اللغة من منظور الفلاسفة/ الجزء الثاني


المحرر موضوع: اللغة من منظور الفلاسفة/ الجزء الثاني  (زيارة 1305 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز جدا
  • ***
  • مشاركة: 2026
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
اللغة من منظور الفلاسفة/ الجزء الثاني
 المقدمة
تحدثنا في العددين (11 و12)مجلة بابلون التي يصدرها مجموعة من الكاتب الكلدانيين في مدينة ملبورن، عن موضوع مهم شغل فكر الفلاسفة والعلماء كثيرا ولا يزال يعد أحد أصعب المواضيع التي تواجهها العلوم جميعا، الا هو اللغة وطريقة وتاريخ نشوئها وتطورها.
في الجزء الأول (العدد 11) بحثنا عن تعاريف اللغة عند الفلاسفة، واهم الفرضيات التي وضعها الباحثون والدارسون والمفردات الأولى التي نطق بها الانسان. على الرابط التالي:
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,904035.0.html
 وفي الجزء الثاني (العدد 12) ندرس( اهم ما جاء في اراء الفلاسفة المعاصرين (المدرسة التحليلية) في هذه الموضوع وبالأخص ما جاء به الفيلسوف النمساوي لودفيك فيتغنشتاين.
كما نريد ان نوه هناك خطا مطبعي في العبارة التالي: ......منذ ما يقرب  150  سنة على الاقل، الصحيح هو منذ ما يقارب 150 الف سنة.
وشكرا
........
اللغة من منظور الفلاسفة/ الجزء الثاني
بقلم يوحنا بيداويد
كما قلنا في الجزء الأول ذهل الفلاسفة والعلماء بعد اكتشافهم وجود خلل في نظام اللغة (نظام الترميز) الذي وضعه عقل الانسان منذ ما يقرب  150 الف سنة على الاقل، وكان اندهاشهم أكثر حينما علموا ان فكر الانساني قد انحرف عن مساره (في بعض الحالات) بعد ان دخلت بعض مفاهيم ليس لها جوهر او وجود حقيقي في هذه (المرحلة من المعرفة) كغيرها من الاشياء، فعطلت فكر الانسان من وصف الحقيقة بصورة أكثر دقة(1). كيف اكتشف الانسان ذلك خلل في اللغة؟ وما هي آخر النظريات عن تفسير ظاهرة اللغة. ذلك ما نحاول اجابته في هذا الجزء.
ان تاريخ معرفة الانسان بوجود مشكلة في اللغة يعود الى القرن الخامس ق. م، حينما اهتم هيرقليطس كثيرا بطريقة بلفظ المفردات وايقاعها، وطريقة استخدامها، ربما لاستخدامه الرموز والاشارات كثيرا، ففي احدى المرات علق على كتاباته قائلا:" انه لا يفصح عن الفكر ولا يخفيه، ولكنه يشير اليه"(2).
لقد شرع الفلاسفة الاهتمام باللغة وتحليلها ودراستها اكثر فاكثر من بعد ان اهتم بها الفيلسوف الكبير عمانوئيل كانط ( 1724-1804) في كتبه حول نظرية المعرفة( نقد العقل الخالص، نقد العقل العلمي) الذي حاول التفريق بين عملية التفكير وعملية التعبير، في نفس الوقت كان هناك فلاسفة معاصرون له (من تلاميذه) معارضين لرائه، كانت آراء كل من  يوهان هاردر و يوهان جورج هارمن تنص على "ان الفكر يعتمد على اللغة، فحينما لا يمتلك أي انسان لغة، لا يستطيع التفكير ايضا، يستطيع ان يفكر فقط بما يستطيع ان يعبر عنه " فكانت الأولوية عندهم  للغة في عملية التفكير، بينما كانط تجنب استخدام مصطلحات اللغوية تماما، لأنه كان يعتقد ان الأهمية تعود الى كيفية حصول عملية التفكير وليس قوالب اللغة، وان اللغة هي وسيلة التعبير للفكر، ولكنه بدون وجود قرار او حكم يأتي من مصدر ما ( مثلالعقل)، تبقى اللغة عديمة الاهمية. لان حسب كانط كما قلنا، ان اللغة أداة تترجم عمل الحواس وكأنها الإذاعة التي تبوح وتعلن عن مركز القرار (حكم عقله) على أي قضية او موضوع. ومن بعده جاء ذلك ادموند هوسرل مؤسس (الظاهراتية) ليؤكد على نفس النهج:" لا يمكن الفصل بين الوعي والشيء نفسه".
كان الفلاسفة منذ عصر التنوير يفكرون بطرق مادية أكثر فأكثر (مثل جون لوك، وهيوم وغيرهم)، لكن في القرن التاسع عشر زادت ضراوتها، خاصة بعد ان صرح الفيلسوف الالماني انرست مايك (1838-1916) قائلا: " لدينا مصدر واحد لمعرفة الحقيقة هي مشاعرنا واحاسيسنا".

لهذا نرى ازدياد اهتمام الفلاسفة في القرن العشرين باللغة أكثر فأكثر، فزداد الحاح العلماء على ضرورة ايجاد لغة أكثر دقيقة للتعبير عن أفكارهم وآرائهم ونقاشاتهم بغرض تبسيطها فتسهل مهمة التواصل بين المؤسسات العلمية او الإنسانية والانسان العادي.
جاءت المحاولة الأهم على يد الفيلسوف الكبير الالماني (كوتلب فريجة 1848-1925)، لأول مرة في التاريخ يتجرأ فيلسوف ليقول ان منطق ارسطو ليس كاملا، لان لا يصلح لتحليل اي قضية للوصول الى الحقيقة، لأنه لا يشير الى الكمية ولا عن حالة (ظروف) القضية(4). فادخل فريجه مفهوم الدالة الرياضية (بعد ان استعارها من العالم الرياضي الكبير لبينتز) الى المنطق لأول مرة وسميت هذه النظرية باسمه (Frege’s Contex Principle) والتي يلخص:" لا يجوز الاجتهاد بعطاء تفسير او معنى لأي كلمة من دون فهم ظروف استخدامها"
اما الفيلسوف الانكليزي جورج مور(5)، كان ابتعد من الفلسفة المثالية والتجريبية واختار الفلسفة الواقعية مركزا على المصطلح Analysis of Languages and
 Sense Common)، فهو يعد احد اقطاب الفلسفة التحليلية أيضا.  حاول مور ارجاع الفلاسفة ولغتهم المتعالية الى مستوى الحس المشترك الذي يملكه معظم الناس، وطاليهم الى اخضاع النصوص الى معياره (الحس المشترك) كي يتم غربلتها من الأفكار الغامضة المضللة، فبقدر ما تكون لغة النظرية (او الفكر) قريبة من اللغة العادية (الحس المشترك) بذلك القدر تكون صحيحة وواقعية ومقبولة.
بعد هذا حصلت محاولات أخرى مهمة لدراسة فلسفة اللغة من قبل فلاسفة عددين في القرن العشرين، لكن كان اهمهم (كوتلب فريجة وبرتراند راسل ولوفيك فيتغنشتاين).
ذهب الفيلسوف الانكليزي برتراند روسل بإتجاه معاكس لما ذهب اليه غريمه جورج مور، اعتبر اللغة العادية عاجزة عن التعبير بدقة الأفكار العلمية او الفلسفية، حسب موقفه ان النظريات الفلسفية لا تختلف عن النظريات العلمية بل فاتحة الطريق امام العلوم. لهذا يجب ان يكون هناك لغة مثالية لا تحتوي على أخطاء او مغالطات، هكذا بدا مع تلميذه فيتغنشتاين (6) وضع أسس اللغة المثالية (الرمزي).
 في البداية على دراسة التشابه المعاني ومصدرها، من نتيجة كوتلب فريجة، حاول روسيل إيجاد لغة رياضية (رمزية) للتعبير عن الحقائق العلمية، ولكن كانت هناك مشكلة أخرى ظهرت منذ بداية اللغة، هي كيفية التميز بين الجملة (او العبارة) الصادقة والعبارة الخاطئة، وكانت النتيجة التي توصل اليها روسيل هي :"ان وجود أي خطأ في اي جزء من الجملة الرئيسية (كجملة توصيلية او ظرفية او وصفية)، تجعل العبارة او الجملة كلها، جملة خاطئة، وسميت هذه نظرية ايضا باسمه (Theory of Definite Descriptions).

فلسفة تحليل اللغة للفيلسوف فيتغنشتاين 1889-1951
يعد الفيلسوف لودفيج فيتغنشتاين من أعظم فلاسفة اللغويين في القرن العشرين، وصاحب نظرية الصورة ((Theory of Picture، والعاب اللغة (A Language –Game) حيث عملت ثورة على مفاهيم اللغة.
من أكبر إنجازات فلسفة فيتغنشتاين، هي كشف حدود الفكر بعدما عين حدود اللغة، وميز بين المعنى واللامعنى في اللغة، فاللغة بالنسبة له هي الأداة التي تربط انا مع العالم. تنقسم فلسفة فتغنشتاين الى مرحلتين، في المرحلة الأولى وضعت في كتاب (رسالة منطقية فلسفية) حينما كان يعمل مع استاذه الفيلسوف برتراند روسل، ثم توقف عن ممارسة البحث والتدريس بعدما أن ظن حل أكبر في تاريخ الفلسفة والمنطق، لكن بعد مناقشته مع حلقة فيينا(6) ادرك هناك نقص كبير في فلسفته، عاد سنة 1929 لجامعة كامبردج ليجد ان رسالته تركت اثرا كبيرا على الأوساط الفكرية في اوروبا ولاقت انتقادات لاذعة، وبعد مراجعة معمقة، تطورت عنده أفكارا جديدة معارضة لفلسفته الأولى، لذلك أعاد النظر فيها وغير الكثير منها ، لم ينشر أي شيء حتى مماته ، وطبع كتاب يحتوي على محاضراته سنة 1953 تحت عنوان " بحوث فلسفية"
حسب اراء فتغنشتاين ان اغلب مشاكل الفلسفية التي حصلت في التاريخ جاءت بسبب طريقة التفكير، وعدم إدراك الفلاسفة منطق اللغة (طريقة عمل وتنظيم اللغة)، فهم غرقوا في وضع النظريات عن المعرفة والعقل واللغة والمعنى والواقع، بينما يرى فتغنشتاين ان تلك النشاطات لا تقع ضمن مهام الفلاسفة، مهمتهم هي توضيح طبيعة وطريقة تفكيرنا في هذه المواضيع.  فتغنشتاين قريب جدا من اراء من جعل اللغة والفكر وشيء واحد، لأنه يعتبر اللغة حية، مادام هناك من يمارس لعبتها.
تختصر اهم ماء جاء في فلسفته بما يلي:
1-   ان اللغة العادية (العامية) ليست صالحة للتعبير عن الحقيقة، فهي غير دقيقة بسبب اللغظ والخلط في معاني الكلمات واستخدامها من قبل شرائح مختلفة من الناس الذين لهم قابليات ومشاعر واحاسيس مختلفة.
2-   ضرورة انشاء لغة دقيقة وعلمية ومنضبطة لنقل المعرفة بين الأجيال وبين كل البشر وفي كل الأوقات وسماها " اللغة المثالية" ويجب تكون معتمدة على لغة الرياضيات.
3-   استخدام أي كلمة في تركيب أي جملة، يحتاج الى ربطها بجملة أخرى ذات دلالة وبرهان معروف. فالجملة او الكلمة التي ليس لها مدلول مادي من الصعب الحكم على صدقها او نفيها.
4-   ربط علاقة الصورة بالمعنى، هنا يحاول فيتغنشتاين جعل الصورة او الرسم يحل محل العبارات والجمل. وسيمت هذه النظرية " نظرية الصورة في المعنى". قام تحليل كل من العالم (الوجود) واللغة وارجاعهما الى بنيتهم الاصلية ومن ثم الربط بينهما، الشيء يقابله اسم الذي عادة يكون وصف لوظيفة او لجوهر ذلك الشيء بصورة مادية.
5-   هناك حدود للغة (كما نوهنا سابقا)، أي هناك مواضيع لا تستطيع اللغة حسم صدقها او كذبها، لان ليس هناك ما يربطها بالعالم المادي كي يتم التحقيق من صدقها، مثل السماء والله والدينونة لهذ على الانسان الزام الصمت بخصوصها، لانه لا يستطيع نفيها او تاكيها.

نقد ومناقشة الموضوع.
1-    نستنتج ان فلسفة اللغة المثالية لفيتغنشتاين مبنية على الفلسفة المادية في تفسيرها وتنفي الفلسفة الميتافيزيقية ونظرياتها او مبادئها زهو تيار قديم ولكنه زاد مؤيده في القرنين الأخيرين.
2-   - نلاحظ ابتعاد فتغنشتاين كثيرا من خطا الاعتدال في طرحه عن مهمة الفلاسفة، لان مهمة الفلسفة بصورة الأساسية وضع نظرية للمعرفة وتفسير العلاقات بين الظواهر المادية والوجود. قد تكون اللغة ومصطلحاتها (التي هي أدوات المفكر للتعبير عن احساسيه) أثر على طريقة تفكيره، لكن الفكر نفسه هو نتيجة او محصلة لعمل كل الحواس وقرار النهائي للمركز (العقل).
3-   . نستنتج من ملاحظة طريقة تصرف الحيوانات الراقية، حينما نراها تقوم بخطوات بسيطة تدل على وجود خبرة واعية او غير واعية اثناء ممارستها فعاليات الحياتية اليومية من دون امتلاكها لغة للتفاهم بينها.
..................
1-   ان مفهوم الحقيقة المطلقة اندثر الان، اصحبت كل الحقائق نسبية.
Philosophy 100 Essential Thinkers, Philip Stokers ,Arctuns publishing limited, P.159.
2-    ص 159  نفس مصدر.
3-   ان منطق ارسطو كان خلال 2000 سنة مطبقة بصيغة مطلقة دون الاهتمام بالكمية او الكيفية مثل (سقراط رجل حكيم) جملة فيها موضوع (سقراط) والجزء الاخر وصفه (رجل حكيم). ص 159  نفس مصدر.
4-   جورج ادوارد مور كان ندا كبيرا لبتراند روسيل.
5-   اختلف فيتغنشتاين في منتصف الطريق مع استاذه وكمل المشروع بنفسه.
6-   حلقة فينا مجموعة من الفلاسفة مع بعض علماء في شتى العلوم كانوا يلتقون سنويا لتبادل اراء في ابحاثهم والنظريات الفلسفية الجديدة.






غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز جدا
  • ***
  • مشاركة: 2026
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الصفحة الاماميو هيئة التحرير