فوكو ، بل هي طبقات متنوعة من الأحداث التي يعد فوكو عضوا ملائما فيها.
فنحن إذا بدأنا بتسميات مألوفة ماركسية ، بنيوية ، سيميائية ثم ننبذها ، فإن هذا يعني الدخول في غرابة عينية فوكو ، فالأحداث العينية المتجسدة ، ضمن خصوصيتها ، تكون مألوفة أقل من الرموز التي نحاول تنظيم الأحداث من خلالها . ولا شك في أن فوكو يتميز بالماركسية والبنيوية والسيمياء إلا أن خصوصيته تبرز في تداخل هذا الاتجاهات معا والإسراف فيها ، أي في طريقته التي يستجيب فيها إلى قضايا التاريخ والمعرفة واللغة.
التاريخ : إذا اعتمدنا على المألوف ، يبدو فوكو ماركسيا عندئذ . فهو يُعرف ماركس بأنه نقطة التحول الحاسمة في المنهج التاريخي (22) . فماركس هو قائد المنهج التفسيري الوضعي ومحرره من الإطار الأخلاقي (23) . ويشير فوكو في ” المراقبة والعاقبة ” بتحليل ماركس لرأس المال الثابت والمتغير في كتابه ” رأس المال “ Capital الجزء الأول لغرض توضيح السجن الحديث بوصفه أداة السلطة الانضباطية ” . والحقيقة أن من غير الممكن الفصل بين عمليتي تراكم البشر وتراكم رأس المال ، ولعله كان من المتعذر حل مشكلة تراكم البشر من دون تطور أدوات الإنتاج القادرة على الإبقاء على هاتين العمليتين واستخدامهما . وعلى العكس من ذلك ، أدت التقنيات ، التي جعلت من كثرة البشر التراكمية مفيدة ، إلى تصعيد رأس المال “(24). وهذه واحدة من أبرز إشاراته إلى منهج ماركس ولا توجد أية إشارة غيرها . كما أن سجن المجانين في المصحات asylums ، في كتابه ” تاريخ الجنون ” ، والفقراء في العيادة التعليمية ، في كتابه ” مولد العيادة ” ، كلاهما مرتبط بنظرية العلامات الإنتاجية وإيجاد العمالة الفائضة واقتصاد الفقر السياسي . وقد اختلفت المصحة عن أشكال السجن الأخرى عند النقطة التي ” أصبح فيها الفقر ظاهرة اقتصادية”(25) ولهذا السبب ، مع حلول القرن التاسع عشر تم فصل المجانين عن الفقراء والعاطلين غير المنتجين ، واحتاج الفقراء إلى معامله خاصة لأنهم كانوا يمثلون الفئات السكانية غير المنتجة على نحو يتعذر تغييره . وهنا ظهرت المصحة الحديثة ، وظهرت معها بداية علم النفس الإصلاحي الحديث. وعلى هذا الغرار ولد المستشفى التعليمي مع ظهور العصر اللبرالي من أجل الإفادة من أجساد الفقراء.
” لقد مثلت هذه الأحداث بنود العقد الذي اشترك فيه الأغنياء والفقراء لتنظيم التجربة العياداتية [الإكلينيكية] . ومع نظام الحرية الاقتصادية وجدت المستشفى طريقة لفائدة الأغنياء ، إذ أن العيادة تشكل الانقلاب التقدمي للطرف الآخر في العقد . فهي تمثل الفائدة التي يدفعها الفقراء على رأس المال الذي وافق الأغنياء على استثماره في المستشفى … فتحديقة gaze الطبيب تعد ادخاراً saving صغيراً جدا في تبادلات العالم اللبرالي المحسوبة(26).
وفي ” تاريخ الجنس” ارتبطت الميكانزمات الاجتماعية الخاصة بالانضباط وتنظيم الجنس بالاقتصاد السياسي الذي يحتاج الأجساد من أجل قوة العمل . ” إذ أن مسألة تكييف تراكم البشر مع تراكم رأس المال ، ربط نمو الجماعات البشرية بتوسع الإنتاجية والتخصيص المتفاوت للربح ، أصبحت ممكنة إلى حد ما ، من خلال ممارسة نهج القوة الحياتية بمختلف أشكاله وأنماطه التطبيقية(27) “. لكن الأعم من ذلك هو أن المرء كثيرا ما يشعر بوجود صلة حميمة مع ماركس في نقد فوكو المتواصل للقرن التاسع عشر ، ذلك النقد الذي قدمه على نحو مدمر في إعلانه الشهير في ” الكلمات والأشياء ” عن موت اللبرالي . ويبدو تاريخ فوكو ماركسيا جدا في مفرداته كما في منهجه ، لكننا نجده يحافظ ، على الرغم من ذلك ، على المسافة التي تفصله عن ماركس.
” أنا أرى أن ثمة لعبة من نوع ما تخص بما أقوم به . فأنا كثيراً ما اقتبس من ماركس مفاهيم ونصوصا وعبارات من دون أن أشعر بأني مضطر إلى إضافة هامش محقق أو عبارة إطراء تصاحب اقتباسي . لأنك إذا فعلت ذلك سيشار إليك بوصفك شخصا يعرف ماركس ويعكسه وستكون موضع تبجيل ما يسمى الماركسية . إلا أني اقتبس من ماركس من دون أن أقول أني اقتبس منه ، ومن دون أن أضع علامات الاقتباس
ونظرا إلى عجز الناس عن التعرف إلى نصوص ماركس ، تراهم يعدونني شخصا لا يقتبس من ماركس . فهل يشعر الفيزيائي بضرورة الاقتباس من نيوتن وانينشتاين حينما يكتب بحثا في الفيزياء ؟ يستحيل ، في الوقت الراهن ، كتابة التاريخ من دون استخدام سلسلة كاملة من المفاهيم التي ترتبط بفكر ماركس ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، والتحليق في أفق الفكر الذي عرفه ماركس ووصفه . وقد يتساءل المرء عن الاختلاف الذي قد يظهر بين كون المرء مؤرخا وكونه ماركسيا(28)”.
ولم يتمكن فوكو من تعيين هويته بوصفه ماركسيا مثلما إنه لم يتمكن من الانفصال عن الماركسية الفرنسية بوضوح أكبر وانحراف أكثر . وهذا أمر معتاد بالنسبة لمنهج فوكو ، فهو ليس ماركسيا وليس لا ماركسيا بل كليهما معا . وهكذا تجده يهاجم الشيوعية والنزعة الاقتصادية (29) . فقد تمثل التحول الأساس في فكره ، أي ظهور مفهوم سلطة المعرفة في كتابه ” المراقبة والمعاقبة “، بنقد النزعة الاقتصادية الماركسية والتحليل الطبقي التقليدي . فالسلطة ، بوصفها سلطة معرفة ، لا تمثل هيمنة الطبقات الحاكمة.
” إن السلطة تصدر من الأسفل ، أي ليس ثمة تعارض ثنائي وشمولي بين الحكام والمحكومين من جهة ، وأصل علاقات السلطة من جهة أخرى ... بل ينبغي لنا أن نفترض أن علاقات القوة المتعددة التي تتخذ شكلها وتبدي فعلها في آلية الإنتاج والعائلات والجماعات المحدودة والمؤسسات تشكل الأساس الذي تقف عليه آثار الانقسام الواسع المدى الذي يظهر على الهيكل الاجتماعي كله (30) “.
لاشك أن مرد هذا الاكتشاف قناعة راسخة تتخلل عمله كله .” لنوضح القضية على النحو الآتي : يتمتع السجن النفسي ، والتطبيق السايكولوجي للأفراد ، والمؤسسات الجزائية بأهمية محدودة إذا ما نظرنا إلى دلالتها الاقتصادية ، إلا أنها تكون أساسية ولا ريب ضمن السياق العام لآلية السلطة (31) “.
ويعد فوكو ماركسيا واكثر من ماركسي . وهذا هو السبب وراء لا جدوى الحديث عن مصادر . فهو لا ينتمي للتراث بل يعمل بالمادة الخام الخاصة بالحاضر ، بالأحداث الخطابية الحاسمة . إذ إنه لا يكتب ضمن تراث ماركس بل أرجأ التفكير فيه بعد ماركس . ولهذا فهو يرى أن مواجهة التاريخ تتأتى من مفهوم اللامفكر فيه unthought (32) والمستحيل التفكير فيه unthinkable في الماركسية ، ومن مفهوم اللامفكر فيه في تراثين تاريخيين فرنسيين : ” حوليات ” التاريخ الاجتماعي وتاريخ العلم الباشلاري . وهو يرى أن النهج التاريخي محصور في الفضاء الواقع بين فكرتين : التاريخ الطويل الأمد والانفصال discontinuity . الأولى معروفة جيدا في الفكر الفرنسي المعاصر وفي كتاب فرناند برودل ” المدة الطويلة ” La longue duree ، والأخرى معروفة في كتاب لويس التوسير ” القطيعة الابستمولوجية ” coupure epistemologique (33) وكلا الفكرتين لهما سوابق : مارك بلوش ولويس فيفر في قضية برودل وغاستو باشلار وجورج كانغيلم في قضية التوسير . وتلتقي البنى المستقرة والانفصالات والتاريخ الطويل الأمد وتاريخ القطائع raptures عند فوكو . ويُقصَد بالالتقاء هنا أنها تشكل مجموعة جديدة من القضايا للتاريخ (34) . ويتحدى فوكو مفهومي السببية والاتصال في التاريخ التقليدي بصورة خاصة . ويكمن خلف هذين المفهومين بديهة مثالية تخص التاريخ المعنوي . وباختصار نقول إن فوكو يعمل بين ” الحوليات ” وباشلار ويقدم نقدا ماديا للتاريخ الميتافيزيقي وللتواريخ التي تفترض قوة سببية بين عظماء الناس أو الحضارات أو الأحداث ، أو تفترض ، بدلا من ذلك ، اتصالا ذا معنى يرتكز على اللوغوس المتعالي . لهذا السبب ينظر فوكو إلى التاريخ بوصفه ” يحول الوثائق إلى نُصُب تذكارية “(35). ولا ينبغي تأويل وثيقة المؤرخ لكشف أسرار المقاصد الإنسانية ، بل أنها تتحول إلى نصب تذكاري جامد ينبغي ربطه بالنصوص بصورة مادية.
وبناءً على ما سبق ، يعد منهج فوكو مدينا بالكثير لنقد ” الحوليات ” لموضوع ” التاريخ التوثيقي”. ولا تدرس الأحداث الإنسانية الكبرى إلا ضمن السياق الأوسع للبنى المادية والاقتصادية الطويلة الأمد . فكتاب برودل “البحر المتوسط ” (36) ، مثلاً ، يقع في ثلاثة أجزاء : “دور البيئة ” ، وهو يمثل دراسة للجبال والسهول والأنهار والمسالك البحرية والمناخ ، و”المصائر الجماعية ” وهو يمثل تاريخ اقتصادي لمنطقة البحر المتوسط ، و ” الأحداث والسياسية والناس ” . وتوضح الأحداث الاجتماعية والسياسية إلى جانب البنى المادية والاقتصادية والطويلة الأمد . ولا يسير التاريخ على طول المسار الخطي للفعل الإنساني لأن الإنسان مشروط بالعالم المادي . ولذلك يعد منهج برودل وثيق الصلة بالموضوع إلا أن كتاب ” البحر المتوسط ” دراسة تذكارية في أرشيفات أوربا كلها . وقد تم أخذ الحسابات الإحصائية والبيانات الملاحية والخرائط القديمة والتقارير الزراعية ، وغيرها من الوثائق ( الرئيسة والثانوية ) ، وقسمت إلى أجزاء ثم رتبت في سلسلة . فالخارطة تكون ضمن سلسلة إلى جانب البيانات الإحصائية وتقارير الرعي وحقائق المناخ . كما لا تمثل الهجرة طريقة حياة حسب ، بل هي أحداث تقع ضمن بنى طويلة الأمد يُعاد بناؤها من الوثائق . ولا تتشكل السببية في التاريخ من حدث إنساني معين لتتحول إلى حدث آخر ، بل من الحدس بالقوى المادية الاقتصادية والاجتماعية . ولا يسير التاريخ عبر الزمن بل يكون في زمن الديمومة . وفي النهاية يكون الزمن متماكنا.
لقد ترك منهج ” الحوليات ” بصماته على فوكو ، إذ ترتبط الحوليات الاستطرادية بحقولها الاستطرادية في ” حفريات المعرفة ” ويرتبط النحو العام ، وهو حدث في معرفة المنطق واللغة ، بالاستيمية [الوحدة المعرفية] المسطحة للعصر الكلاسي في ” الكلمات والأشياء ” . وتم تفسير السجن في ” تاريخ الجنون ” و ” المراقبة والمعاقبة ” بأنه راجع إلى الدوافع الاقتصادية للرأسمالية المبكرة ، أما في “مولد العيادة ” فقد ارتبطت مراقبة الجسد بالتحولات الحاصلة في بنى العصر اللبرالي في مطلع القرن التاسع عشر ، إذ أصبحت البنية تفسر الأحداث الإنسانية . إلا أن بنى فوكو ليست ستاتيكية ، فهو لا يضع التحليل الزماني موضع التحليل المكاني ، كما أن الحفريات “لا تحاول تجميد الزمن واستبدال تدفق أحداثه بالارتباطات التي تحدد الشكل الساكن “(37) ، وتجده ، بدلا من ذلك ، يرفض ميتافيزيقا الزمن الإنساني السرية ويسمح لطبقات التشكل الاجتماعي كلها بتكوين أزمنتها الخاصة . وبذا ، يمكن أن يحصل تكرار وعودة وانفصال تماما مثل امكانية وجود اتصال . ولهذا السبب لا يتحدث فوكو عن التغيير الاجتماعي ، بل عن التحول(38) . وما عاد التاريخ يمثل قضية تقدم ، بل إعادة ترتيب للعلاقات بين قوى عدة مادية ، اقتصادية اجتماعية تتوسط عملية التشكل الاجتماعي.
هوامش :
* هذا الفصل مترجم عن كتاب “ميشيل فوكو : النظرية الاجتماعية بوصفها انتهاكاً” Social Theory as Transgression تأليف : تشارلز ليمرت و غارت غيلان Charles Lemert and Gart Gillan . ( المترجمة )
1- فوكو ، ” الكلمات والأشياء ” ، ص 21 26 .
2- ينظر دراسة فوكو السميولوجية للوحة مارغيت ( 1973 أ ) وعرضه لكتاب ج . ب بريزة ” علم النحو المنطقي ” ( 1970 ) ... الخ .
3- فوكو ، ” الحقيقة والسلطة ” (1977أ ) ، وهناك الكثير من المناقشات لفوكو عن السياسة في ” عن اتيكا” (1974 أ) ، ” السلطة والجنس ” ( 197 غ ) ومختلف المقالات والترجمات التي جمعها دونالد بوشار في تحريره لكتاب ” اللغة والذاكرة المضادة والممارسة ” .
4- ينظر :عن بلانشو ” اللغة إلى التناهي ” ( 1963غ) ، وعن فلوبير ( فنطازيا المكتبة ” ( 1967 ج ) .. الخ.
5- لمعرفة اثر باريس على المفكرين الفرنسيين ينظر : تشارلز ليمرت ” قراءة في علم الاجتماع الفرنسي ” (نيويورك : مطبعة جامعة كولومبيا ، 1981 ) .
6- ان كتابات فوكو مثال واضح على ذلك ، وتحديدا : “ حفريات المعرفة ” ( 1969 أ ) .
7- في الحقيقة ، كان أول كتاب لفوكو يحمل عنوان ” المرض العقلي والشخصية ” ( باريس : مطبعة جامعة فرنسا ، 1954 ) الذي تم تنقيحه وأعيد صياغة عنوانه في 1962 وتُرجم إلى المرض العقلي والسايكولوجيا ( نيويورك : هاربر ورو ، 1976 ) . أما اعظم أعماله الأولى فهو ” تاريخ الجنون في العصر الكلاسي ” ( 1961 أ ) .
8- ينظر مناقشة فوكو للأحداث المهملة في : حديث السجن ( 1975 ج ) وتاريخ الجنس الجزء الأول (1976أ) ، (1980ء ) ، ” أنا بيير ريفيير قتلت أمي وأختي وأخي ” ( 1973 ب) (1973أ)
9- فوكو ، ” خطاب في اللغة ” (1971)، في ” حفريات المعرفة ” ص 231 .
10- فوكو ، ” حفريات المعرفة “ص 229 .
11- كلود ليفي شتراوس ، ” المدارات الحزينة ” ، لويس التوسير ” من اجل ماركس ، أ . ج . غريماس “علم الدلالة البنيوي ” ، بولانتزة ، نيكولاس ” السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية ” .
12- الهرمنيوطيقا Hermeneutics اسم لفلسفة ألمانية عريقة فرضت نفسها في أوساط الفكر الفلسفي العالمي . ويشير أصل هذه الكلمة إلى صلتها الواضحة بهرمس Hermes رسول الآلهة عند الإغريق الذي أنيطت به مهمة فهم وتأويل ما تريد الآلهة نقله للبشر . ومن دلالة هرمس الأصلية صار هرمس نفسه مفهوماً يرمز إلى الوسيط بين الآلهة والبشر، فقد كان يوضح أفكار الآلهة ، ويترجم اللامتناهي إلى المتناهي؛ ولهذا السبب كان لوجوده دلالة لأنه يشير إلى التحليل والقياس والتخصيص ويُعزى له اكتشاف كل ما أصبح مفهوماً ، ولا سيما اللغة والأدب . وقد استعمل المصطلح في البدء في ” محاورات أفلاطون ” ، إذ أطلق على الشعراء تسمية hermenes ton theon أي مفسريّ الآلهة . ثم استعمله أرسطو في كتابه Per Hermeneias (أي الهرمنيوطيقا ) الذي ترجم إلى الإنكليزية On Interpretation ( في التأويل ) . وكان هدف التأويل يتمثل باكتشاف حقائق وقيم العهدين القديم والجديد من خلال اللجوء إلى مختلف الوسائل والمبادئ ، بمعنى أن الهدف هو الوصول إلى الحقائق القيم الإنجيلية بواسطة التفسير النزيه . وهكذا يتمثل حقل الهرمنيوطيقا بالكشف عن عدد من التأويلات المختلفة لنص معين ، تبعاً للافتراضات التفسيرية والتقنيات التي تم تطبيقها عليه . وقد أصبحت الهرمنيوطيقا حقلاً مهماً مارس تأثيراً كبيراً في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة لدورها الفاعل في نظريات مختلف الحقول النقدية ومنهجياتها. وتنامى الاهتمام بالهرمنيوطيقا في العقود الأخيرة ، كما أخذ استعمال هذا المصطلح وتفرعاته يتزايد يوما بعد يوم على يد ممثلي العلوم الاجتماعية والإنسانية . واليوم يشير مصطلح ” هرمنيوطيقا ” إلى الاهتمام الذي تشترك به حقول واسعة النطاق ، مثل الفلسفة ، السوسيولوجيا ، التاريخ ، اللاهوت ، السايكولوجيا ، الفقه ، النقد الأدبي ، والإنسانيات عموماً . كما يمكن تعريفها بأنها نظرية تأويل أو فلسفة تأويل المعنى . وقد ظهرت بصفة موضوع مركزي في فلسفة العلوم الاجتماعية وفلسفة الفن وفلسفة اللغة وفي النقد الأدبي بصورة خاصة . ( المترجمة )
13- فوكو ، ” حفريات المعرفة ” 15 .
14- يُعرف جاك دريدا هذا المصطلح في كتابه ” في الغراماتولوجيا ” [في علم الكتابة] بأنه دراسة للأدب ولحروف الهجاء ولمقاطع الكلمات والقراءة والكتابة ” قائلاً إنه يستند في ذلك إلى تعريف ليتريه Littre ، وأنه لم يعثر على هذا المصطلح في هذا القرن إلا في كتاب غيلب Gelb الذي يحمل عنوان ” درس في الكتابة : أسس الغراماتولوجيا ” A Study of Writing: The Foundations of Grammatology (1952) /د. محمد عناني : المصطلحات الأدبية الحديثة / وسيرمز له المؤلف بالرمز OG (المترجمة).
15- جاك دريدا ” الصوت والظاهرة ” ، وكتب أخرى ، دولوز وغواتاري ” نقيض أوديب : الرأسمالية والشيزوفرينيا ” ، بورديو ” نظرة في نظرية الممارسة ” .
16- ينظر : توركل ” علم السياسة السايكوتحليلي ” .
17- لمناقشة هذه الأحداث وعلاقتها بالتغيرات الطارئة على علم الاجتماع ، ينظر : ليمرت ” علم الاجتماع الفرنسي ” ، المقالة الأولى .
18- فوكو ،” خطاب في اللغة “، ص 232 233 .
19- فوكو،” تاريخ الجنس “، ص 92 102 ، وسنشير من الآن إلى الجزء الأول من هذا الكتاب .
20- فوكو ،” الحقيقة والسلطة ” ( 1977أ) ص 301 307 ، اما بخصوص المكانة النظرية للفرد بوصفه ذات السلطة والتحول التاريخي ، ينظر ” اعترافات جسد” ( 1977) ص 23 .
21- فوكو ، ” المرض العقلي والسايكولوجيا ” ( 1954 أ ) ، ص 86 88
22- فوكو ،” في تاريخ الكتابة ” ( 1967 )
23- فوكو ، ” السلطة والجنس ” ( 1977غ) ص 153 .
24- فوكو ، ” المراقبة والمعاقبة : مولد السجن ” ( 1975 أ ) ص 221 ، قارنها مع ص 218 224 .
25- فوكو ، ” تاريخ الجنون ” ص 229 .
26- فوكو ، ” مولد العيادة ” ( 1963 ب) ص 85 .
27- فوكو ،” تاريخ الجنس ” ( 1976 أ ) ص 141 .
28- فوكو ، ” حديث السجن ” ( 1975 ج) ص 15 ، أما المادة التي أوردناها في هذه المقالة فهي ترجمة المؤلف لطبعة 1975 ج .
29- المصدر نفسه ص 15 ، و” الحقيقة والسلطة ” ( 1977 أ ) ص 294 295 .
30- فوكو ، ” تاريخ الجنس” ( 1976 أ ) ص 94 .
31- فوكو ، ” الحقيقة والسلطة ” ( 1977 ء ) ص 298 .
32- للاطلاع على مناقشة فوكو لمفهوم ” اللامفكر فيه ” ، ينظر : ” الكلمات والأشياء ” ص 322 328 و الجزء الأول .
33- فرناند برودل ، ” البحر المتوسط ” ( جزأين ، نيويورك : هاربر ورو ، 1972 ) ص 11 24 ، وينبغي على القارئ ان يلاحظ هنا اننا لا نتحدث عن تأثيرات شخصية مباشرة على فوكو لانه شخصيا مدين كثيرا لثلاثة معلمين جان هيبوليت وجورج دوميزي وجورج كانغيلم ( ينظر : خطاب في اللغة ( 1971 ) ص235 237 ).
34- فوكو ، ” حفريات المعرفة ” ( 1969 ) ص 3 10 .
35- المصدر نفسه ص 7 .
36- برودل ” البحر المتوسط ” الجزأين الأول والثاني .
37- فوكو، ” حفريات المعرفة ” ص 169 .
38- المصدر نفسه 166 167 .