قراءة في رواية ( موت الاب ) الكاتب أحمد خلف


المحرر موضوع: قراءة في رواية ( موت الاب ) الكاتب أحمد خلف  (زيارة 372 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل جمعه عبدالله

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 388
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

قراءة  في رواية ( موت الاب ) الكاتب  أحمد خلف
يحتل  المبدع الروائي  الكبير مكانة مرموقة في  الابداع الروائي العراقي الحديث . ان يملك براعة صياغة   النص  ومنصات وتقنيات متنوعة في طرحه وتكوينه   . ان يصوغها  في جمالية المنهجية   في اسلوبية  المتعددة الجوانب والاشكال داخل  الفضاء الروائي  , يمتلك رؤى ورؤية فكرية ناضجة وثاقبة  من أشياء  الواقع  وتجلياتها  , ان تكون المضمون التعبيري  العميق والبليغ  ,  في مهارة التناول والتنوع في الاشكال التعبيرية  التي هي من صلب الواقع اجتماعي , في اسلوبه الواقعي  دن مسحات تجميلية مزيفة وانما على حقيقته المكشوفة  , بأن المتن الروائي  يخرج من  مختبر التجريب والابتكار في اشكال الطرح  . في براعه واعيه وناضجة  , تملك مقوماتها  من  تداعيات الواقع الاجتماعي , والغوص في تفاصيله  الدقيقة . اي ان العمل الروائي ,  يأتي من  الجهد المثابر والحثيث في صبغة  ابداعية ,  تحمل آثار وبصمات الروائي في الشكل والمضمون ,  الذي يتمدد في هذه الرواية على خريطة الواقع الاجتماعي   ,  من خلال تناول حقبة اجتماعية   معينة ومحددة في زمنيتها , في كشف مظاهرها ومفرداتها   . التي تميزت بالقهر الاجتماعي والمعاناة  , لواقع يرزح تحت السلطة الابوية المتسلطة على منافذ الحياة والعيش  , في روحية  الامتلاك والاستحواذ والانتهاك  , في بروز  هالة ( الانا ) الجشعة المضخمة باللامعقول , وتخرج من صوابيتها المنطقية    , لكي  تخلق آثار  سلبية , التي تترك البثور والجروح والقروح على المكشوف  . ان تضع الانسان داخل  حلبة الملاكمة , يتلقى الضرابات المميتة , دون ان يستطيع ان يحمي ويدافع عن نفسه , سوى الوقوع متهلكاً في ازمته النفسية المتأزمة والمأزومة بالاحباطات  , حتى يعلن انهزامه الكلي  و يتجرع طعم الفاجعة والمحنة والمأساة    . مثلما نجد في المتن الروائي لرواية ( موت الاب ) . التي جاءت ثمرة جهد ابداعي مكثف ومتواصل استغرق حوالي  خمس  سنوات  ( اكتملت  كتابتها في عام 1995 )   . لقد ابرزت  معالم تلك الحقبة الاجتماعية بعينها وبجوانبها المتعددة  , التي  ترزح  تحت  وطئة ,  القبضة السلطة الابوية الشمولبة . وما صورة ( الاب ) في العائلة  الصغيرة  في الرواية ,  إلا صورة مصغرة  من الصورة الكبيرة (للاب الكبير ) . وقد كشفت  معالم  التسلط بلوثة الامتلاك والاستحواذ والعسف  , كأنه وحده يملك الحق والسيد المطلق  , وحده يملك العالم , بلا منازع  , الكل تحت أمرته وسطوته  , ومنْ يجروء على المعارضة والمعاندة , فأنه يطرد ويجني على نفسه  الويلات  . مثل هذا الاب مالك الدار ( المكون من اربعة غرف , كل غرفة تسكنها عائلة )  يفرض سيطرته  على سكنة الدار  ,  وهم يحاولون ارضائه واستعطافه بالخشوع الى امره وتعليماته  , رجالاً ونساءاً . ولكل يتجنبه بالحذر الشديد  منه  .  هذه الخطوط الفكرية العامة للمتن السردي   .  تتوالى هذه الاحداث في  ذاكرة  الطفل في خزين  ( فلاش باك ) , عاش محنتها ومأساتها , في التسلط الابوي , الارعن والماجن بالحماقات المتهورة المتتالية  , بالتصرفات الخشنة في التعامل مع عائلته ومع سكنة الدار  .    وسلوب التعبير السردي  , يختلط فيه الماضي والحاضر بصورة  متشابكة   , مثلما يقول . أرسنت همنغواي ( لا يمكن لاي كاتب الفرار من طفولته ) لذلك وضعنا الروائي , في صلب الواقع الاجتماعي في تلك الحقبة المعينة . في اسلوبه التعبيري الشفاف ,  بلغته الرشيقة والبسيطة في وضوحها السلس  , لكنها عميقة المحتوى    . وفي ابراز هذه السلوكية المتسلطة  وفي جوانبها  الخطيرة  , في تصرفات الاب القاسية  مع عائلته  المكونة ( من اربعة افراد , الاب الام , الابن الصغير والكبير )  وهو مثال للشخصية الابوية في تصرفاتها الرعناء والطائشة والماجنة  , في مجونها الخليع في الشبق الجنسي , بالسطو على نساء الدار , في استغلال غياب زوج ( سارة حفافة وجوه النساء ) وهو يعمل حارس ليلي , ليحل محله   في الفرش الزوجية في اختلاسات  الليل . ولكن عندما بدأت تراوده  الشكوك المريبة تجاه  أبنه ( اسماعيل ) بأنه ايضاً يزاحمه  يزاحمه في الاستحواذ الماجن على ( سارة حفافة وجوه النساء  ) , هدده وطرده نهائياً من البيت , لانه اعتبرها خيانة بالتطاول على املاكه  ومشاركته بحصة منها  , طرده ثم  ضاعت اخبار ( أسماعيل )  , مما ترك جرح بليغ الى  امه , التي تجرعت  الحزن والبكاء على ضياع ابنها المنكود   . ان  سلوك الاب  الارعن والماجن , جلب على عائلته فاجعة المحنة  المأساوية , وان جبروته المتسلط والمتغطرس اخذ يتصاعد اكثر خطورة  , حتى حلت المأساة للعائلة,  في استمرارية حالة التصادم والقسوة والعسف  , فطرد زوجته , أم اولاده , بعدما ان  غاب عن البيت ثلاثة أيام , ليعود ومعه  زوجة جديدة تصغره عشرين عاماً , ثم ارسل ورقة الطلاق الى زوجته الاولى . انه مثال الذئب الذي يحمي الدار . ولكنه بنفس الوقت يفترس سكنة الدار ,  يقوده هذا التسلط الاعمى  والمغرور والماجن  , الى الانحدار الى درك  الجريمة . فقد ارتكب عملية قتل  بالحقد الاعمى لشقيقه ( نوح ) المثقف الواعي والرصين في تصرفاته . وعملية القتل تمثل , انتصار الرعونة الوحشية المتغطرسة , على الثقافة والفكر الواعي والناضج  . لكن هذه العقلية المتهورة ,  تقود نفسها الى الهلاك  والموت والخراب , مهما بلغ جبروت سطوته الغاشمة .  هذه الاشارات الملغزة بشفرتها بالايحاء والمغزى  , وهي تشير الى نهاية الى أدانة  السلطة الابوية  . لذا فأن المتن السردي  , يتناول هذه الخطوط بحذر وفطنة وتأني , بوعي مدرك العواقب المترتبة  ,  لذلك يعرف اختيار الجمل والعبارات  الملغزة بمهارة محترف ناضج   . والرواية تتحدث عن ثلاثة شخصيات محورية في المتن الروائي ( التاجر . الصحفي . الرسام ) , يتفقون في جلساتهم وخلواتهم على  تأليف رواية مشتركة بينهم  , يكتبون فصولها . بما يحمل كلاً منهم سيرة حياتية تخصه  .   في عناوينها البارزة  , في القهر والاحباط والانهزام . ولكن هذه الشخصيات الثلاثة , في حصيلتها النهائية , بأنها  تشكل شخصية واحدة مركبة على فصول سيرتهم الحياتية , وتشترك  في مشتركات واحدة . من التأزم المأزوم , في الاضطراب النفسي والقلق الحياتي الذي يجتاحهم  , بالخوف من القاد م , والخشية من التفكك والاندثار  . ومهما كان نتاجهم التأليفي    كامل او ناقص . المهم تحقق رغباتهم المشتركة , في كتابة فصول حياتهم  , ويقوم بمهمة  كتابة الرواية من قبل الصحفي   ( اذ  ليس الاخرون إلا الكتابة  التي لا مناص منها , حكاياتهم ومسراتهم واحزانهم موضوعات جاهزة للمؤلفين من امثالي , متسقطي اخبار الاخرين  وافعالهم , أليس غريباً أن يكون ميلنا ( نحن المؤلفين ) الى تسجيل كل افعال الصراع المليئة بالاخطار , ومرتكبيها من جناة وبغاة متأملين سقطات هؤلاء وهفوات أولئك , ايكون الماضي باحداثه وما صارت اليه ايامه مآوى الجميع ؟ ) ص278  . مثلاً الناجي الوحيد من عائلة الاب المتسلط  , كان يتجرع عذاب المحنة من موت أمه ,  فقدان شقيقه ( اسماعيل ) التي ضاعت اخبار مصيره  . فهو الشاهد والسارد  مع الاخرين مأساة حياته وحياتهم   . فقد  يصف ابيه  الذي استخدام سلاح التسلط والقهر الاجتماعي , ان يصبح قاتل ومجرم . يقول عن ابيه في جلستهم    ( -  ان يقوم باي فعل , لا يتورع أبي عن ارتكابه , حتى بمزيد من الحماقات ) .
( - ألم تفتر عليه في بعض احاديثك ؟ )
( - هيهات . لقد عشت معه زمناً يليق بالحيوانات )
هذه الرعونة المتهورة وصلت الى مصيرها  المحتم والمحتوم , وهو  الموت .
×× بعض الاشارات الملغزة بالرمز التعبيري ,  التي تصوب سهامها بشكل  غير مباشرة , الى الادانة السلطة الابوية الغاشمة , في شد الخناق على العائلة والمجتمع . في طبيعة جبروتها المتلسط بالعسف والقهر , هذه الاشارات الملغزة في تعابيرها , لا يغفل عنها القارئ الفطن والنبيه , في مراميها الموجهة الى رأس النظام نفسه , في اقحام البلاد في حروب عبثية اضافة الى التسلط الشمولي  , لذلك اختار  هذه الاشارات الملغزة  بما يخص احرب , وهي ادانة صريحة لمشعلي  الحروب ومروجيها ومرتكبيها  , وهي تؤدي  الى الموت والهلاك والدمار . لذا اشير اليها بالنص الحرفي في هذه المقتطفات الى هذا الجانب  .
 1 - ( الآن , ليس كواليس الحرب من الماضي وحده , الحرب غيرت الكثير من احلامنا .
( الحرب . الحرب يالتعاسة هذه الكلمة .
( الحرب . ليس بالضرورة تعني الموت وحده ) ص28 .
2 - ( لقد سمعت عن مفقودين وضائعين حكايات اغرب من الخيال , ووضعت يدي على نواح امهات فقدن ابناءهن واباء بكوا ضياع اولادهم , ولكن بدافع من سبب ملموس لهم , كانت الحرب احد اسباب الضياع وفقدان الاثر ) ص51 .
3 - ( فقد فاجأتنا الحرب وما جرته وراءها من ويلات وجوع وعذاب , كان العوز قد شمل الجميع وألم بهم من كل صوب وحدب ) ص52 .
4 - ( تأملت المجلة الاجنبية بهدوء , رأيت عدداً لا يحصى من الجنود قتلوا في ميدان الحرب وبقيت جثثهم متروكة في العراء بعضها عافتها الدواب والوحوش الكاسرة , وبعضها تجمعت حولها مئات الحشرات , وبعدها نهشتها الطيور الجارحة , جنود تائهون في صحراء مترامية, خوذ وبنادق وثياب ممزقة  )ص69 .
5 - ( من منا على صواب . الذين غادروا أم الذين فضلوا البقاء هناء ؟ .
( - ليس بعيداً ان تذبل وتموت هنا . ) ص118 .
 ( - أترى الحال هنا افضل ؟
( - عفواً . انا لا اعرفك .
( لكني اعرفك . لماذا لا تغادر خارج البلد لتعيش بعيداً عن المحنة ) ص129 .
6 - ( - من جاء على ذكر حرق الكتب .
( - أنت اشرت في روايتك الكتب المحترقة في احتلال بغداد ) ص201 . وهي عبارة صريحة في توقع حدسها ونبوءتها , بسقوط النظام ومجيء زمن الاحتلال .
× رواية : موت الاب
× المؤلف : احمد خلف
× عدد الصفحات : 289 صفحة
× تاريخ زمن كتابة الرواية .  عام 1995
× زمن الاصدار : عام 2002
  جمعة عبدالله