ابعاد الفلم التسجيلي
هديل كامل - دمشق اول مفارقة جدلية يواجهها الفيلم التسجيلي هي سيادته التامة في نقل الحقائق دون تزوير وبهذا فصراعه يكمن في البلدان التي تضيق فيها الحريات على مستوى الصحافة والادب وكل مجالات الفكر والثقافة…فالفيلم التسجيلي في الواقع لا ينقل الحقائق فقط من خلال الصورة التي تسجل الوثيقة والتعبير الصارخ عن الواقع في كل حالاته البهيجة والمنكوبة…وانما هناك عبارة اعمق ترتبط بفكر ووعي المخرج يكوّن كلماتها من خلال بناء صوري مدروس يجسده عبر خطابه الاعلامي ويعلّم لاسمه علامة المفكر والمدرك لواقعنا العربي ومنزلقاته وربما مظاهر التحضر والانخراط في اوساط المجتمعات التي تنحو الى التقدم والرقي ….وبغير هذه الطريقة لا يسمى مخرجا بل مؤرشفا ..فالمخرج في الافلام التسجيلية يقرأ الواقع بقراءات متعددة ولهذا تكون له رواه الخاصة في بناء جسد الفيلم؛ فاللقطات الواقعية انما هي حروفه الخاصة ولهذا من الممكن جدا ان تكون المادة الخام متاحة لاكثر من مخرج وتتشكل على اكثر من شاكلة حسب مخيلته في ربط الحقائق…فهنا ترى الواقع من خلال عين حالمة …وهنا ترى الواقع نفسه من خلال عين وعقل قاتم …وبهذا فأن أستفزاز المشاهد يكون هدفا مهما عند المخرج …لشحن مخيلته نحو اهداف بناءة …واولى المهام التي يتحمل عبئها المخرج الذي يتصف بشعور عالي بالمسؤولية تجاه الحقيقة ... تكمن في في ايجاد مساحة كبيرة ومنطقية للواقع المغيب عن الاعلام المرئي والمقروء عندذاك يكون دور الكاتب له من الاهمية في ابتكار الفكرة الجذابة التي تفتح الابواب واسعة على واقع مرير او على حقائق تستولي الاهتمام والرعاية ولهذا نرى ان الكتابة في الفلم التسجيلي قد يستسهلها البعض الا انهم غير دقيقين تماما في هذا التقييم لانه يعد من اصعب انواع الكتابة واكثرها فاعلية وهي بهذا تتطلب وعيا استثنائيا في جانب التاليف …فالحقائق موجودة في كل الاحوال ولكن ينبغي ان لا تمر عليه مرورا عاديا ويوميا …بل ان ذلك يتطلب النظرة الثاقبة والفهم الكامل لعناصر بناء الفلم التسجيلي بامتلاك الرؤية والتصور الكامل للافكار التي يقترح لها المعالجة لانها بالاساس عملية ابداعية ذات معمار تركيبي متنامي ..وبهذه الروحية عند اندماج العمل بطريقة تكافلية بين المؤلف والمخرج يكون الفلم التسجيلي قد تعدى مرحلة الارشفة وانتقل الى حالة فنية ابداعية لها القدرة على التاثير وتغيير مسار الفكر العام واصبح منجزا فنيا له دوره الواضح في بناء المجتمع والتقدم بوعيه لرؤية الحقائق والنظر الى التاريخ والمستقبل بعين التعايش الفعلي مع الاحداث البعيدة عن التزويق.
ان الاقبال على متابعة الفلم التسجيلي يتطلب من المعنيين ان يسوّقوا له جيدا من خلال الاعلام المرئي عن طريق الاعلان والترويج له وايضا هذا يتبع اهمية الموضوع الذي يتطرق له الفلم وايضا من خلال الاعلام المقروء (الصحافة ) وكيف تقيم وتنظر بعين فاحصة لابعاد الفلم واصدائه على المتلقي وبهذا فهي تمنحه المكانة التي يستحقها من خلال المواكبة والوقوف على اسباب نجاحه وتطوره والارتقاء به كظاهرة سينمائية لها عمقها الواضح في بناء المجتمع وكتابة تاريخ الشعوب
hadeel1967@yahoo.com http://hadeelkamil.jeeran.com