من حكايات جدتي ... التسعون الصياد والعفريت


المحرر موضوع: من حكايات جدتي ... التسعون الصياد والعفريت  (زيارة 375 مرات)

0 الأعضاء و 2 ضيوف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل بدري نوئيل

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 128
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
من حكايات جدتي ... التسعون
الصياد والعفريت
بدري نوئيل يوسف
اجتمعنا حول مدفئة النفط القديمة، وقد وضعت جدتي على رأس المدفئة قطعة من النحاس ووضعت بداخلها البلوط وتنتظر حتى يستوي أي ينطبخ وتعطيه بعد أن يبرد علاجا للاضطرابات الامعاء وعلاج للإسهال للأطفال المصابين. كما تقوب يستخدم ثمار البلوط لعلاج مرض حموضة المعدة عن طريق اكلها. يُمكن الاستفادة من مغلي ورق البلوط لعلاج التهابات الفم وآلم الأسنان عند استخدامه كغرغرة.
سأل أحدنا جدتي: رأيت أم البنات جارتنا شاحبة الوجه لا تقدر على حمل بنتها الصغيرة.
قالت جدتي: جارتنا مريضة اصيبت بهذا المرض الذي لا علاج له بعد ولادة بنتها التاسعة، وهو مرض الغم والهم.
اسمعوا هذه الحكاية حتى تعرفوا ما هو المرض: كان أحد الملوك القدماء سمينا كثير الشحم واللحم، يعاني من زيادة وزنه، فجمع الحكماء لكي يجدوا له حلا لمشكلته، ويخففوا عنه قليلا من شحمه ولحمه، لكن لم يستطيعوا أن يعملوا للملك شيء.
جاء رجل عاقل حكيم إلى قصر الملك، وعرض الملك عليه أن يعالجه ويعطيه كل ما يريد.
قال الرجل: أنا حكيم ومنجم، دعني حتى أنظر الليلة في طالعك، لأرى أي دواء يصلح لك.
فلما أصبح جاء إلى ديوان الملك وقال له: أيها الملك اعطيني الأمان.
فلما أمنه، قال الحكيم: رأيت طالعك يدل على أنه لم يبق من عمرك غير شهر واحد، فإن اخترت عالجتك وإن أردت التأكد من صدق كلامي فاحبسني عندك، فإن كان لقولي حقيقة اتركني، وإلا فاقتص مني.
طلب الملك من وزيره أن يحبسه، ثم أحتجب الملك عن الناس وبقى وحده مغتما، فكلما انسلخ يوم ازداد هما وغما حتى هزل وخف لحمه ومضى على ذلك ثمان وعشرون يوما، طلب الملك من الوزير أن يخرج الحكيم من السجن، بعدما أخرجه قال له الملك: انظر إلى حالي؟
قال الحكيم: أعز الله الملك، أنا أهون على الله من أن أعلم الغيب، والله إني لا أعلم عمري فكيف أعلم عمرك. ولكن لم يكن عندي دواء إلا الغم فلم أقدر أجلب إليك الغم إلا بهذه الحيلة فإن الغم يذيب الشحم.
فأجازه الملك على ذلك وأحسن إليه غاية الإحسان، وذاق الملك حلاوة الفرح بعد مرارة الغم.
أرجو من الله أن تذوق أمتنا الفرح بعد كل هذا الغم الذي نعيشه اليوم.
نعود لحكايتنا اليومية: رجل صياد كان طاعناً في السن وله زوجة وثلاثة أولاد، وهو فقير الحال، وكان من عادته أنه يرمي شبكته كل يوم أربع مرات لا غير، خرج يوماً من الأيام في وقت الظهر إلى شاطئ البحر، وطرح شبكته وصبر إلى أن استقرت في الماء ثم جمع خيوطها فوجدها ثقيلة، فجذبها فلم يقدر على ذلك فذهب إلى البر ودق وتداً وربطها فيه ثم تعرى وغطس في الماء حول الشبكة، وما زال يعالج حتى أطلعها ولبس ثيابه وأتى إلى الشبكة فوجد فيها حماراً ميتاً، فلما رأى ذلك حزن، قائلا مع نفسه: أن هذا الرزق عجيب.
ثم أن الصياد لما رأى الحمار ميت خلصه من الشبكة وعصرها، فلما فرغ من عصرها نزل البحر ثانية، وطرحها فيه، وصبر عليها حتى استقرت، ثم جذبها فثقلت ورسخت أكثر من الأول، فظن أنه سمك ربط الشبكة وتعرى وغطس، ثم عالجها إلى أن خلصها وأطلعها إلى البر فوجد فيها زيراً كبيراً، وهو ملآن برمل وطين فلما رأى ذلك تأسف. ثم إنه رمى الزير وعصر شبكته ونظفه،ا وعاد إلى البحر مرة ثالثة ورمى الشبكة، وصبر عليها حتى استقرت وجذبها فوجد فيها شفافة وقوارير.
ثم أنه رفع رأسه إلى السماء وقال اللهم أنك تعلم أني لم أرم شبكتي غير أربع مرات، وقد رميت ثلاثا، رمى الشبكة في البحر وصبر إلى أن استقرت وجذبها فلم يطق جذبها، وإذا بها تعلقت في الأرض فتعرى وغطس، عليها وصار يعالج فيها إلى أن طلعت على البحر وفتحها فوجد فيها قمقما من نحاس أصفر وفمه مختوم برصاص عليه طبع خاتم سيدنا سليمان، فلما رآه الصياد فرح وقال: هذا أبيعه في سوق النحاس فإنه يساوي عشرة دنانير ذهبا ثم حركه فوجده ثقيلاً فقال: لا بد أني أفتحه وأنظر ما فيه ثم اضعه في الخرج حتى أبيعه في سوق النحاس، أخرج الصياد سكينا، وعالج في الرصاص إلى أن فكه وحطه على الارض وهزه لينكث ما فيه فلم ينزل منه شيء ولكن خرج من ذلك القمقم دخان صعد إلى السماء ومشى على وجه الأرض فتعجب غاية العجب وبعد ذلك تكامل الدخان، واجتمع ثم انتفض فصار عفريتاً رأسه في السحاب ورجلاه في التراب برأس كالقبة وأيدي كالمداري ورجلين كالصواري، وفم كالمغارة، وأسنان كالحجارة، وأنف كالإبريق، وعينين كالسراجين، أشعث.
فلما رأى الصياد ذلك العفريت ارتعدت فرائصه وتشبكت أسنانه، ونشف ريقه وعمي عن طريقه فلما رآه العفريت قال: لا تقتلني فإني لا عدت أخالف لك قولاً وأعصى لك أمراً، فقال له الصياد: أيها المارد أتقول سليمان نبي الله، وسليمان مات من مدة ألف وثمانمائة سنة، ونحن في آخر الزمان فما قصتك، وما حديثك وما سبب دخولك إلى هذا القمقم. فلما سمع المارد كلام الصياد قال: أبشر يا صياد، فقال الصياد: بماذا تبشرني فقال بقتلك في هذه الساعة أشر قتلة، قال الصياد: تستحق على هذه البشارة يا عفريت زوال الستر عنك، لأي شيء تقتلني وأي شيء يوجب قتلي وقد خلصتك من القمقم ونجيتك من قرار البحر، وأطلعتك إلى البر، فقال العفريت: قول لي أي موتة تموتها، وأي قتلة تريدها، قال الصياد ما ذنبي حتى يكون هذا جزائي منك.
قال العفريت اسمع حكايتي يا صياد، قال الصياد: قل وأوجز في الكلام فإن روحي وصلت إلى قدمي. قال اعلم أني من الجن المارقين، وقد عصيت سليمان بن داود وأنا صخر الجني فأرسل لي وزيره آصف ابن برخيا فأتى بي مكرهاً وقادني إليه وأنا ذليل على رغم أنفي وأوقفني بين يديه، فلما رآني سليمان استعاذ مني وعرض علي الإيمان والدخول تحت طاعته فأبيت، فطلب هذا القمقم وحبسني فيه وختم علي بالرصاص وطبعه بالاسم الأعظم، وأمر الجن فحملوني وألقوني في وسط البحر فأقمت مائة عام وقلت في قلبي كل من خلصني أغنيته إلى الأبد فمرت المائة عام ولم يخلصني أحد، ودخلت مائة أخرى فقلت كل من خلصني فتحت له كنوز الأرض، فلم يخلصني أحد فمرت علي أربعمائة عام أخرى فقلت كل من خلصني أقضي له ثلاث حاجات فلم يخلصني أحد فغضبت غضباً شديدا،ً وقلت في نفسي كل من خلصني في هذه الساعة قتلته ومنيته كيف يموت، وها أنك قد خلصتني ومنيتك كيف تموت. فلما سمع الصياد كلام العفريت قال: يا الله العجب أنا ما جئت أخلصك إلا في هذه الأيام، ثم قال الصياد للعفريت، اعف عن قتلي يعف الله عنك، ولا تهلكني، يسلط الله عليك، من يهلكك. فقال لا بد من قتلك، اختار أي موتة تموتها فلما تحقق ذلك منه الصياد راجع العفريت وقال اعف عني إكراماً لما أعتقتك، فقال العفريت: وأنا ما أقتلك إلا لأجل ما خلصتني، فقال الصياد: يا شيخ العفاريت هل أصنع معك مليح، فتقابلني بالقبيح ولكن لم يكذب المثل حيث
فلما سمع العفريت كلامه قال لا تطمع فلا بد من موتك، فقال الصياد هذا جني، وأنا إنسي وقد أعطاني الله عقلاً كاملاً وها أنا أدبر أمراً في هلاكه، بحيلتي وعقلي وهو يدبر بمكره وخبثه، ثم قال للعفريت: هل صممت على قتلي قال نعم، فقال له بالاسم الأعظم المنقوش على خاتم سليمان أسألك عن شيء وتصدقني فيه، قال نعم، ثم إن العفريت لما سمع ذكر الاسم الأعظم اضطرب واهتز وقال: اسأل وأوجز، فقال له: كيف كنت في هذا القمقم، والقمقم لا يسع يدك ولا رجلك فكيف يسعك كلك، فقال له العفريت: وهل أنت لا تصدق أنني كنت فيه فقال الصياد لا أصدق أبداً حتى أنظرك فيه بعيني.
لما قال الصياد للعفريت لا أصدقك أبداً حتى أنظرك بعيني في القمقم فانتفض العفريت وصار دخاناً صاعداً إلى الجو، ثم اجتمع ودخل في القمقم قليلاً، حتى استكمل الدخان داخل القمقم وإذا بالصياد أسرع وأخذ سدادة الرصاص المختومة وسد بها فم القمقم ونادى العفريت، وقال له: اختار أي موتة تموتها لأرميك في هذا البحر وأبني لي هنا بيتاً وكل من أتى هنا أمنعه أن يصطاد وأقول له هنا عفريت وكل من أطلعه يبين له أنواع الموت يخبره بينها. فلما سمع العفريت كلام الصياد أراد الخروج فلم يقدر ورأى نفسه محبوساً ورأى عليه طابع خاتم سليمان وعلم أن الصياد سجنه وسجن أحقر العفاريت وأقذرها وأصغرها، ثم أن الصياد ذهب بالقمقم إلى جهة البحر، فقال له العفريت لا، لا فقال الصياد: لا بد لا بد فلطف المارد كلامه وخضع وقال ما تريد أن تصنع بي يا صياد، قال: ألقيك في البحر إن كنت أقمت فيه ألفاً وثمانمائة عام فأنا أجعلك تمكث إلى أن تقوم الساعة، أما قلت لك أبقيني يبقيك الله ولا تقتلني يقتلك الله فأبيت قولي وما أردت إلا غدري فألقاك الله في يدي فغدرت بك، فقال العفريت افتح لي حتى أحسن إليك فقال له الصياد تكذب يا ملعون، ابقى في هذا المصباح النحاسي حتى تقيم الساعة.