الخرابة القديمة والدار المنشودة


المحرر موضوع: الخرابة القديمة والدار المنشودة  (زيارة 808 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل وحيد كوريال ياقو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 167
    • مشاهدة الملف الشخصي
 ملاحظة :-
 انشر هذه القصة بمناسبة صرحة الاستغاثة التي اطلقها غبطة البطريرك مار عمانوئيل الثالث دلي , بطريرك الكنيسة الكلدانبة في العراق والعالم ونداء قداسة البطريرك مار دنحا الرابع , بطريرك كنيسة المشرق الاثورية وكذلك البيان الذي اصدره قداسة مار ادي , بطريرك الكنيسة الشرقية القديمة , حول معانات ابناء شعبنا في العراق من جراء تصاعد الممارسات اللاانسانية ضدهم في الفترة الاخيرة .
حيث ان القصة تنصب في هذا الجانب وقد كتبتها قبل اشهر وهي توجز بأختصار شديد تاريخ امتنا الطويل ومعاناتها المستمرة عبر العصور السابقة والتي فاقت حدها في الوقت الحاضر وفي خاتمة القصة صرخات لابناء شعبنا لأنهاء هذه المعانات .
نتمنى ان تعلو اكثر واكثر هذه الصرخات لتصل الى مسامع المسؤولين لوضع حد لهذه الممارسات اللاانسانية التي يعامل بها شعبنا في العراق , وليكبر جميعنا صرخات ابائنا الاجلاء .
القصة :-   
  الخرابة القديمة والدار المنشودة
                   " قصة قصيرة لحكاية طويلة "

في حديث الزمان كان هناك ثلاثة اخوة اشقاء من اب واحد يعيشون في خرابة قديمة جدا .. جدرانها متهدمة وليس فيها سقف .. بينما كان اجدادهم في قديم الزمان يعيشون في قصور فخمة بنوها بأنفسهم وعمروها بأيديهم ووضعوا فيها من العجائب والغرائب ما يصدق وما لا يصدق .. وكان ذلك قبل كل الناس وقبل ان يكون للناس بيوتا ولا حتى اكواخ ...
وقد حصل ان وقعت فرقة بين اباء هؤلاء الاخوة الثلاثة , فطمع فيهم الاشرار وهجموا عليهم فتمكنوا منهم بسبب فرقتهم .. فدمروا قصورهم وخربوها ثم احرقوها .. وسلبوا اموالهم .. ونهبوا ممتلكاتهم .. وشردوا ابنائهم ...
ومنذ ذلك الزمان اصبح هؤلاء الابناء يعيشون من دون مأوى .. يواجهون الصعوبات الكبيرة ويعانون المظالم الكثيرة  وتحت احقاد اولئك الغرباء .. وباتوا هم يعيشون كالغرباء بين انقاض وبقايا قصور اجدادهم .
ثم جاءهم شخص غني جدا لديه كنوز كثيرة ويملك كرمة كبيرة , ودعاهم للعمل فيها .. فاستجابوا له قبل كل الناس , وبدأوا يعملون في هذه الكرمة الكبيرة بجد ونشاط واخلاص .. وهكذا تعلموا  فيها الكثير مما لم يكونوا قد تعلموه في السابق ,  فأطعموا الناس عنبا لذيذا .. وأسقوهم  خمرا طيبا .. وعلموهم كيف يعملوا وكيف يحبوا وكيف يصنعوا الخمر الجيد .. وهذا ما زاد من حقد الاشرار عليهم اكثر .. فكرهوهم اكثر واكثر .. وزادوا في ظلمهم  اكثر فاكثر .. ولكنهم استمروا العمل في هذه الكرمة الكبيرة واستمروا العيش في تلك الخرابة القديمة بين انقاض وبقايا قصور اجدادهم .

ثم هطلت عليهم امطار كثيرة , وهبت رياح شديدة , وضربتهم عواصف قوية , ولكنهم بقوا في تلك الخرابة القديمة يواجهون الرياح القارسة شتاءا واشعة الشمس الحارقة صيفا , وبدأت الذئاب المفترسة تهاجمهم ليلا والوحوش المخيفة نهارا , والحشرات المضرة تتغلغل الى اماكنهم وتعبث بمقتنياتهم في كل حين .. ولكنهم بقوا في تلك الخرابة وكأنه قد كتب عليهم ان يعيشوا هكذا ومن دون مأوى ...
ثم تكاثفت الغيوم فوقهم واسود لونها كثيرا وانحجبت الشمس عنهم فباتوا لا يميزون الاشياء عن بعضها ..  فضرب المنطقة كلها برق قوي من الغرب , فدمر كل ما حولهم وهدم كل بناء وخرب ما كان قد بقي من جدران الخرابة .. وبعثر كل شيء فيها .. فبات  هؤلاء الاخوة وابنائهم في العراء مكشوفين من كل النواحي  تلاطمهم الرياح شمالا وجنوبا وتقذف بهم العواصف قريبا وبعيدا ..
 وهكذا اصبح لزاما عليهم ان يفكروا في بناء دار لهم جميعا ليحميهم وابنائهم من الامطار والعواصف قي الشتاء والشمس الحارقة في الصيف والذئاب المفترسة في الليل والوحوش المخيفة في النهار وعبث الحشرات في كل حين .. .
فأجتمع الاخوة الثلاثة وهم ينادلك ويروثا وينايرس لهذا الغرض ولكي يتفقوا على بناء هذه الدار المنشودة .
- قال يروثا :- هيا لنبني دارا لنا جميعا.. حيث نحن اخوة .
- وقال ينادلك :- نعم .. لقد حان الوقت .. هيا لنبني لنا دارا .. ليكن لنا جميعا حيث نحن اخوة .
- وقال ينايرس :- نعم .. نحن الان بحاجة اليها كثيرا .. هيا لنبني لنا دارا .. لنا جميعا لأننا اخوة .

وهكذا اتفق الاخوة الثلاثة على بناء دار لهم جميعا لحاجتهم الماسة اليها فبداوا يستعدون ويتهيئون لذلك .
- فقال يروثا :- نعم .. ذلك صحيح , لقد حان الوقت لكي نبني لنا دارا , واننا الان بحاجة اليها كثيرا .. وكم قلت لكم ذلك في السابق , ولكنكم لم تهتموا لكلامي .. واما انا فقد جلبت بعض الحجر وبعض الحطب الازمة لهذا الغرض .. ولهذا يجب ان يكتب اسمي على باب هذه الدار .
- فقال ينادلك :- ولكن انا اكبركم , ولي ابناء اكثر منكم .. وسيعمل ابنائي جميعهم في بناء هذه الدار .. ولهذا يجب ان يكتب اسمي انا ايضا على باب هذه  الدار .
- فقال ينايرس :- وماذا عني انا ؟ ألا يكتب اسمي على باب الدار ؟ ان هذا ليس بعدل .. يجب ان يكتب اسمي انا ايضا على باب الدار . 

وهنا بدأ الاخوة يتحدثون ويتجادلون حول كتابة اسمائهم على باب الدار .
- ثم قال يروثا :- انا يروثا .. وكان ابي يحب اسمي كثيرا , وقد سماني يروثا لكي ارث اسمه واسم اجدادنا العظام حيث كان معظمهم يحملون اسمي هذا .. وعندما نكتب اسمي على باب الدار سيعرف الناس ان هذه الدار تعود لنا وهي ملك لنا.. نحن احفاد اؤلئك الاجداد العظام.. وبهذا سنعيد كرامة ومجد اجدادنا العظام .
- فرد ينادلك :- وانا ايضا كان بعض اجدادنا يحملون اسمي , وان جميع ابنائي الان يحملون اسمي ويعتزون به .. فكيف تريد ان يعمل ابنائي في بناء الدار ثم يكتبوا اسمك فقط على باب الدار ؟ ان هذا غير ممكن .
- فقال ينايرس :- وانا ايضا .. كيف تريدون مني ان نعمل معا في بناء الدار .. وفي الاخير لا يكتب اسمي على باب الدار .. لا , هذا لا يجوز , يجب ان يكتب اسمي انا ايضا على باب الدار .

وهنا تدخل الابناء عندما رأوا ان ابائهم قد اختلفوا فيما بينهم وانشغلوا بأمر كتابة اسمائهم على باب الدار وتركوا بناء الدار نفسها .. وارادوا ان يصلحوا بينهم , فأقترحوا عليهم ان يكتبوا اسمائهم الثلاثة على باب الدار لكي يتفقوا على بناء الدار التي ستقيهم من برد الشتاء وحرارة الصيف وتحميهم من الذئاب المفترسة في الليل والوحوش المخيفة في النهار وعبث الحشرات في كل حين .

فرجع الاخوة الثلاثة للحديث مع بعضهم البعض للاتفاق على بناء الدار ولكن الحديث كان بصراحة اكثر .
- فقال يروثا مخاطبا ينادلك :- انت اخي وانا احبك وان ابناؤك هم اولادي , ولكن اسمك غريب .. وان والدنا لم يسميك بهذا الاسم ابدا .. فقد اطلقه عليك احد العاملين في الكرمة .. ولهذا لا يجب ان نكتب اسمك على باب الدار , ولكنك تستطيع ان تكتبه على الجدران الداخلية للدار .
 وألتفت الى ينايرس وقال له :- كذلك تستطيع ان تفعل هذا انت ايضا يا اخي  ينايرس , وكما تشاؤون .
- فأجاب ينادلك :- لا , ان هذا غير صحيح .. فقد كان بعض اجدادنا يحملون اسمي .. وان اولادي الان جميعهم يحبون اسمي ويعتزون به ولا يمكن ان نتخلى عنه .. ويجب ان يكتب اسمي على باب الدار وليس في اي مكان اخر .. ولا اوافق على غير ذلك .
- فقال ينايرس :- وانا لا يمكن ان اعمل في بناء هذه الدار اذا ما لم يكتب اسمي على باب الدار .

وهنا تدخل الابناء مرة اخرى وبعض المقربين والخيرين  والطيبين بعد ان رأوا انهم قد اختلفوا اكثر بعد ان تكلموا بصراحة اكثر ..  وحاولوا ان يصلحوا بين هؤلاء الاخوة وطلبوا منهم ان يتفقوا على بناء الدار التي ستأويهم وابنائهم جميعا وتحميهم مما حولهم من مخاطر وتنجيهم مما فوقهم من عواقب , وليختاروا اسما يناسبهم جميعا لكي يكتب على باب الدار .

فرجع الاخوة الثلاثة هذه المرة لا للحديث بل للجدال بعد ان حاول كل منهم ان يأخذ بعضا من اثاث ومقتنيات البيت لنفسه . 
- فقال يروثا :- انكم بهذا لا تريدون ان نبني دارا لنا .. ولا تريدون ان يعرف الناس ان هذه الدار هي ملك لنا .. نحن احفاد اؤلائك الاجداد العظام الذين كانوا يعيشون في تلك القصور الفخمة وتلك القلاع العالية التي كانت تطل وتشرف على كل الاراضي المحيطة بها .
- فقال ينادلك :- ان الدار يجب ان تكون ملكا لنا نحن جميعا , وتحمل اسمي انا ايضا .. ولهذا يجب ان يكتب اسمي على باب الدار لكي يعرف الناس ان هذه الدار هي ملك لنا .. نحن احفاد أؤلائك الاجداد العظام الذين علموا الناس ما في الارض وما في السماء .
- فقال ينايرس :- نعم .. يجب ان تكون الدار ملكا لنا جميعا .. ولكن يجب ان تحمل اسمي انا ايضا .. لكي يعرف جميع الناس اننا جميعا اخوة .. واحفاد أؤلائك الاجداد العظام وابناء أؤلائك الاوفياء الذين عملوا بجد واخلاص في الكرمة الكبيرة واطعموا الناس العنب الطيب واسقوهم الخمر اللذيذ .

وهكذا دار الحوار بين هؤلاء الاخوة الثلاثة حول بناء هذه الدار المنشودة واستمر الى ان قال احدهم ورفض الثاني .. وقال الثاني واعترض الثالث .. وقال الثالث ولم يوافق الاول .. وقال الثلاثة ورفض الثلاثة .. وهكذا قالوا وهكذا رفضوا .. ثم قالوا ثم رفضوا .. وما زالوا يقولون وما زالوا يرفضون .. وما زال الابناء ينتظرون .. وما زالت الامطار تتساقط فوق رؤوسهم .. وما زالت الرياح تهب عليهم .. وما زالت العواصف تعصف بهم .. وما زالت الذئاب تفترسهم .. وما زالت الوحوش تهاجمهم .. وما زالت الحشرات تعبث بمقتنياتهم , وهم ما زالوا يصيحون بابائهم :-
 كفاكم .. كفاكم كلاما .. كفاكم جدالا .. كفاكم فرقة .. كفاكم كفاكم .. هيا لنبني الدار .. هيا لنبني الدار .

        وحيد كوريال ياقو
        مشيكن - اميركا
       نيسان - 2007