قراءة في رواية ( ما بعد الجحيم ) صرخة مدوية ضد الحروب ومشعليها


المحرر موضوع: قراءة في رواية ( ما بعد الجحيم ) صرخة مدوية ضد الحروب ومشعليها  (زيارة 226 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل جمعه عبدالله

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 377
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
قراءة في  رواية ( ما بعد الجحيم ) صرخة مدوية ضد الحروب ومشعليها
يقتحم الاستاذ ( حسين سرمك ) الموسوعي في خبرته الواسعة في الجوانب التالية  ( طبيب . ناقد . أديب . مفكر ) عالم الرواية من اوسع ابوابها الابداعية . في تقديم رواية نوعية في انجازها الابداعي المدهش . رواية غير تقليدية , بل اعتقد انها افضل نتاج روائي من أدب الحرب . رواية صادمة تصدم القارئ من أول وهلة , ويدخل في مناخها المرعب في السريالية المدمرة , يعيش اعماق كوابيسها السوداء , المفزعة والمروعة , ويستفز بالسؤال الصادم . ماذا بعد الجحيم ؟ أنها روية مختلفة في الطرح وتحليل وتشخيص ,   آثار الحرب المدمرة , بالجرأة والشجاعة التي عرف بها الاستاذ ( حسين سرمك ) . بالرؤية الفكرية الموضوعية , التي تسلط الضوء الكاشف , في بانوراما الحرب المدمرة بالموت والهلاك , والاحباط النفسي , الذي يقود الى الجنون , في تدمير الانسان من الداخل , ان يجعله فريسة الكوابيس السوداء , ان يخرج من طور  عقله السوي الى طور  الجنون والعدوانية , الى المعاناة التي تحطم وتفتت الحديد والصخر . لذلك يسلط الضوء برؤية طبيب نفسي , سايكولوجية دمار الانسان   , ان يكون مثالب الصراع الاحباط والانكسار في الانهزام والتقوقع في شرنقة  الذات المضغوطة  من اثار الحرب , التي هي هلاك للانسان والحياة والمجتمع معاً , ان يدخلهما  في سريالية مدمرة , تنسفه نحو الدمار والمعاناة , في السلوك والتصرف ,  والتعامل في جزئيات الحياة وتفاصيلها . لاشك ان الاستاذ الموسوعي ( حسين سرمك ) استثمر واستغل  بذكاء وفطنة فذة, معاناة الحرب من افواه التي عانت الجحيم , لكي  يجسيد هذه الاهوال البشعة في المتن السردي  ,ان قصص الحرب المدمرة   تخلق اضطرابات وصراعات  نفسية قلقة وعدوانية وانطوائية كابوسية  , تجعل الفرد   يفقد بوصلة العقل  . لاشك ان وظيفته كطبيب نفسي , لابد وان مروا على عيادته الطبية , مئات من  الحالات المماثلة  , بالاحباطات النفسية المدمرة , يشكون فيها من  الصراع والخناق  النفسي المهلك . يجعلهم يتصرفون بغرابة , تجاه محيطهم ,   وتعاملهم القاسي  حتى مع عوائلهم, ان يدخلوا في نزق الجنون والتعامل القاسي بالخشونة في تصرفاتهم  , حتى مع  اقرب الناس اليهم , او الى احب الناس اليهم . مثل تصرفات الجندي ( شامل) الذي عانى الاهوال والويلات من سنوات الحرب الطويلة في جبهات الحرب  , ان يفقد عاطفته وحنانه وحبه الابوي و مع عائلته وزوجته ( صديقة ) رغم ما يملك من  الحب والحرص الكبير كامن في داخله , ولكن نوازع القسوة والخشونة , تفتت حبه الكبير الى أبنه ( احمد ) والى زوجته ( صديقة ) التي يعتبرها قديسة ( هذه اليد المقدسة , أضعها على رأس . أنتِ البركة يا صديقة المقدسة ) وبدواعي الحرص الشديد  على مستقبل أبنه ( احمد ) يتفجر بسلوك فظ وخشن تجاهه , ويفقد صفاء العقل والتعامل الحسن   . لكنه حين يعود الى رشده , وتختفي صور الحرب الماساوية  من ذهنه  , تلعب في ذهنه  الرقة الانسانية والصفاء الروحي تجاه عائلته . ويحاول ان يكيف نفسه  , لا شك الغياب الطويل عن عائلته , الذي يفيض بالشوق الحارق اليهم , وكذلك يلعب دور حرمانه الجنسي , بتواجده الطويل في خنادق الموت , وتلعب به الشهوة الجنسية الحادة الى زوجته , فيكون لقاء الحب والمعاشرة الزوجية , لتفريغ شهوته الجنسية الملتهبة  , فيحتضن زوجته ( صديقة ) بلهفة مرهفة , ويقول لها بدلال ( - سأمزقك اليوم ) ( - أرجوك ,  اجل الموضوع الى الليل ) ( - جئت من الموت وأنتِ تطلبين التأجيل .... مستحيل ) ( - اذن , انهي الامر بسرعة ... فدو ... الاطفال يحسون ) ( - أي أطفال ؟ سبعة واربعون يوماً في المعركة ولا رفيقة لي سوى البطانية العسكرية ) يقول هو يفح بشهوته الغريزية  ( - كيلو حليب صافي ) ( - نزول عليك . كنت أظن ان الحرب سوف تعقلك ) ( - من الذي سلب عقلي غيرك ؟ تعالي )  . ولكن حين يفرغ شهوته الجنسية , ينزوي ويجهش في البكاء , بفعل الصدمات المفجعة ,  من اهوال وبشاعة الحرب المهلكة والمأساوية  , تجعله يتقوقع في اليأس والاحباط والانكسار النفسي والروحي المهزوم  . من المشاهد المروعة التي لا يحتملها العقل . من الجثث المتفحمة المتناثرة  حول خنادق الموت , لتكون في نهاية المطاف طعما للكلاب السائبة , كأنه يعيش في عالم من  الكوابيس المرعبة , لقد صدمت روحه من  المشاهد المرعبة (لقد صدأت روحه من مناظر الجثث المتفحمة من الموت والدمار , الذي عصف بحياته في الجبهة . كأن جنوناً ويوم قيامة , وليس معركة سبعة واربعون يوماً من الجنون الدامي . منْ يقول ان الانسان لديه عقل ؟  ) , تصرعه هذه الكوابيس وتخرجه عن طوره السوي , الى الجنون السريالي في عدوانيته  ( أنا مجنون واحارب في ( مجنون ) واتعامل مع مع مجنونة , ولي ولد مجنون . أعيش في عالم الجنون ) لذلك يطرحه هذا الارهاق النفسي الصادم  , ويعجز في التعامل والتكيف الحياتي مع الواقع  , ومع عائلته , ويحاول الهروب من هذا العالم المرهق والمؤلم بالضغط النفسي الهائل من الصدمات النفسية التي تنهكه وترهقه بعذابها  , كأنها  ترافقه كظله  , بان يتخذ معاشرة الخمرة وسيلة للخلاص والهروب , لكنها توقعه في ازمة متوترة جداً مع عائلته , يتفتت في اعماقه , ولا يعرف كيف يتصرف , بل يعاني الاحتقار الروحي ( أريد ان اسكر , اريد اهين هذا الجسد المتجبر . احتقر هذا الجسد ) هذه تأثيرات الحرب المدمرة , ان تجعل الحياة تافهة وحقيرة ورخيصة . حياة لا تطاق يتفتت بها الصخر والحديد , لانها تنتهي في طوافات  بالعذاب والموت المجاني  , تصبح الحياة عديمة لا ضمان لها , بل ان الكلاب السائبة حياتها ,  هي افضل من حياة  الجنود في خنادق الموت والدمار . ان الجندي ( شامل ) يعاني الصدمة المروعة والهائلة في تصدع روحه وفتتها , بفعل  موت صديقه الجندي  الشاعر ( سلام ) قرين روحه يواسيه في خنادق الموت , في مداولات  بالشعر والادب. لكن فجأة تخطفه قذيفة طائشة , تحوله الى اشلاء متفحمة , وتتفسخ جثته حول الخندق , وتصبح طعماً للكلاب السائبة . ولم تفارق ذهنه الصورة المروعة والبشعة , صورة الكلب الاسود , الذي نهش الجثة , ويسحب مصران ( سلام ) لعدة امتار , هذا الفزع المرعب ,  يتصور  بأنه لا محالة  ينتظر  ابنه ( احمد ) الذي فشل في دراسته , واذا رسب سيساق حتماً ,  الى الخدمة العسكرية , ويذهب الى جبهات الموت , ليكون بعد ذلك طعماً للكلاب السائبة , انه لا يتحمل هذا المصير المرعب والاسود الذي  ينتظر أبنه  ( احمد ) , لذلك يشدد في قسوة معاملته الخشنة الى العدوانية المفرطة  , رغم ما يحمل من  حب وحنان ابوي له , فكان في خلوته في خندق الموت , يخرج صوة ابنه ( احمد ) ويجهش في البكاء المر , لانه يدرك بأن أبنه , سيفشل في الامتحان ويرسب في سنته الدراسية الاخيرة , فيساق الى جبهات الموت , وهو شاب غض وصغير وغرير  , لهذا فأنه يعامله من دافع الحرص الابوي , لكي يحاول ن يجنبه المصير الاسود الذي ينتظره  , لكن في معاملة عدوانية قاسية ,  تفشل وتخفق  في مرامها  , ويعترف ان بفشل محاولاته  في تجنب ابنه المصير الاسود . فيبتعد عن عائلته ولا يزورها في الاجازات , حتى يرسل الراتب بيد الجنود  , فقد اتخذ قراراً  ان يبتعد عن عائلته , لان معاملته القاسية , اصبحت لاتطاق له ولهم  , رغم انه يؤنب نفسه , بأنه يقترف اسلوب  المعاملة العدوانية , تجاه عائلته وابنه , وانه يحملهم عبء  وذنوب فوق طاقتهم ,  دون وجه حق . و ( شامل ) لم يعرف بأن زوجته مصابة بالسرطان وتعالج بالكيمياوي ,انه في الفترة الاخيرة اخذ ينتشر في جسمها  رغم العلاج الكيمياوي  , فقد اخفت عنه خبر مرضها بالسرطان , حتى لا تزيد احمالاً اخرى في  همومه ومعاناته في خنادق الموت   .  وزوجته ( صديقة ) تدرك حجم الحب الكبير الذي يكنه لها والى ابنه ( احمد )  , وتعرف انها وحيدة ويتيمة , ليس لها في الدنيا معين ونصير , سوى زوجها , وابنها ( احمد ) وأبنتها الصغيرة ( سناء ) . لذلك تدعو يومياً في صلاتها  الله ان يحفظه  ويعيده  سالماً من جبهات الموت . ويحاول ( احمد ) اصلاح علاقته مع ابيه , بعد سيق الى جبهة الحرب في ( بنجوين ) وتكتب ( صديقة ) الى زوجها , بأن ( احمد ) اصبح رجلاً شهماً ذو ادب واخلاق عالية , وانه قرأ كتبه   , واصبح اديب مرموق ينشر قصصه في الجرايد  , ويتمتع باحترام الناس , في سلوكه الطيب وانه يسعى الى  مواصلة  دراسته . وان لابد للعائلة ن تجتمع سوية,  وان يعيد أليها الوئام والصفاء العائلي  ,  بفتح صفحة جديدة من التفاهم , وتمتلك رغبة اللقاء الحميم والحار ,  بين الاب والابن , فيسافر الابن الى ابيه في الجبهة الجنوبية الى ( مجنون ) ويسافر الاب في نفس الوقت , الى ( بنجوين ) لملاقاة ابنه الحبيب ,  لكن القدر الاسود كان لهما بالمرصاد في الاستهتار بالجنون السريالي   , في قذيفة طائشة تحول الاب الى اشلاء متفحمة , ونفس القذيفة الطائشة كانت بالمرصاد الى ابنه لتحوله ايضاً الى اشلاء متفحمة , في الموت العبثي والمجاني , ان يمزق حياتهما الى الابد , والنهاية بعد الجحيم ,  لايتوقف مسلسله المرعب والسريالي  , بأن ( صديقة ) , تستعد لمواجهة الموت المحتوم , بعد تغلب عليها مرض السرطان . في نهاية تراجيدية للجحيم  ( صديقة القديسة أكملت صلاة الشكر مع بزوغ شمس الصباح الجميلة , وضعت المصحف الذي بللته دموعها تحت وسادة صغيرتها , ونزعت ثوب الصلاة الابيض  الواسع الطهور , ولبست دشداشة ملونة بزهور حمراء كبيرة , واشعلت البخور وفتحت الشبابيك والابواب , استعداداً للقاء الحاسم , الذي صممته الحرب ) .
هذه فاجعة الاحزن في ملحمة ما بعد الجحيم , في سريالتها الجنونية , التي تتطابق في التشابه والتطابق ,  مع ملحمة الجحيم العراقي , الذي نعيشه اليوم , بأن العراق مصاب بمرض السرطان في جميع انحاء جسمه , ولا يفيده العلاج الكيمياوي  , بل انه يسير الى الموت المحتوم , ولكن يستفز السؤال الكبير . ماذا بعد الجحيم ؟؟!!
جمعة عبدالله