من حكايات جدتي ... الثامنة والثمانون الشيخ بشر وزوجته حسنه


المحرر موضوع: من حكايات جدتي ... الثامنة والثمانون الشيخ بشر وزوجته حسنه  (زيارة 369 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل بدري نوئيل

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 126
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
من حكايات جدتي ... الثامنة والثمانون
الشيخ بشر وزوجته حسنه
بدري نوئيل يوسف
في هذه الليلة قبل أن تبدأ جدتي بحديثها اليومي سألها أحد الأطفال عن معنى كلمة (قز القرط) التي مرات تستعملها عند يزعجها أحد الأطفال بصياحه أو حركاته الصبيانية.
قالت جدتي: (قز القرط) كلمة تركيه معناها الذئب الأحمر، وهو أشرس الذئاب التي تأكل بطن الانسان، أولاً فكانت تلك الذئاب الحمراء تخافها العرب والعشائر، لأن لديها فنون قتل مخيفة، عندما تمسك بالإنسان لا تعطي له الرحمة فهي أولا تنهش بطنه، وتتركه حي، لكي ينظر اليها ثم ما بعد البطن ثم تصعد على قلبه، فقد كانت دعاء العرب على أحدهم الاخر بهذا الدعاء وهو القز القرط اي اتمنى ان يوجد ذئب احمر يأكل بطنك.
بعدما عرفنا معنى الكلمة وعدتنا جدتي ألا تستعملها مرة أخرى على شرط ألا يزعجها أحد.
سألتها ما معنى زق نبوت التي تستعمليها أيضا يا جدتي:
قالت: يُقال في زمن الحكم العثماني عندما كان الأتراك في مصر، يعاقبون بعض الخارجين عليهم بأن يُحضروا
العصاة المسماة في مصر (نبّوت)، ثم يتم ادخالها في فم الشخص المراد تعذيبه، حتى تخرج من (دبره)، أمام حشد من الجمهور، وكان هذا يُسمّى(زق) أي ادخال الشيء في الفم بدون مضغ و(النبوت)وهي العصاة فصار (زق النبوت) أو (زقنبوت) وبقي الناس يتذكرون هذه الطريقة الوحشية في التعذيب، فأصبحت نوع من الشتيمة، وانتقلت من مصر إلى بلدنا وكذلك وعدتنا ألا تستعملها ثانية.
نعود لحكايتنا اليومية بعدما تحلقنا حول المدفأة، قالت جدتي، كان في قديم الزمان شيخ قبيلة اسمه بشر، تعيش معه أمه وأخته، وكان مضرباً عن الزواج رغم أنه وسيم وكريم، ومشهور بين القبائل.
سمعت بقصته أميرة تسمّى حسنة بنت الشيخ حمدان، فقرّرت أن تصل إليه وتتزوجه، فحضرت إلى القبيلة متنكّرة بملابس الرجال برفقة والدها، فنزل ضيفان على الشيخ بشر، فأكرمهما لمدّة ثلاثة أيام، وعندما أرادا الرحيل طلبت من الشيخ بشر أن يساعدها في الركوب على الفرس، فأمسك بيدها فأحسّ بنعومتها، ولمّا رفعها بان شعرها مثل الحرير فعرف أنها فتاة، ونظرت إلى الشيخ بشر نظرة ساحرة أفقدته صوابه، ومضيا إلى ديارهما، فأضرمت النار في قلبه وزادت اشتعالاً بعد سفرها، ولم يعد يستطيع أن ينام، فجمع وجهاء القبيلة وحكى لهم لواعج نفسه (الْحُبُّ اللاَّهِبُ الْمُحْرِقُ)، وأنه قرّر أن يتزوج من حسنة بنت الشيخ حمدان .
ذهب الوفد كالعادة وخطبها له، وأقاموا الأفراح والأعراس سبعة أيّام بلياليها، وذبحوا الذبائح وأقاموا الولائم ودخل الشيخ على عروسه، فوجدها كالبدر في السماء ونجمة تضيء في الليلة الظلماء وعاشا في الفرح والسرور، غير أن حظّ حسنة كان سيئاً فلم تحبها أمه وأخته وعلى قدمها أصاب الديار القحط، وقلّ الماء والكلأ والمرعى فتشاءمت المرأتان منها. طال المحل واشتدّ الضيق على القبيلة، فخرج الشيخ بشر مع بعض الفرسان يفتشون عن مراعٍ جديدة وأرض خصبة، وأمضوا شهوراً في البحث والتجوال، ومنذ خروج الشيخ أخذت أمه وأخته تضايقان زوجته حسنة وتعذبانها، وتكلفانها بأصعب الأعمال، ويقدمان لها قليلاً من أسوأ الطعام حتى مرضت وهزل جسمها وشحب لونها ولما عاد الشيخ رأى حالها فاغتمّ كثيراً وحزن عليها، وسألها عن حالها فلم تقل له شيئاً عن معاملة أمه وأخته.
أرادت أمه وأخته أن يكيدا لها، فأخبروه أن زوجته عاشقة ولها صاحب وقد مرضت من أجله، فغضب أشدّ الغضب وهمّه الأمر والتفكير، وحتى يتفادى الفضيحة في القبيلة قرّر أن يرسل زوجته إلى أهلها ويتركها عندهم. عرفت حسنة بالمكيدة التي دبرتها أمه وأخته لها، فسكتت وصبرت وتأكّدت أن زوجها سيبعثها إلى أهلها ولن يعيدها، وأرسل معها قافلة لتوصلها.
في منتصف الطريق نزلت القافلة على عين ليستريحوا من عناء السفر، فطلبت منهم أن يتركوها ويعودوا إلى ديارهم لأنها أصبحت قريبة من مضارب قبيلتها فأطاعوها، وبقيت وحدها إلى المساء فصعدت إلى شجرة، ونامت عليها حتى الصباح.
صادف في هذا الوقت أن ورد شاب اسمه فجر هو ابن الشيخ صالح شيخ القبيلة، ومعه ثلّة من فرسان قبيلته، وبينما كان يجلس تحت الشجرة وهو ينظر إلى الماء لمح شبح حسنة في ماء العين، فتعجب ورفع نظره إلى الشجرة، فرآها وأنزلها وحملها معه إلى قبيلته، وأسكنها مع أمه وأعطاها الأمان، لكنها لم تحك له قصتها، وطلبت منه ألاّ يسألها عن أمرها شيئاً فوافق على ذلك، ومع الأيام أحبها الأمير فجر وأخذ يطلبها للزواج، لكنها كانت تمهله وتؤجّل الموضوع بشتّى الحجج، حتى يئس من المماطلة، وخافت أن تضعف وترضى قبل أن تعرف ما حلّ بزوجها وتبرئ نفسها.
لكن الأمور جرت سريعاً فقد قامت قبيلة الشيخ صالح بغزو قبيلة بشر زوج حسنة بعد أن أنهكهم الفقر والجوع فنهبوها، وأسروا فرسانها ومن بينهم الشيخ بشر وأمه وأخته، وعادوا بهم إلى مضارب القبيلة مكبّلين.
وفي ليلة مقمرة كانت حسنة تنشد قصيدة حزينة تحكي قصتها، وعذابها سمعها الشيخ بشر في أسره، فطلب مقابلة الشيخ صالح، وقصّ عليه حكايته وطلب منه أن يسمح له بمقابلة زوجته حسنة، فلما اجتمع الجميع حدّثتهم عن قصتها مع أمه وأخته فثار الشيخ بشر، وأراد قتلهما فمنعه الشيخ صالح، وعقد الجميع اتفاق صلح بين القبيلتين على أن تعود حسنة إلى زوجها بعد موافقتها، وأن تبقى أمه وأخته في هذه القبيلة، فتزوج ابن الشيخ صالح أخت بشر، والشيخ صالح تزوج أمه، وعاد بشر وأفراد قبيلته إلى الديار محملين بالهدايا والمؤن والمال، ولمّ الشيخ بشر شمل قبيلته من جديد، ووجد أرضاً خصبة وفيرة المياه والمراعي، وعاشوا في أحسن حال وخلًفوا الصبيان والبنات .