مُصَلّي وسكارى*


المحرر موضوع: مُصَلّي وسكارى*  (زيارة 389 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل محمد علي الشبيبي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 142
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
مُصَلّي وسكارى*
« في: 19:41 03/02/2019 »


مُصَلّي وسكارى*
للمربي الراحل علي محمد الشبيبي
1913-1997



مقدمة لابد منها
سبق ونشرت لوالدي علي الشبيبي -طيب الله ثراه- مجموعتين قصصيتين (السر الرهيب) و (هذا من فضل ربي). ومن اليوم سأسعى لنشر مجموعة الوالد القصصية الثالثة بعنوان (وادي الأحلام) وهي 17 قصة وحكاية، كتبها -كما أعتقد- ما بين عام 1930-1938، وهي من بدايات محاولات الوالد في الكتابة القصصية. إن أفضل ما أقدمه لذكرى والدي هو العمل على نشر تراثه. هذه الأمنية التي كانت تراوده طيلة حياته لكن الظروف السياسية القاسية وانعكاسها على وضعه العام -من فصل، وملاحقات واعتقال، وسجون، وتبعات أخرى- كانت حائلا جديا لعدم تمكنه من طباعة ونشر مخطوطاته، مع العلم أنه نشر الكثير -الممكن- منها في بعض الصحف العراقية والعربية.
وعن مجموعته هذه -وادي الأحلام- كتب والدي التعليق أدناه، وقد نشرته خطأ في مقدمة المجموعة السابقة (هذا من فضل ربي)، لذلك أعتذر عن هذا الخطأ. ومع هذا أجد أن التعليق صالحا لكل مجموعاته القصصية والأدبية الأخرى.  لذلك وجدت من الضروري نشر تعليقه لأنه يعطي صورة متكاملة عن محاولات الوالد في كتاباته وتطور اسلوبه وتفكيره، وهو يكتب عن كل ذلك بتواضع وصدق. فكتب الوالد بتاريخ 17/10/1966 في إحدى مخطوطاته الملاحظة التالية عن قصصه:
((هذه مواضيع كتبتها في أول شبوبي (بين اعوام 1930-1938 كما استنتج من ملاحظات الوالد وبعض التواريخ/ الناشر)، وفي ظروف ما كنت فيها ذا نهج معين. فأنا أتلقف ثقافتي من مصادر مختلفة. أبي وأصحابه من جهة، وأساتذتي الذين أدرس بحضرتهم، الفقه وأصوله، العربية وآدابها[1]. ومن جهة ثانية أندية النجف ومجالسها وما تتضارب فيها من اتجاهات مختلفة وأراء متباينة. هذا الى جانب ما فيّ من نوازع الشباب ونفوره، ومطامحه وغروره، وجهلي الناجم عن ضغطه عليّ وتقييده لحريتي، وحجزه لأفكاري ورغباتي.
كل هذه الفوضى، وانعدام التوجيه المنظم، خلقت بي عقدا، وسببت لي إنطوائية، طغت على كل مشاعري، وأحالتني الى كشكول درويش. فأنا جبراني الاسلوب -تقريبا- في كتاباتي، والكآبة التي تغمرني والغموض الذي يكتنفني. وأنا فكه أحب النكتة اللاذعة للفراغ الذي يملأ حياتي من جهة، والكتب التي ترهق نفسي من جهة ثانية وأنا مثالي صارم مع نفسي وأصدقائي في كثير من الامور بسبب المحيط الذي يحصرني بين ابي والمجالس النجفية التي لا تخرج الى ابعد من اجترار الأدب الموروث، والجدل -البيزنطي- السقيم. وأنا متمرد! ولكن تمرد مكتوف اليدين، موثوق الساقين، مكموم الفم.
عن مثل هذه الحياة التي حييتها، انعكست هذه المواضيع فلا تستغرب قارئي الكريم، إذا ما وجدت فيها تناقضات أو أخيلة، أو ترهات!
وحسبي ان استقامت أفكاري بعد حقبة من السنين[2] ... إلا أني حباً بذكريات شبابي، واعترافا بأخطائي، أحتفظ بهذه المواضيع، ليس اعجابا بها ولا إيمانا بصحتها، إنما هي بالنسبة لي كالأبناء للوالد، يكون فيهم الأبله، والذكي، والقبيح والجميل، والجاهل والفهيم، ولكنه يحبهم جميعا، حبا تختلف درجته وحنواً تتفاوت نوعيته.
فليكن لي العذر من أي جيل كان وأي زمن! كربلاء/ علي محمد الشبيبي))
الناشر
محمد علي الشبيبي
السويد/العباسية الشرقية
25/01/2019
مُصَلّي وسكارى*
في غرفة واحدة هي احدى غرف مخفر شرطة القرية تضم الغرفة أربعة موظفين اشتركوا باستئجارها. أحدهم يؤدي الصلاة، فأتجه إلى القبلة وألتفت إلى أحدهم:
- على رسلك. ليَسِرْ كل منكم وراء لذته، وليتمتع بحريته ولكن دعوا لي حريتي...
أحدهم: أنت ماذا ستفعل؟
- أنا أصلي!
- ولكن ما هي الصلاة؟
- ربما عرفت منها شيئا!
- ربما؟ يا للعجب؟ انك تعمل ما لا تعرف؟
- قلت ربما... ولكن انت لماذا؟ لا تصلي؟
- لأني لا أعرف الصلاة!
- أنا أعلمك شرط ان تترك الخمرة.
- لا. لا. هذا لن يكون. الشاعر علي الشرقي يقول: (في يد مصحف وخمر بأخرى!)
- ولكن الله يقول (لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى...)
- أجلْ... وأنا أعاهدك، اني لم اقترب من الصلاة سكران! ولن أصلي مادمت سكران، والله وجه الخطاب إلى الذين آمنوا أما أنا وأنتَ لسنا منهم.
- أنا!؟ أنا مؤمن... أما أنت...؟
- أنا لست مؤمناً!
- أنت؟ لا تؤمن بالله!
- أؤمن ولكن ليس كأيمانك!
- لا كأيماني؟  وماذا عرفتَ عن إيماني؟
- لا اعرف... ما إذا كنت مؤمنا مثل ايماني بمنفعة الخمرة!
- تباً لك... يا أسفه الناس؟ افي الخمرة نفع؟
- ولماذا؟ ان الله قال «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا.»[3]. رجاءً أترك هذا الحديث وأقم صلاتك. لأعرف كيف تصلي!
المصلي يدخل في الصلاة وهم في لهوهم، قائلاً وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض!
أحد السكارى: بربك اعطني ماءً...
الثاني يهم ان يملأ الكأس من كوز المصلّيَ.
المصلّي، يضرب على فخذيه الله أكبر، الله أكبر... الله أكبر!
السكارى يضحكون...
العطشان: أعطني ماء...
الثاني يهم مرة ثانية... هاك
المصلي: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر!
وينهي الفرض الأول.
ويخرج من مكانه الأول، قائلا: ان لم يكن ضرر السكر سوى الضغط على حرية الغير، والسخرية من رأيه، فهذا أكبر اثم!
يغادر الغرفة قائلاً:
- سأصلي تحت السماء الصافية، والقمر يرسل أشعته الجميلة في الفضاء، والنجوم تزهو كأنها تسبح في بحر من النور. وهناك تسبح في الفضاء الحر، بحر اللانهاية، يداعبها النسيم العليل، ولأترك لكم غرفتكم تتصاعد فيها أنفاسكم حتى السقف ثم تتساقط عليكم نتنه، بعد أن تسممت بخبث نفوسكم، وقد عجزتم عن مقاومة عواصف الحياة. وتكلفتم ثقل الوقار، فراحت أرواحكم تطلب لضعفها الفرار إلى حيث المجون والجنون...
أحد السكارى (يتطلع من النافذة نحو القمر...)
- أنظروا القمر ما أجمله! فهو أبهى من وجه الحسناء، هيا بنا إلى سطح الغرفة! نشرب على ضوء القمر والنجوم وأشباح النخيل تسبح فيه.
- الان وقد عرفت انكم تمشون من حيث لا تشعرون. فاني اترككم وشأنكم. على انكم لستم بقادرين على غيري؟
- ولماذا؟ ... قل ماذا تريد ان نعمل ...
- لقد تخدرت أعصابكم، فلا أراكم تتمكنون من ضرب الكؤوس ضربة او تحركونها حركة!
السكارى وهم يركلون المنضدة عدة ركلات فتتكسر الكؤوس وتنسكب بقية الخمرة على الارض. ثم -مع التصفيق- يهتفون .... انظر كيف قدرنا! ويرقصون
قدرنا يا مصلي، قدرنا يا مصلي، قدرنا يا مصلي...!
*          *          *          *
كتب المربي علي محمد الشبيبي -بعد أعوام (ربما عام 1986)- التعليق النقدي أدناه على نصه المسرحي أعلاه : ليست هذه المسرحية –على ركتها وضعفها- من بنات الخيال. انها حقيقة واقعة. كنت اصلي، بينما كانت تجمعنا غرفة واحدة، هي احدى غرف مخفر شرطة سوق شعلان. اليوم وأنا أعيد نسخ مجموعة أولى كتاباتي التي أطلقت عليها أسم –وادي الأحلام- صرت انسخ وأضحك من الأخطاء والركة في التعبير والحبك، وقصرها أيضاً.
ومع ذلك فأنا أعتز بها. أولا، لأنها تمثل مرحلة من حياتي. حين انتقلت من حياة لها لون خاص وطعم خاص، تعودناها من آبائنا الذين نشئونا نشأة خاصة، هي بمقتضى ما يرغبون لا ما نرغب. وسواء كنا نفهم ما نفعل أو إنّا على جهل وضلال مبين.
ولن أنسى ما حدث لي مع أستاذي –الشيخ محمد طاهر الشيخ راضي- . إذ كنت أدرس كما يدرس أمثالي ومن هم في سني، كتاباً صغيراً، عنوانه –الحادي عشر[4]- وهذا يدرَّس خاصة في شهر رمضان، حيث توقف جميع التدريسات، تخفيفاً عن الصائمين.
هذا الكتاب عن أصول الدين، لكنه يبدأ بحثه بأبيات شعر[5] محصورة في دائرة هي:
فيك يا أعجـوبة الكون       غدا الفكر كليلا
أنت حيرت ذوي اللب       وبلبلت العقولا
كلما أقدم فكري       فيك شبرا فرّ ميلا
تائها يخبط في       عمياء لا يُهدى سبيلا
أخذ أستاذي يشرح بادئا في البيت الأول. –لا بأس- قلت في سري. المسألة عويصة وصعبة للغاية. ولما بدأ يشرح البيت الثالث:
(كلما أقدم فكري       فيك شبرا فرّ ميلا)
قلت لأستاذي –ضاحكاً- ضحكةً بين الهزل والعجب، ثم قلت:
- أليس من الأفضل يا شيخي أن لا أقرأ هذا الكتاب!؟. لأجل أن أبقى بمكاني –في معرفة الله- أليس خيراً أن أبقى على معرفتي البسيطة خير من أن أفر ميلاً مع كل شبر.
ولم أشعر إلا وصفعة قوية، بمنتهى القوة على خدي –الأيسر-. وطارت عمامتي منها وتدحرجت مسافة أكثر من متر. وسيطرت الدهشة على الجماعات الأخرى المتحلقين حلقات حلقات، بعضهم يتحدثون، وبعضهم يتلون القرآن، وبعضهم يدرسون مثلما أنا أدرس.
لقد هزّ الجميع أسفاً ما فعله أستاذي معي –وهم لا يعلمون السبب- . وتقدم شاب له معرفة بي وقدم لي عمامتي. ونهضت وقلت:
- من الأفضل ان أبقى على ما لدي من المعرفة البسيطة بـ -الله- خير من أن أرتد أميالاً مع كل شبر. بل إنك جعلتني الآن أبرأ من كل ما تريد، لأنك أهنتني.
بعد أربعة أيام ناداني أبي. سألني: لماذا قاطعت دراسة الحادي عشر –عند شيخك- ؟
قلت: لأنه لا يملك الدليل، دليله الوحيد الصفعات أمام جموع الجالسين! إذا كانت معرفة الله لا تتيسر إلا بالإهانة، فأنا لا أريد تلك المعرفة! ثم لماذا، أتراجع ميلاً كلما تقدمت شبراً الى الأمام!؟ فإذا بي أبعد من يكون عن ربي!
هذه الحال -عند الصائمين- فقدان التروي والانبساط، والتروي لما يطرحه الطالب من استفهام، وجدتها عند الكثيرين، خصوصاً –المتدينين- لماذا؟ لست أدري!
ومن ثم أخذت أطالع وأسأل الكثيرين من هم أنضج مني عن هذه المعضلة –الله والكون-. ثم وجدت عالماً فاضلاً هو العلامة –الشيخ محمد جواد البلاغي[6]- وقد أعتاد أن يقيم في الكوفة أيام الربيع. وجدته قد فرش تحته سجادة صغيرة وأمامه صندوق خشبي عليه محبرة وأقلام وبيده أوراق يكتب فيها. استأذنته في الجلوس، فأذن لي. وسألته:
- أود أن أدرس الفلسفة الدينية فما رأيكم؟ واَيّ كتاب؟
نظر إليّ الرجل الفاضل، وقال: أولاً من أنت وأبن من؟. فعرفته ...
أجاب بإختصار: درست الفلسفة أنا وعدد من الطلبة يربو على الأربعين، فظلّ الجميع إلا اثنان أنا وطالب آخر. لا تقترب منها وحسبك دليلاً هاما هو كاف. هذه المخلوقات التي لا يحصيها عد كلها تعرف كيف تتخلص من أعدائها، وكيف تبحث عن غذائها ومأواها. يكفي لأن تثق بأن لها جميعاً مكوناً أعطى كل نفس هداها. ثم أنهى حديثه: أدرس لتعرف ولا تتعجل اليأس فربما توصلت إلى طريق الصواب.
علي محمد الشبيبي
كربلاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*-  نشرت في جريدة الهاتف للأستاذ جعفر الخليلي عدد 3 عام 1935. (وقد وجدت أن الوالد كتب تعقيبا نقدياً على هذا النص المسرحي القصير، ففضلت نشره مفصولا أسفل النص./ الناشر محمد علي الشبيبي)
1- في النحو واللغة درست عند متعددين، أولهم الشيخ خلف البهادلي ثم الشيخ حسن لحامي، وفي المنطق الشيخ محمد رضا المظفر، وفي الفقه وأصوله عند الشيخ طاهر الشيخ راضي وقريبه الشيخ هادي، والسيد أمين الصافي والسيد مير صهر السيد ابي الحسن الاصفهاني.
2- تعود الى أعوام الاربعينات حيث أقبلت على الصحف والمجلات التقدمية والفلسفة المادية. حيث أقبلت بشغف على مطالعة الفلسفة الحديثة للدكتور عبد المنعم خلاف وغيره.
3- سورة البقرة آية 219./ الناشر محمد علي الشبيبي
4- الحادي عشر- المقصود شرح (الباب الحادي عشر)  التي أضافها العلامة الحلي لكتاب (مصباح المتهجد) للعلامة الطوسي (هو أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي (385-460)هـ = (1201-1274)م ، المشهور بـشيخ الطائفة والشيخ الطوسي). وشرح الباب الحادي عشر هو للمقداد (جمال الدين أبو عبد الله المقداد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن محمد السيوري الحلي الأسدي -توفى 826هـ-) . / الناشر محمد علي الشبيبي
5- هذه الأبيات للشاعر عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد، أبو حامد عز الدين (586-656هـ = 1190-1258م). من أعيان المعتزلة/ الناشر محمد علي الشبيبي
6- الشيخ محمد جواد البلاغي (1865-1933)م، رجل دين وفقيه ومفسّر شيعي عراقي، وشاعر وأديب باللغة العربية إضافةً إلى كونه باحث في الأديان، ومتمكن من بعض اللغات الحية كالفارسية والإنجليزية والعبرية، كما كانت له مشاركة سياسية بارزة في ثورة العشرين./ الناشر محمد علي الشبيبي