الدور السياسي للكنيسة الكلدانية في العراق (القسم الثاني)


المحرر موضوع: الدور السياسي للكنيسة الكلدانية في العراق (القسم الثاني)  (زيارة 835 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل رياض السندي

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 48
    • مشاهدة الملف الشخصي
الدور السياسي للكنيسة الكلدانية في العراق
(القسم الثاني)
د. رياض السندي

ثانيا. الفكر السياسي للكنيسة الكلدانية
تاريخيا، " كانت الكنيسة الكلدانية أول كنيسة شرقية تتّحد بروما سنة 1553، حيث إنشقت عن الكنيسة النسطورية".  وقد تناوب على رئاستها (18) بطريركا منذ 1553-2013. وآخر بطاركتها هو البطريرك الحالي مار لويس روفائيل ساكو الذي تم تنصيبه بطريركا للكنيسة الكلدانية في 1/2/2013. 
ومن المفترض إنها تعالج قضاياها ومن بينها مسألة تعاطي الكنيسة ورجالها السياسة، طبقا لتعليمات الكنيسة الكاثوليكية في روما.
وقد تطرق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني (1962-1965)   في الدستور الرعائي “الكنيسة في العالم المعاصر” إلى موضوع حياة الجماعة السياسية حيث خصص فصلاً كاملاً لهذا الموضوع بعنوان " الجماعة السياسية والكنيسة "، نقتبس منه الفقرة 76، التي تنص على ما يلي: -
76- إنه لفي بالغ الأهمية أن ننظر نظرة صحيحة إلى العلاقات بين الجماعة السياسية والكنيسة لا سيما في المجتمعات التعددية. ويجب أن نميز بوضوح تام بين الأعمال التي يقوم بها المؤمنون، أفراداً أم جماعات، بأسمهم الخاص، كمواطنين مسترشدين بضميرهم المسيحي، والأعمال التي يقومون بها بأسم الكنيسة وبالإتحاد مع رعاتهم.
نظراً إلى مهمة الكنيسة وصلاحيتها فهي لا تختلط بحال من الأحوال بالجماعة السياسية ولا ترتبط باي نظام سياسي. إنها العلامة والضمانة لما يمتاز به الشخص البشري من تسام ٍ.
فالجماعة السياسية والكنيسة مستقلتان، لا ترتبط الواحدة بالأخرى في الحقل الخاص بكل منهما. غير أنهما تقومان، وإن بأدوار مختلفة، بخدمة الدعوة الفردية والإجتماعية للناس ذاتهم. وإنهما لتقومان بهذه الخدمة لخير الجميع وبمزيد من الفاعلية، بقدر ما تحاولان دائماً أن تتعاونا تعاوناً صحيحاً نسبة إلى ظروف الزمان والمكان أيضاً. 
والنقطة الأهم في هذه الرسالة الكنسية الكاثوليكية، هو التفريق بين المؤمنين (المسيحيين) في الحياة السياسية، ودورهم فيه، وبين الكنيسة (رجال الدين) ودورهم فيها، مشدّدة على إن دور الكنيسة يختلف عن دور الجماعة السياسية، ويجب التمييز بينهما، لإن "الكنيسة لا ترتبط بأي نظامٍ سياسي".
"وتُحضِر الكنيسة الكاثوليكية التدخل في الشأن السياسي وتعتبرها مهمة قاصرة على العلمانيين. وقد جاء هذا الحظر في التعليم الكاثوليكي المسيحي البند 2442:
 ليس من اختصاص رعاة الكنيسة التدخل المباشر في البناء السياسي وتنظيم الحياة الاجتماعية. فهذه المهمة جزء من دعوة المؤمنين العلمانّيين، العاملين بمبادرتهم الخاصة مع أجل مواطنيهم. ويمكن أن يكون للعمل الاجتماعي ُسُبل واقعية متعددة. ويجب أن يكون أبدا لأجل الخير العام ومتوافقا مع الرسالة الإنجيلية والتعليم الكنسي. ويعود إلى المؤمنين العلمانيين "أن يُحيوا الشؤون الزمنية بغيرة مسيحية، وأن يسلكوا فيها َكفعلة سلم وعدالة." 

وقد طرح موضوع العلاقة بين الكنيسة والسلطة بشكل مثير للجدل بعد تقلُد لويس ساكو منصب بطريرك بابل على الكلدان في عام 2013، وبعد أ، تخلى، عمليا، عن مفهوم الفصل بين الكنيسة والسياسة التي أعلنها عقب توليه المنصب مباشرة.
فثارت الإنتقادات من أتباع الكنيسة الذين لم يَعهدوا أن يمارس رجال الكنيسة الكلدان هذا الدور السياسي، والذي لعِبَته الكنيسة الأثورية عند تشكيل الدولة العراقية بداية القرن العشرين ودفعت هي وأتباعها ثمناً باهضاً في تصدي الجيش العراقي لهم في مأساة سميل عام 1933. بينما إرتأت الكنيسة الكلدانية أن تنأى بنفسها عن دهاليز السياسة وتقلباتها، وهذا ما جنبها هي وأتباعها صدمات السلطة طيلة أكثر من 80 عاماً. إلا أنها بعد عام 2003 وإثر سقوط نظام صدام حسين، وبتشجيع من الأمريكان ومجاراة لرجال الدين المسلمين وخاصة الشيعة منهم، لذا فقد قررت دخول المجال السياسي منذ اليوم الأول، وسعى المطران عمانوئيل دلِّي إلى الإشتراك في مجلس الحكم المؤقت، إلا أن الحاكم المدني الأمريكي في العراق بول بريمر رفض ذلك. 
وبعد موجة الإنتقادات الكثيرة للكنيسة الكلدانية وموقفها من السياسة والسلطة، الذي يبدو في ظاهره متناقضاً لباطنه. فعلى الرغم من كثرة الإدعاءات بعدم التدخل في السياسة ولعب دور سياسي، إلا أن الواقع يكشف خلاف ذلك. وخير دليل على رغبة الكنيسة في ممارسة السياسة ولعب دور سياسي متميز على صعيد السلطة، هو التنظير السياسي الذي يقدمه البطريرك الكلداني ذاته، ويعززه عدد من الكتاب المسيحيين الموالين للبطريرك والمبررين لمواقفه. وقد إنطلقوا يبّررون تدخل رجل الدين في السياسة بحجج وذرائع شتى. إن من يتصفح موقع البطريركية الكلدانية سيجد عدد لا بأس به من أمثال هؤلاء الدُعاة ووعاظ السلاطين.
وفي هذا المجال فقد دبَّج البطريرك الكلداني ساكو أو إعلام البطريركية عدد من المقالات حول ذلك، منها:-
1.   توضيح حول دور البطريركية الكلدانية وتحركاتها
"من المؤسف أن نسمع من بعض رؤساء الكنائس في بغداد انتقادات حول تحركات غبطة البطريرك الكلداني وزياراته وتصريحاته.
البطريرك ساكو يمثل أكبر كنيسة مسيحية في البلد، له أبرشيات لا توجد للكنائس الأخرى، ولو كشفنا عن احصائياتها لصدم المنتقدون. للكلدان في العراق إمكانيات بشرية ومالية وثقافية وسياسية وبإمكانهم التفرد بها، لكنهم مسيحيون منفتحون وغير متعصبين ويساعدون الكل من دون النظر إلى هويتهم، الكل يعلم ماذا قدمت الكنيسة الكلدانية للمهجرين والبطريرك نفسه دعا عدة مرات إلى الوحدة والى تشكيل مرجعية سياسية مسيحية!" 

2.   المشهد السياسي المسيحي في العراق
"كان قد طرح غبطة البطريرك ساكو منذ بداية تسنمه لمسؤوليته مشروع تكوين مرجعية سياسية علمانية موحدة للمسيحيين على قاعدة الكفاءة. هذا الطرح رفض بحجة إن المسيحية ديانة وليست قومية؟ وكلما بادر لجمع شملهم برزت الاختلافات والتوجهات المنفعية الذاتية الشخصية أو القومية.". 

3.   جدل الكنيسة والسياسة والموقف المبدئي
" الكنيسة والسياسة موضوع لا غرابة يثير الجدل، وقد تكتنفه الضبابية، عندما تطلق الآراء بشتى الاتجاهات وعلى مختلف المستويات. وتأتي كتابة هذا المقال من موقع بطريركي مسؤول، لنوضح الرؤية للقارئ الكريم، وخصوصا لأبناء كنيستنا الأحبة، من حيث الموقف المبدئي من هذا الجدل والتعامل الكنسي التراتبي معه... للمسؤول الكنسي الأعلى كلمته وموقفه ومن باب أولى في أوقات الأزمات، وذلك للدفاع عن الشعب وحقوقه. ولكن أين يكمن الفساد؟ " 

4.   الكنيسة والشأن العام   (السياسة)
"الكنيسة تتدخل عندما يتعلق الأمر بالبلد والناس في قضايا مصيرية. وصمتها غير مقبول في مثل هذه الحالات!! ومن حق الكنيسة التدخل في الشؤون العامة وممارسة تأثيرها الإيجابي على الوضع العام. ويجب أن تكون للكنيسة كلمة في الشأن العام Res publica   كالتغييرات الجادة التي طرأت على المجتمع في مجالات عدة، وما نتج عنها من ظلم وإرهاب وإجحاف. إن الضرر الذي لحق بالمسيحيين خلال السنوات الماضية، رغم أنهم سكان البلد الأصليون، كان فادحاً، بتهجيرهم من أرض أجدادهم وتهميشهم ومسح معالمهم مما إضطرهم إلى ترك البلاد وتسبب في تقليص عددهم من المليون والنصف إلى نصف المليون.  إنها مأساة إنسانية حقيقية." 

5.   توضيح حول ما سُمّي بـتدخل الكنيسة في السياسة (الترشيحات)
" صدرت عن بعض الأشخاص والجهات الحزبية المسيحية تعليقات غير مسؤولة ومستفزة، وتفتقر إلى اللياقة الأدبية في موضوع تدخل الكنيسة في الشأن السياسي.
إن الكنيسة تهتم بالشأن العام وهو جزء مهم من رسالتها لخير الناس وحفظا لحقوقهم وكرامتهم، كما فعل المسيح ويفعل البابوات.
الكنيسة ليست بديلاً للدولة، ولا موازية لها، وإنما هي جزء من المجتمع وتسعى للشراكة الفاعلة من اجل تحقيق العدالة وتطبيق القوانين واحترام حقوق كل إنسان. ولما قال يسوع بشأن العُملة التي قدمت له: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” (متى 22/21) إنما قصد: أعطوا الضرائب لقيصر وهذا حقه، واعطوا ما لله حقه إي الطاعة وممارسة المحبة والرحمة والغفران تجاه بعضنا البعض." 
 وفي تصريح أخر صدر عنها في 24/12/2018 ما يتناقض تماما مع هذا التوجه، ويبين بأن لا علاقة للكنيسة بترشيح وزراء. 
والواقع أن الشأن العام هو مصطلح فضفاض يسرى على جميع المسائل ذات الاهتمام أو القلق المشترك، وتنصرف للسياسة والإعلام، والمسائل الإجتماعية والصحية والإقتصادية. فأسعار البترول هي شأن عام، ومرض الإيدز وغيره من الأوبئة هي شأن عام أيضا.
وكانت الحركات الإسلامية من أوائل من إستخدم هذا المصطلح للتدخل بالسياسة، لهذا ظهر نوع جديد من الفقه سُمّي ب (فقه الشأن العام). "يستند على موقف أبو حامد الغزالي الذي يرى إن صلاح الدين مؤسس على صلاح الدنيا وليس العكس... لأنه الإسلام أصول وفروع، السياسة من الفروع إذن لا يمكن أن نقطع الصلة بين السياسة وبين الدين، نحن نقول هناك سياسة شرعية ولذلك الحديث عن إنه تسييس الدين وتسييس الدين هذا خطأ، هذا كلام يريد أن يحول الإسلام إلى نصرانية تدع مال قيصر ومال الله لله، ... ويقصد بالشأن العام، التدابير التي تجعل الحياة حياة إسلامية سليمة، هذا معنى الشأن العام." 
ولكن ألا يُحَوّل تدخل رجل الدين المسيحي بالسياسة، المسيحية إلى الإسلام؟
إنتهى القسم الثاني ويليه القسم الثالث والأخير.