القارب الذي أنقذنا من تسونامي وسط بحرعمان سنة 1986


المحرر موضوع: القارب الذي أنقذنا من تسونامي وسط بحرعمان سنة 1986  (زيارة 433 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أيوب عيسى أوغنا

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 62
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
القارب الذي أنقذنا من تسونامي وسط بحرعمان سنة 1986
وأحداث ذات صلة (يمكن رؤية القارب وبقية المناطق المذكورة بالنقر على جوجل) ChrisCraft  ,  Cabin Cruiser 1982
لم يكن هذا أول قارب ولا آخر قارب لي في مسقط سلطنة عمان , ولكن الأول بمكينة داخلية تعمل بالديزل  وكابينة داخلية ل4 أشخاص مع طباخ غاز و مرحاض , قمت بشراؤه كعادتي (!!..) في المزاد العلني وكان مملوكا لأحد كبار رجال الدولة , لصعوبة حيازة / أستيراد القوارب بهذا الحجم وكان الوحيد من نوعه وكانت المكينة ( بيركينز 4 سلندر) كمكائن السيارات يتم تشغيلها بسهولة بمفتاح / سويج , ولا تحتاج لأجازة سياقة بحرية عدا تسجيل القارب  لدى أدارة الموانيء وتم تسجيله  بأسم  زوجتي الأولى مارجريت لأن أسماء القوارب عادة هي أنثوية , ويتم ترك القارب راسيا في الميناء وسهولة أستعماله , ولقد سبق وأن تعلمت ركوب البحر من خبرتي في حيازة أكثر من قارب سريع ذو ماكينة خارجية ( سبيد باوت) , والذي كان يحتاج لسحبه خارج الماء وتنظيف الماكينة جيدا بالماء بسوندا . لذا كانت لنا الفرصة لدعوة أصدقاؤنا و عوائلهم لنزهات بحرية الى العديد من السواحل الرائعة المحيطة بمسقط أيام الجمعة و العطل الرسمية  وخاصة وأن البيئة البحرية في عمان التي تمتد سواحلها لأكثر من 1200 كلم . وهي معروفة بنظافة مياه البحر  وسواحلها الرملية البيضاء , و تتيح لكافة أنواع الرياضات من السباحة و الغطس و صيد الأسماك وغيرها . وفي مناسبة التعرف على أول عائلة آثورية في مسقط , حيث تمكن الدكتور نمرود من الحصول على وظيفة أستشاري في زراعة النخيل و صناعة التمور لدى وزارة الزراعة العمانية , كمندوب من الأمم المتحدة ,  وتمكن من الحصول على أذن خاص من صدام حسين لتولي المنصب و السفر خارج العراق مع عائلته , وكنت دائما أرحب بالقادمين من العراق لأنني كنت أول عراقي يدخل السلطنة سنة 1973  من لندن بوظيفة كبير المهندسين في شركة تايلور وودروالعالمية للأنشائات لتصميم والأشراف على أول مدينة عصرية في سلطنة عمان ( مدينة قابوس) , ونظرا لصعوبة الحصول على فيزا للعراقيين خاصة لأن صدام حسين كان يقوم بتسليح و تمويل التمرد الماركسي في جبال ظفار في المنطقة الجنوبية , لما يسمى الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي التي كانت حكومة عدن الماركسية ( اليمن الجنوبية ) تدعمها , وتم القضاء عليها سنة 1975 , بمساعدة القوات الخاصة للمظلات لجيش محمد رضا بهلوي شاه أيران . ليس هذا فقط لأن صدام حسين كان يتحمل مصاريف معيشة ودراسة عدد من الطلبة الصغار من أصل عماني ومن دول عربية أخرى كاليمن و السودان وتلقينهم مباديء حزب البعث , كما كان الأتحاد السوفياتي أيضا يلقن هكذا طلبة مباديء الماركسية والشيوعية بتوفير بعثات دراسية وعلمية مجانية في الكليات و الجامعات  وكانت هذه أحسن دعوة يمكنني من تقديمها لأصدقائي وخاصة وأن عدد من الأطباء وتخصصات أخرى من العراقيين بجوازات بريطانية تمكنوا من أيجاد وظائف في وزارة الصحة العمانية ودوائر الدولة . لذا كانت السفرات البحرية فرصة لتعريفهم على مدينة مسقط من البحر ورؤية قلاعها التاريخية التي بناها البرتغاليون أثناء أحتلالهم لعمان . وأهمها قلعة مطرح وقلعة جلالي وقلعة ميراني التي سبق و أن قمت بتصميم التوسيعات وترميم هذه القلعة والحفاظ على شكلها و طرازها التاريخي لأستعمالها كسكن لأفراد الحرس السلطاني , والمطلة على قصر العلم على الجهة الأخرى من البحر وكانت شركة تايلور وودرو حصلت على العديد من المشاريع لأنها كانت أول شركة مقاولات عالمية منذ تولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم من والده في 23 يوليو 1970 , ولا بد أن أذكر حادثة أنفجار هائل في قلعة ميراني سنة 1975 , نتيجة رمي أحد العمال الباكستانيين أو الهنود عقب سيجارة , أدت الى أشتعال أكوام البارود في
(2)
أحدى زوايا القلعة , تركها البرتغاليون قبل حوالي 3 قرون , ونتج عنها أنفجار هائل أودى بحياة عشرات القتلى و الجرحى من عمال الشركة بحيث بعض الجثث بسبب قوة الأنفجار , طارت في الهواء و سقطت في عرض البحر , وكنت أنا في طريقي الى موقع العمل وأنا أسوق سيارتي سبورت المكشوفة ( سان بيم ريبيار موديل 1975 )  , ورأيت المنظر الرهيب وسحب الدخان و اللهيب ككرة مشتعلة و تردى صوت الأنفجار الهائل بين الجبال المحيطة بمدينة مسقط وكأنني أشاهد فيلم رعب سينمائي من أخراج هوليوود , وكان الحظ أنقذني ( و لكن حسب ما سيقوله أبن أخي جورج الشماس نشوان بأنها أرادة الله أنقذتني , وليس الحظ  كما جاء بتعليقه على ذكريات سفرتي الأولى لأمريكا على صفحات عنكاوة دوت كوم ) لأنني قبل مجيئي الى الموقع للآشراف على العمل الجاري , قررت كشف غطاء السيارة للأستمتاع بالهواء و الشمس على وجهي والتي لولا 10 دقائق تأخير في العملية لكنت قد وصلت الى القلعة أثناء الأنفجار . ولقد تم الأعلان عنه في تقرير على أذاعة بي بي سي البريطانية بأنها عمل أرهابي , ولكن الحقيقة أنها كانت حادثة نتيجة أهمال أحد العمال وكنت شاهدعيان لأثباتها . وبعد الأنفجار تصدعت أرضية سطح القلعة وأنشقت وأنكشفت غرف داخلها كانت مدفونة وفيها  عدد من الهياكل العظمية البشرية و أكوام بارود و أسلحة ومدافع برونزية مع أكوام من الكرات الحديدية التي تستعمل كذخيرة لها , وكان كل شيء كما تركه البرتغاليون خلفهم بعد أن تم تحرير البلد سنة 1650م من أحتلالهم الذي دام حوالي قرن ونصف في زمن الأمام ناصر بن مرشد في عهد دولة اليعاربة . وتم نقل جميع تلك المعدات الى قلعة جلالي المجاورة على الطرف الآخر من البحر وتحولت بعد ترميمها الى متحف حربي للقوات العسكرية, وهكذا بالرغم من هول والنتائج الكارثية لضحايا الأنفجار فأن كنزا تاريخيا مدفونا تم أكتشافه و الأستفادة منه وهذه كصفحة من تاريخ عمان . 
وبالرجوع ألى دعوة عائلة الدكتور نمرود للسفرة البحرية , وبالرغم من رفض ألينا زوجة نمرود الدعوة لركوب البحرفي مناسبات عديدة قبل ذلك , لخوفها حتى من السباحة في المسبح , نتيجة للذكرى الأليمة لحادث غرق شقيقها في نهر الزاب الصغير في دبس (نمرة ثمانية) , بعد فترة قصيرة من تخرجه في الهندسة في أحدى الجامعات الأمريكية , وتعيينه بمنصب ستاف في شركة النفط العراقية فرع نمرة 8 , وكان الأخ الوحيد لها و أختها وقلبت حياتهم رأسا على عقب للمصاب الجلل لشاب في ذروة نجاحه و مستقبله الباهر , والمعروف عن خطورة السباحة في تلك المياه , لسرعة تدفقها  ونتيجة وجود فجوات في قعر النهر بين الصخور تؤدي الى تكوين دويرات مائية ( ويرلبوول) تسحب السباح الى أعماقها بتيارات حلزونية , وهذا ما حدث لي أيضا وربما في نفس الفترة الزمنية في منتصف خمسينات القرن الماضي , حيث أنتقلنا من كركوك / شارع ألماس للعيش في دبس , لأن أخي جورج كان يعمل في شركة بلجيكية تعمل في أنشاء محطة لتوليد الكهرباء , وبالرغم من أنذارات والدتي العزيزة من خطورة السباحة في النهر , فأنني تعرفت على عدد من الشباب الذين كنا نشاركهم في باص شركة النفط للذهاب الى المدارس في كركوك وأنا كنت في الصف الأول في ثانوية كركوك وكانوا سباحين ماهرين لخبرتهم الطويلة في السباحة في تلك المياه , وفي أحدى الأيام جازفت وقررت بأنه حان الوقت للمشاركة في تلك الفعاليات والسباحة معهم بالرغم من انني لا أعرف أسبح وكانت محاولتي الأولى قبلها بعدة سنوات في مسبح نادي النفط / عرفة , تم أنقاذي من الغرق بعد أن حاولت السباحة لأول مرة (عدا ما كنا الصغارنعتبره سباحة بالقفز في بركة مياه المفتح / كاريزيه في عنكاوة )  ولم أجرأ لتكرارها مرة أخرى وعلى أي حال لم تسنح لي الفرصة أيضا لأنني لم أكن عضوا في النادي وتمكنت من الدخول خلسة بعد أن كان الحارس مشغولا مع بعض
(3)
رواد النادي دون أن يلاحظني وكانت تلك أول تجربتي الفاشلة في الطفو فوق الماء بعد أن غمرتني المياه مباشرة بعد نزولي خطأ في الطرف العميق من المسبح , وأنا أحاول يائسا عدة مرات صعودا ونزولا بحركات لا أرادية وأنا أشرب المزيد من الماء , للأمساك بحافة المسبح القريبة جدا على بعد قدم واحد فقط , ولم تحتاج عملية أنقاذي سوى دفعة بسيطة باليد من أحدهم لأتمكن من القبض على تلك الحافة القريبة البعيدة وأخرج من الماء . ولكن تلك التجربة في الغرق لم تمنعني من المحاولة مرة أخرى في أحدى البرك المائية بالقرب من خزانات المياه لمحطة توزيع المياه لمساكن عرفة والتي كنا نتردد على تلك المناطق البعيدة بركوب الدراجات الهوائية ونتسلق المدرجات الحديدية على جدران الخزانات الحديدية العملاقة كنوع من المغامرة الطائشة لسن المراهقة والنظر الى داخل الخزانة من الفوهة المكشوفة ورؤية صورتنا على سطح الماء ونهرع بالنزول مرعوبين من تلك الأصوات النابعة من أعماق الخزان نتيجة تمدد وتقلص حديد جدران الخزان بحركة المياه وكأنه عملاق مائي يحاول أبتلاعنا ( ولا أزال بعض الأحيان أصحو على كابوس تلك الأصوات وكأنني أغرق في الخزان وأنهض وأنا في غاية الرعب ) , وأن رعب تلك الحادثة تكررت في ذاكرتي في مناسبات عديدة وأولها فوق جسر سد هووفرالعملاق وأنا  أنظر الى تدفق المياه الى البحيرة الهائلة و الصوت المخيف المرعب من شلالات المياه المتدفقة الى البحيرة في أريزونا , ومرة ثانية  تكرر وأنا أغطس في موقع لرؤية هيكل لسفينة غارقة في البحر بعيدا عن مسقط مع نادي الغطس لشركة نفط عمان , فأن الأصوات الناتجة من تصادم صفيحات الحديد التي تصدأت نتيجة تيارات مياه البحر الجوفية. ولم تمنعني تلك الحادثة من التردد على تلك المناطق المحيطة بخزانات المياء بالرغم من وجود لوحة تحذر من خطورة الأقتراب من تلك الخزانات , وفي أحدى المرات كنت مع صديق من جيران محلتنا في تلك المنطقة نبحث عن أعشاش الطيور بين تلك الأحراش والقيام بعمل طائش لسرقة بضعة بيوض من تلك الأعشاش ( وكنا نتفاخر بها أمام الآخرين ونحن نكشف عن أجسام تلك الفروخ داخلها بالرغم من أنني بعد ذلك أصبحت هاويا لتربية طيور الحمام الزاجل)  , وتواجدت في تلك المناطق برك مائية نتيجة مياه الأمطار وبعد أن أقتربنا من  أحدى هذه البرك المائية , شجعني صديقي بأن البركة ضحلة و آمنة للقفز فيها بدون خوف ( كما كنا نحن الصغار نقوم بها في بركة أمام فوهة المفتح / الكاريزيه) , وهكذا قفزنا فيها وكان الماء لايعلوا الى الركبة , وبعد عدة محاولات لرمي أنفسنا في سطح الماء بعيدا عن الحافة قررنا الخروج ولكن أقدامنا بدأت تنغمر بقاع البركة الطينية وبدأ الخوف يدب في قلوبنا لصعوبة رفع أقدامنا من الطين اللزج وكلما حاولنا زاد غطس أرجلنا أكثر وأكثر ( وكما يحدث في الرمال المتحركة في الصحراء) وبعد جهد جهيد تمكنت من الخروج وأنا مغطى بالطين ولكن صديقي لم يتمكن وبقى معلقا نصف جسمه فوق الماء و الآخر في الماء الضحل و الطين العميق , بدأ يصرخ طلبا للنجاة و هرعت أركض كالمجنون وركبت الدراجة للبحث عن من ينقذ صديقي ورأيت عن بعد بعض العمال يقومون بصيانة أنابيب ضخ المياه خلف تلك الخزانات , و هرعوا لنجدته وبواسطة  حبل تم سحبه من تلك المصيدة الطينية وهو مغطى من قمة رأسه الى أخمص قدميه بالطين ويكاد يختنق ليس من الماء و لكن من الطين على وجهه , ورجعنا بتلك الحالة بمنظر مثير للضحك والأستهزاء من الآخرين ودرسا لن ننساه من أمهاتنا . ولكن بعد عدة سنوات كل تلك الدروس السابقة لم تثنيني من محاولة السباحة ليس في مسبح أو بركة ماء وأنما في نهر الزاب في دبس ( نمرة ثمانية) , حيث كنا قد أنقلنا من شارع ألماس في كركوك الى دبس حيث كان أخي جورج يعمل في شركة بلجيكية لبناء محطة كبيرة لتوليد الكهرباء في خمسينات القرن الماضي , وتعرفت على عدد من لشباب الذين كنا نشاركهم في باص شركة نفط العراق جيث كان أولياء أمورهم موظفين فيها هناك , وكنت
(4)
أراقبهم وهم يسبحون بسهولة ويسر في مياه النهر وبعد عدة دعوات لي لمشاركتهم لتعلم السباحة معهم , وخاصة وأنني أصبحت أكبر عمرا وقوي البنية من تمارين رفع الأثقال ورياضة كمال الأجسام , وشعرت ببعض الثقة بنفسي و أنه لابد وأن أتعلم السباحة كالآخرين وهذه هي فرصتي للتعلم , وقررت النزول وقفزت الى سطح الماء وبعد عدة حركات من اليدين يمينا ويسارا والأطراف محاولا تقليدهم فيها , تمكنت من السباحة بضعة أمتار على سطح الماء قبل أن أغطس وتغمرني المياه بسرعة  وبعد صعودي الى الأعلى عدة مرات وبحركات يائسة و الصراخ لطلب النجدة , تمكن أحدهم من جلب الجوب المنفوخ لأطار السيارة بسرعة الى جانبي و تمكنت من التشبث به وتم سحبي الى خارج الماء , تنفست بعدها  الصعداء للنجاة من غرق محقق لولا ذلك الجوب , لأن عملية أنقاذ من هو على وشك الغرق يحتاج لخبرة ( وهذا ما تعلمته من التمارين المطلوبة لأجتياز مراحل الأمتحان للتأهيل لعضوية نادي الغطس في سنة 1974 في نادي رأس الحمرا لشركة نفط عمان في مسقط ) . والجدير بالذكر وكما يقال الشيء بالشيء يذكر , حادثة أخرى رهيبة في الدبس كانت مع شابو أحد أقاربي يعمل مع أخي جورج , حيث كان يوظف العديد من الشباب العنكاوي و الأقرباء أينما كان ينتقل من وظائف في شركات فرنسية من سد دوكان في دربندخان الى الموصل والى دبس وبغداد ( لمعرفته اللغة الفرنسية التي تعلمها في سنوات دراسته في السينيمير للرهبنة على يد الآباء الدومينيكان في أحدى الأديرة بالقرب من الموصل ) , وكان شابو يلح علي لمرافقته فقط ليسبح هو في النهر  لأنه تعلم السباحة في بحيرة دوكان حيث كان أيضا يعمل مع أخي ( كما تمت الأشارة أليه أعلاه) وحاولت ثنيه عن ذلك لما حدث لي في نفس النهر قبل ذلك , ولكن هذا لم يردعه من المحاولة , وهكذا رافقته كضمان لسلامته و أعطاؤه التشجيع اللازم , وأثبت جدارته في السباحة في البداية ويطفو  فوق سطح الماء كأي سباح آخر وأنا ألح عليه للبقاء بمحاذاة النهر ونظرا لسرعة تيارالمياه أصبح لايقوى على البقاء في نفس المكان و يبتعد بحيث بدأت أمشي بمحاذاة النهر وبعدها أركض للحاق به وقد بدأت قواه تنهار في مصارعة تيارالماء الجارف , وهو يحاول الأقتراب من الحافة وفي أحدى المرات تمكن من الأقتراب وكان على بعد بضعة أقدام من الحافة , وصرخ لي بمد يدي أليه ولكنني لم اتمكن الأقتراب و ملامسة يديه خوفا من سحبي معه الى الماء ( لأن الغريق كما يقال يحاول التشبث حتى بقشة خشب للنجاة) , وصراخه لطلب النجدة وأنقاذه لم يسمعها أحد و أنا أركض بجانبه وأشجعه على محاولة الأقتراب بكل ما لديه من قوة بعد أن حصلت على جذع شجرة ومددتها له ليمسك بنهايتها , وهكذا نجح وأمسك بها و تمكنت من جذبه شيئا فشيئا من حافة النهر و بعد أيجاد ما يسند نفسه من أرضية صخرية ضحلة خرج من الماء ونجا من الغرق بأعجوبة . وكانت تلك آخر محاولة فاشلة لتعلم السباحة في دبس وتأجيلها الى أن وصلت الى بريطانيا سنة 1962 وفي مسبح نادي الطلبة في جامعة مانجستر وأيضا كنت بدون عضوية ولكن بمرافقة أحدى الطالبات الجامعيات كزائر مرافق  علمتني السباحة وهكذا كانت نهاية ناجحة لتاريخ الغير المشرف في تعلم السباحة .
لنرجع مرة أخرى الى ألينا ونمرود , ونجحت أخيرا في أقناعها بالمجيء معنا في القارب , ودعوت بعض الأصدقاء منهم الأرمني فريج هارتونيان وزوجته الأنكليزية كارول , وأبنته و أبنه 12 و 10 سنوات من العمر وكان يعمل كمحاسب قانوني لدى أحدى الشركات في مسقط , وايضا جاء معه صديق آخر مع أبنه في سن المراهقة , وزوجة القنصل الألماني من الجيران وكانت حامل في شهرها الخامس و عائلتي المتكونة من زوجتي الأنكليزية ماركريت وبناتي شوني و صوفي الصغار بعمر 7 و 5 و ابني أيمن في السنة الأولى من العمر , مع أحد الموظفين الهنود موهان ( الذي ظهر بالصورة مع أبني أيمن على صفحة الفيسبوك من قبل أبنتي شونى ميا ) الذي كان ميكانيكيا ماهرا سواء للسيارات أو القوارب أو أية أجهزة
(5)
كهربائية أو ميكانيكية وكان يقوم بتصليح وصيانة القارب . بدأت الرحلة بمياه هادئة وطقس مشمس كالعادة وهواء منعش , وأستمتع الجميع بالسفرة وخاصة الأطفال ونجح موهان من صيد عدة أسماك منها الهامور ولكن سمكة الباراكودا ذو الأسنان الحادة والتي بدأت بالقفز والحركة العنيفة أدت ألى الهرج والمرج وصعود البعض من الكبار قبل الصغار على الكراسي و الطاولة التي نتيجة ذلك تحطمت و سقطت ومن فوقها على السمكة الشرسة وكانت تلك نهايتها , وبدأ الجميع بالضحك وتبادل النكات وفرحة و مرح الصغار. و نزلنا الى أحدى السواحل الرملية المعروفة والآمنة بين الجبال الصخرية التي كانت تضم عددا من القبور القديمة بعضها لمئة سنة , لبحارة ومنهم رئيس أساقفة مسيحي وكان يتم دفنهم في هذه البقعة ولا تزال بعض اللوحات الصخرية المنحوتة تضم أسماؤهم و تواريخ دفنهم باقية على القبور , وتم الأحتفاظ بها كمقبرة للمسيحيين بدون تخريب, وكانت مزارا معروفا للأجانب , وأيضا مكانا جيدا للأستراحة و الأستجمام  وبعد أن تم أعداد الباربيكيو من السمك الذي تمكن موهان من أصطياده والمشروبات والمأكولات , تمكن الصغار من اللهو واللعب و محاولة صعود المرتفعات و السباحة في المياه الضحلة , حتى ألينا حاولت الدخول الى الماء , وشعرت بالفرح و البهجة بأنني أخيرا تمكنت من القضاء على رهبتها و خوفها من البحر (وشعرت بأن لنا عامل مشترك وهو الغرق في نهر الزاب في دبس ) , وأمكانية مرافقتنا في سفرات أخرى وربما تتعلم السباحة أيضا !؟.. بدأنا في الأستعداد للرجوع بعد أن قضينا وقتا مريحا وهانئا وفي غاية السعادة  وخاصة الصغار , وبعد أنتشال المخلفات وجمعها في كيس البلاستيك , وحملها مع بقية المعدات الى القارب وبدأنا رحلة الرجوع وكان البحر هادئا خفيف الموج , وبعد حوالي ساعة واحدة ونحن لانزال في مزاج نفسي مفرح , وبدأ الجميع بلأستمتاع بمنظر الجبال و قلعة جلالي وهي تعكس ضوء الشمس المائلة للغروب  ونظرا لأختفاء قرص الشمس خلف قمم الجبال الشاهقة فأنها كانت تبدو أشكالها وكأنها مصنوعة من الكارتون وما يستعمل في المسارح لتمثيل مشاهد معينة تسمى البروبس , وبينما نحن نبحر باتجاه ميناء قابوس , بدأ البحر يضطرب فجأة وطلبت من موهان لوضع السترة الوحيدة للنجاة حول الطفل أيمن بسرعة لأنني كنت أول من شعر بالخطر المحتمل , وأدى ذلك الى دق ناقوس الخطر بين الجميع , وكانت ألينا أول من بدأ الخوف يدب في قلبها وبدأت تصرخ , وحاولت طمأنة الجميع بأن هذا شيء معتاد ولا خوف عليهم , وقبل أن أكمل كلامي , هبت أمامنا موجة عالية أهتزالقارب من قوة الأصطدام بحيث تطايرت زغات الموج فوق القارب وعلى رؤوس الجميع , ولكن الخطر كان داهما على صديق فريج وأبنه الذين كانا مستلقين على سطح الكابينة وتمكنوا من الأمساك بالمقبض الحديدي على سطح القارب وكانوا في وضع حرج جدا , وبدأ الجميع بالصراخ وكل يحتضن أطفاله , وزوجة القنصل الألماني الحامل كانت أيضا في خطر قد تتعرض للأجهاض وهي في الشهر الخامس , ولكنني بعد أن صدمتنا الموجة الثانية وكأنها حائط من الماء بأرتفاع عدة أمتار , بدأت أشعر بأن هذا ليس أعصارا أو هيجان للبحر ولكنه تسونامي بكل معنى الكلمة , ومع الأسف في تلك الأيام لم تكن الأنواء الجوية متطورة وعدم وجود أجهزة الأستشعار للهزات الأرضية و التسونامي الناتج نتيجة لذلك , لذا كان الأمر مجهولا منذ البداية و حدث فجأة بدون أنذار وعدم أخذ الأحتياطات اللازمة من توفيرسترات النجاة على أقل تقدير , وفي عدم توفر تلك الأحتياطات وخاصة وجود الأطفال جعلني أشعر بتحمل المسؤولية كقبطان القارب و الجميع  تحت حمايتي ومصيرهم بيدي فلم يبقى لي من وساؤل النجاة سوى الأعتماد على القارب وأستمرار المكينة في الشغل للصمود وبدأت بالتركيز على القيادة ومنع القارب من الأنقلاب على جهتيه وذلك بالتركيز على مواجهة الأمواج من الأمام بصورة شاقولية وعلى زاوية 90 درجة على وجه الحيطان المائية المتعاقبة و التي زادت في الأرتفاع الى
(6)
علو 7 أو 8 أمتار , وأنا ألاحظ أمامي محاولة الوالد والأبن وهما متمسكين بالمقبض المعدني وأجسامهم تتحرك يمينا و يسارا دولاب ( البندوليوم) الساعات الكبيرة على الحيطان , وهما متشبثين بالمقبض وخوفي من أنتزاعه من قاعدته , ولكنني فقدت الأمل بنجاتهم وأعتبرتهم أول الضحايا لوضعهم الحرج والخطير , ونظرا لمحاولتي صد الأمواج من الأمام لمنع القارب من الأنقلاب , كانت حيطان الأمواج تحتم علي الأبحار في الأتجاه البعيد من الميناء و الأبتعاد الى عرض البحر وكأنني أصارع الثيران الهائجة وجها لوجه , ولكننا كنا نحن الثيران والأمواج هي التي تصارعنا ونحن نواجهها بقروننا , وبالرغم من أحتجاج الآخرين بأننا نبتعد عن الميناء , ولكن من شدة تركيزي على دفة القارب ثانية بثانية يدي على المقود و الثانية أمسح بها المياه من عيوني لأن أية حركة بلأتجاه الخطأ كانت ستؤدي الى الهلاك المحتم نتيجة أنقلاب القارب على أحدى جوانبه والغرق المؤكد للجميع , وبعد صراع طويل لم أجرأ حتى على النظر خلفي لرؤية أوضاع الجميع وكانوا مستلقين على أرض القارب يصرخون وربما يرددون صلواتهم لله لأنقاذهم , و موهان يحاول يائسا بأفراغ الماء المتجمع بالسطل البلاستيكي خوفا من أنسياب الماء الى حجرة المكينة ومنعها من التوقف  وأن وجود المكينة في مأمن من المياه وهي في حالة شغل مستمر كانت البوليصة الوحيدة للحياة لأن توقفها كان سيجعلنا لقمة سائغة لتلك الأمواج و البحر الهائج , وأستمر الصراع ونحن الطرف الضعيف , ليس لنا من الأسلحة سوى حركة البروانة في مؤخرة القارب و صمود دفة القارب لأنه بدونها لايمكن التحكم في أتجاه القارب وتعريض أحدى واجهتيه الجانبية للضربة القاصمة من أمواج التسونامي على القارب وجميع من عليها من الركاب . وكنت طيلة الوقت أنتظر لتأخر الموجة التالية ولو لبضعة ثوان لكي اتمكن من الأستدارة 180 درجة دون أن ترانا ونحن نعرض لها فرصة الأنقضاض علينا بلأستدارة ونحن في وضع يائس لاحول ولاقوة لدينا والأستسلام لمصيرنا المحتم , وهكذا بدأت أفقد الأمل ومما شجعني للمقاومة هو أن الأب و أبنه كانوا لايزالون متمسكين بحبل النجاة ( المقبض المعدني) بكل ما لديهم من قوة وكأنهم في صراع الجبابرة مع أعتى عدو مدجج بالسلاح وهم يحاربون فقط بقبضة أيديهم وقوة عزيمتهم و تمسكهم بالحياة . وفجأة رأيت الضوء في نهاية النفق المظلم , ورأيت تأخر الموجة وفسحة صغيرة تمكنت من الأستدارة بسرعة البرق , فبدلا من ضربة الموج من الأمام ضربتنا من الخلف ونحن ننهزم و ظهرنا مكشوف , كانت أقوى ضربة غمرتنا بأطنان من الماء ولكن سرعة القارب نتيجة الرياح وحركة الأمواج بلأتجاه المعاكس شفطت التيار المائي من فوق رؤوسنا و كلما أستمرينا بأتجاه الميناء كلما زادت السرعة في التقهقر من قلب المعركة  وكلما خفت قوة وحجم الأمواج ونحن أصبحنا الآن نطاردها وهي تنهزم من أمامنا الى أن أصبحنا على أبواب الميناء وبفضل جدران كاسري الأمواج المحيطة بالميناء , أصبحنا في مأمن وتنفسنا الصعداء وأنقذنا هذا القارب من غرق محقق ونجونا بحياتنا ولكن عشرات آخرين سواء من الصيادين أو على قوارب النزهة الأصغر حجما وخاصة ذو المكائن الخارجية , التي كانت أولى الضحايا في التوقف عن العمل نتيجة أنغمارها في الماء , ومن أحد هؤلاء الضحايا كان صديق عماني تم أنتشال جثته بعد عدة أيام بدون أطراف , لهجوم أسماك القرش والتي نسينا تماما خطورتها وكأن الغرق في البحر لم يكن كافيا لزهق الأرواح !!.. صحيح أنني أصبحت البطل الذي أنقذ الجميع , ولكن في نظري أن البطل الحقيقي هو موهان الهندي الذي كان يقوم بتصليح المكينة و صيانتها  وجعلها صالحة للعمل وكما أثبتت نفسها بجدارة في أحلك الأوقات . وكانت هذه لنمرود وأيلينا سفرتهم البحرية الأولى والأخيرة خلال عدة سنوات في مسقط , تمكن نمرود من الهجرة الى كندا كمستثمر وتخرج أبناؤه من الجامعات الكندية .
وللحديث بقية ...