قراءة متأنية في بعض الخُطَب والفتاوى ضد عيد ميلاد المسيح ورأس السنة الميلادية الجديدة


المحرر موضوع: قراءة متأنية في بعض الخُطَب والفتاوى ضد عيد ميلاد المسيح ورأس السنة الميلادية الجديدة  (زيارة 456 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل بطرس نباتي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 256
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

قراءة  متأنية في بعض الخُطَب والفتاوى ضد عيد ميلاد المسيح ورأس السنة الميلادية الجديدة 

بطرس نباتي
 
 كانت للكلمة المؤثرة والقوية لسيادة الكاردينال  لويس ساكو  بطريرك الكلدان( اوردها أدناه )  ردا على ما صرح به مفتي العراق (مهدي صميدعي ) و رئيس الوقف الشيعي  ( علاء الموسوي ) بكلمة مماثلة لا تقل عن الاولى في الاساءة الموجهة الى أعياد ميلاد المسيح ورأس السنة الميلادية ثم توالت  الكلمات والدعوات  بنفس الاتجاه  من قبل وغيرهم  من شيوخ التشدد والتكفير .
اولا ؛ جاء رد ابينا البطريرك ومقابلاته عبر الفضائيات في وقته  لذلك كان له تأثيرا قويا وإيجابيا  في مختلف وسائل الاعلام العراقية والعالمية ،  مما دفعت  بالكثيرين سواء من المسؤولين العراقيين  او من الشخصيات وأبناء عشيرة الصميدع ( تصريح النائب ابراهيم صميدعي وتبرؤوه وعشيرته )  أو حتى من الناس العاديين بالتبرؤ من هذا المفتي والرد على فتاويه ،  حيث اتسمت بعض هذه الردود بالقسوة في الرفض والمطالبة بمحاسبته
لا بل يوما بعد اخر تتصاعد الفعاليات الشعبية في الشارع العراقي  دعما للوجود المسيحي  وتزايدت  مظاهر الاحتفالات العفوية  التي جاءت رداً مناسبا من دعات التمدن والتحضر ضد قوى الظلام والتخلف ، وقد جاءت هذه الفعاليات بمختلف الأشكال منها ، الكتابة في وسائل التواصل الاجتماعي والصحف والمواقع الالكترونية وغيرها ، ومنها ما تركز في الشارع العراقي من احتفالات ونصب بعض الرموز كشجرة الميلاد ونجمة الميلاد والأضوية وكذلك قيام الشباب والأطفال بارتداء                   
ملابس بابا نوئيل و بتوزيع الهدايا على الاطفال  تشبها ببابا نوئيل او قيامهم بتنظيم حِلاقات جماعية
للأطفال في شوارع العاصمة بغداد مجانا ،او الاحتفالات الشعبية في بغداد وكربلاء والمدن الاخرى العراقية اضافة الى اقليم كردستان الذي يشهد في كل عام مثل هذه الاحتفالات وأكثر وهذه الصورة التي انشرها أسفل المقال تمثل
جماهير نادي الزوراء تحي المسيحيين بعيد  الميلاد المجيد في مباراة يوم 30/ 12/ 2018
كل هذه جائت كرد واحتجاج على هذه التصريحات المسيئة 


وبعد قرائتي لرد ابينا الكردينال لويس ساكو  دفعني الفضول لان  اطلع على ما صرح به مفتي العراق حول عيد ميلاد المسيح وَمِمَّا لفت نظري استشهاد مفتي العراق  بأحد شيوخ التكفيريين بل المتشدد من بينهم الا وهو ،
( أبن قيم الجوزية )في تعامله مع هذه الأعياد ومع عموم مناسبات المسيحيين والذي   يسميهم ( بأهل الذمة )  حاله حال شيوخ المسلمين منذ  ايام الغزوات،  وكنت ايضا قد اطلعت على كلمة  مفتي الديار السورية الدكتور احمد بدرالدين حسون والتي القاها في المؤتمر الاوروبي والذي استهلها بقوله :
اسمحوا لي ان أخاطبكم باخوتي باخوتي بالأرض باخوتي بالانسانية ... الخ ، ووجدت تباينا بين موقف رافض لاي مقومات التعايش السلمي بين ابناء الديانات المختلفة  موقف ابن الجوزية وابن تيمية والصميدعي ، وبين موقف سمح يدعوا الى التعايش والتسامح ، بين موقف تكفيري يرفض الاخر المختلف سواء كان مسلما من غير مذهب ابن تيمية ، او مذهب الوهابية او الداعشي  التصفوي ، وبين مذهب انساني يرى في الاديان جميعها جاءت من اجل خدمة الانسان وسعادته وتحقيق العدالة والمساواة .
 
ثانيا : للأسف اقولها وبصراحة ، كان موقف روؤساء الكنائس يتسم بالبرود والسلبية ازاء ما صرح به الصميدعي او غيره من أئمة  المسلمين بالضد من أعياد المسيحيين سواء عيد ميلاد المسيح او راس السنة الميلادية ، حيث تَرَكُوا للأسف البطريرك لويس ساكو  والاباء الأساقفة للكنيسة الكلدانية وحدهم في ساحة الصراع مع اعتى هجمة واجهتها المسيحية بعد هجمة داعش ، لقد برهن الأب البطريرك  مرة اخرى بانه لوحده يمثل المجتمع المسيحي ، فهو في البداية دعا مشكورا الى تغير بعض المناهج المدرسية التي توصم المسيحيين بالضاليين ، واجبر وزارة التربية الاتحادية الى اعادة النظر بهذه المناهج  ثم تصدى بشجاعة الى دعوة مهدي الصميدعي مفتي العراق وفتواه التي كانت تحمل الفكر التكفيري  وتستند على تعاليم  ابن قيم  الجوزية تلميذ ابن تيمية  وفتاويهم التكفيرية  ، وتتعارض مع مواد الدستور الدائم المادة الثانية  (ثانيا ) والمادة السابعة ( اولا )  من  الدستور العراقي
وهي تقع ضمن التحريض وترويج النعرات الطائفية والتي ينص على معاقبة الفاعل بموجب المادة 200 فقرة ( 2 ) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 ، موقف الكنائس  كان معدوما من هذه الخطب والفتاوى عدا موقف الكنيسة الكلدانية الشجاع وخاصة  أن هذه الكنيسة تتخذ من العاصمة بغداد مقرا لها ، وما تشهده هذه المدينة من احتقانات طائفية وهذه الفتاوى تصدر حصرا من هولاء الأئمة  ومن منابر هذه المدينة ، بينما رؤساء  الطوائف الغير الكلدانية يتخذون من اربيل / عنكاوا مقرا لهم ،  وهم عاجزون عن إصدار حتى بيان مقتضب يشجب مثل هذه الفتاوى التكفيرية ، اليس موقفهم هذا يدعونا الى  الاستغراب والتساؤل عن اسباب صمتهم وسكوتهم هذا !؟ ولمصلحة من   هذا السكوت المُخجل ؟! ، أليس من حقنا ان ندعو  روساء الكنائس كافة وقادة الأحزاب  والبرلمانيين الى مؤازرة الأب لويس ساكو في تصديه لهذه الهجمة التكفيرية ،  وعدم السكوت عن الاهانات والإساءات الموجهة قصدا الى اتباع الديانة المسيحية وخاصة في هذه الأيام المباركة.
 
ثالثا : يبدوا أن السيد مهدي صميدعي  تاثر بافكار ابن قيم الجوزية  وخاصة بكتابه ( احكام اهل الذمة ) لذلك استشهد به   وهو المفتي الاول  للعراق  وشيخ من مشايخ الاسلام  ولكن باستشهاده بأئمة التكفيرين ظهر بأن هذا الرجل  إما أنه جاهل او  ذو تكفيري داعشي  ، لكون ابن قيم احد التلامذة المقربين من ابن تيمية  وحامل فكره ، إضافة الى ذلك  كان  لابن قيم طيلة  حياته وفي  أفكاره عدة مواقف خالف بها تعاليم الفقه الاسلامي مما عرضه الى السجن  والاهانة من قبل القضاة ،   ( ضُرِبَ بالسوط وشهر به على الحمار )وان افكاره وفتاويه لا تصلح حتى للزمن الذي عاش فيه اي قبل سبعمائة عام من الان ،  يا ترى هل يحاول  مهدي الصميدعي  بعد فتواه الاولى عن أعياد الميلاد اذا ما مرت مر الكرام ، وهو مفتي الاول اعادة نظام الجزية ايضا على  الغير المسلمين في العراق؟  بصفتهم ( اهل الذمة )  نتيجة تأثره بفتاوى هذا التكفيري ابن قيم الجوزية  .
ولكن العجب كل العجب ان يتحول رئيس الوقف الشيعي علاء الموسوي الى مصحح لتاريخ وزمن ميلاد المسيح ويصف  الاحتفال بمولده بارذل العبارات ،  وهو لا يحمل اية شهادة لا مدرسية ولا دينية ،  وليس باحثا لا بالتاريخ ولا بالجغرافية والغريب ان خطبته هذه  تزامنت  مع خطبة المفتي ،  اي ان الشيعي والسني انقلبا وأتفقا لأول مرة في التاريخ  في محاربة مناسبات وأعياد  المسيحيين ، وعلاء الموسوي  هذا متهم اكثر من مرة بملفات الفساد وقد تخلص من اخر استجواب ضده من قبل البرلمان العراقي  في عام 2017 حول الفساد في ديوانه والمتهم به شخصيا بتدخل عمار الحكيم لانقاذه في اللحظة الاخيرة ، كونه مرشح الامام السيستاني ، ( اقرأ عنه في مقال للكاتب سليم الحسني في صوت العراق وعنوان المقال ( علاء الموسوي يستغل المرجعية الدينية )   فلا ضير من ذلك ياسيد علاء ,  سنسمح لك بان  تتهم المسيحيين وتسيء اليهم بعد ان تدافع عن نفسك ضد اتهامك بملفات الفساد ، والشاعر يقول 
(إذا جاءتك مذمتي من ناقص 
 فهي الشهادة لي بأني كامل)
 
رابعا : اغلب ما يتم توجيه الانتقاد من أئمة المسلمين وخاصة من قبل الشيعة هو ليس موجها الى الاحتفاء الكنسي  او توجيه التهاني بل بما تصاحب هذه الاحتفالات من وسائل البهجة والاحتفال بالموسيقى والغناء ، وكذلك هو موقف الكنيسة الكلدانية وعموم كنائس المشرق حيث تنتقد الاحتفال بميلاد المسيح خارج الصلاة والدعاء والقداديس ، ولكن موقف الوقف الشيعي خالف ذلك ، حيث لم يفرق رئيس الوقف بين الاحتفاء بميلاد المسيح كنسيا او توجيه التهاني باعياد المسيحيين وبين ما تصاحبه من احتفالات خارج الاطر الطقسية الكنسية ، وهذا براي ليست هفوة او ملاحظة عابرة وإنما الخطابات هذه  ، وخاصة في هذا العام ، تأتي بعد اندحار داعش في العراق ولكن أفكار وخطط داعش لضرب النسيج العراقي لا زالت فاعلة في مخيلة البعض من رجال الدين المسلمين والدليل على ذلك استشهادهم بافكار ابن القيم الجوزية  ، تلميذ ابن تيمية، وما معروف عن هذا النهج من التكفير والتخلف في فتاوى الفقه الاسلامي الذي يؤكد حامليه ومنهم الشيخ الصميدعي وعموم مقاتلي الحركات الاسلامية المتشددة وعلى رأسهم شيوخ ومقاتلي داعش بمحرمات وتكفير لا طاقة للإنسان بتحملها ،  حتى هي عبأ ثقيل على المسلمين انفسهم وخاصة في هذا العصر ، وقد اوردتُ بعض أفكار هذه الجماعات في شرحي لافكار ابن تيمية في ثلاثة مقالات كتبتها في عنكاوا كوم وموقع الحوار المتمدن ، يمكن الرجوع اليها لمعرفة ما فكر وعقيدة  هولاء الذين استشهد   بأحدهم  اكثر تطرفا سيادة مفتي الاول للعراق ( مهدي الصميدعي) لذلك يتوجب على رئاسة الوزراء والبرلمان العراقي التفكير بعزله وتعيين اخرين محله ممن يحملون الفكر الاخر المخالف للفكر الوهابي والتكفيري     

وبعد هذا العرض اود ان انشر ما ورد في البيان التوضيحي للبطريركية الكلدانية المنشور على موقع البطريركية  والذي نشرته معظم وكالات الأنباء والفضائيات  وهذا نصها  :
( المعروف عن رجل الدين من اي دين كان ان يدعو الى الاخوّة والتسامح والمحبة وليس الى الفرقة والفتنة. من  يتبنى كذا خطاب هو شخصية غير مكتملة!)
هذا الوصف لرجل دين وفي هذا الضرف للعراق يتطلب شجاعة فائقة ، وخاصة اذا صدر عن مرجع له مكانته الدينية والرسمية ، اي يُحسَب له الحساب ويعتبر مرجعا مهما وجاء في ساحة تشهد صراعا  طائفيا مقيتا ، ثم يستمر البيان حيث يعبر عن أسفه باطلاق مثل هكذا ادبيات ويصفها بالمستهلكة مطالبا الحكومة العراقية بمقاضاة مروجيها 
(انه من المؤسف ان نسمع  كذا ادبيات مستهلَكة بين حين وآخر.

لذا نطالب الحكومة العراقية الموقرة بمتابعة كذا خطابات ومقاضاة مروّجيها خصوصاً عندما تصدر من منابر رسمية.)

ثم يستعرض المفاهيم التي استند عليها مروجي الفتنة واصفا لها بانها خاطئة و.         ( خبيثة ) اي تلك التي تروج ضد الوجود المسيحي في وطنهم العراق .

ويختتمها بهذه العبارات القوية ةداعيا الى تعميق القواسم المشتركة في تحقيق العيش المشترك

(هذه مفاهيم خاطئة و”خبيثة” وبعيدة عن المعرفة الصحيحة بالاديان. فشعوبنا اليوم بحاجة الى تعميق القواسم المشتركة بما يُسهم في تحقيق العيش المشترك وليس التخوين والتكفير والحثّ على الكراهية) .