رحلة مكوكية حول النرجسية الجماعية


المحرر موضوع: رحلة مكوكية حول النرجسية الجماعية  (زيارة 298 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عمانويل ريكاني

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 135
    • مشاهدة الملف الشخصي
            رحلة مكوكية حول النرجسية الجماعية
                       عمانوئيل يونان الريكاني /عراق/استراليا
من نافل القول إن الأساطير الأغريقية كانت مادة دسمة لمدرسة التحليل النفسي بشكل عام ولفكر فرويد بصورة خاصة في الدراسة عليها والتنقيب فيها لكشف خبايا النفس البشرية ومعرفة الكنوز المطمورة في اعماق الذات الأنسانية. ومن ضمن هذه الأساطير على سبيل المثال : أوديب ، ألكترا ، والنرجسية والتي هي موضوعنا في هذا المقال وتعتبر أهم أكتشافات فرويد وهي تعني العشق المرضي للذات والأعجاب الجنوني بالنفس . وتعود جذورها إلى أسطورة أغريقية تتحدث عن نرسيس وهو شاب آية في الجمال والمنظر وروعة في الهيئة والطلعة رفض حب "نيمقاتشو" والتي خسرت حياتها بعد تكسر قلبها وتحطم أمالها. وقد تم معاقبته من قبل نيميسيس بجعله يسقط في حب خيال صورته في مياه البحيرة وأثناء ممارسة أعجابه بذاته سقط في البحيرة ومات ونبتت وردة النرجس في مكان الحدث. وتشير الأسطورة بوضوح إن هذا النوع من حب الذات هو في الحقيقة على الأنسان لعنة لا نعمة وإن شكله المتطرف ستدفع ثمنه  الذات وهي التبديد والدمار فهو لم يأخذ من الحب غير أسمه .
إن نظرية فرويد في النرجسية تقول إن الحالة الأصلية للأنسان في طفولته المبكرة هي حالة النرجسية " النرجسية الأولية " قبل وجود أي علاقة بالعالم الخارجي وفي الرحم يحيا الجنين في نرجسية مطلقة . والفرد يتطور حسب فرويد من النرجسية المطلقة إلى القدرة على الحب الموضوعي والفهم الموضوعي.
ليست النرجسية سيئة أو جيدة في ذاتها فكلنا فينا هذه البصمة في طبيعتنا شئنا أم أبينا وبدرجات متفاوتة ففيها الحميد وفيها الخبيث فالذي لا يحب نفسه لا يستطيع ان يحب غيره لذلك قليلها مفيد وكثيرها ضار فهي كالماء عنصر أساسي في الحياة لا يمكن الأستغناء عنه لكن عند زيادة منسوبه يتحول إلى فيضان مدمر. فالشخص الناضج الطبيعي هو الذي تميل فيه كفة النرجسية في النقصان في ميزان الرضا النفسي والقبول الأجتماعي.
وتتميز الشخصية النرجسية المضطربة والمشوهة كما يقول الخبراء بحب النفس بأفراط والغرور والأستعلاء ومحاولة الكسب والربح على حساب الأخرين ويظن أنه الأذكى والأجمل والأعظم وأنه مركز الكون والكل يدور في فلكه ويرى نفسه أفضل من الجميع أو صعوبة التعامل معهم ويدعي امتلاك مفاتيح العلم والمعرفة والمفاخرة الزائدة عن الحد بأعماله وأنجازاته قد تكون عادية لكن تحت عدسات مكبرة يراها على غير حقيقتها. ويمارس الإرهاب النفسي على كل خلق الله حتى أقرب الناس اليه زوجته فحبه مريض ينطلق من أناه ويرجع إلى أناه وان كان فيه بعض المظاهر الخادعة .
إن هذه السمات ليست حكراً على الأفراد فقط بل نفس الأحاسيس موجودة في الجماعات أو ما يطلق عليه النرجسية الجماعية مثل العشيرة والقبيلة والقومية والدين والعرق ...إلخ والتي تصبح موضوعاً للشغف النرجسي بدلاً من كون الفرد هو ذاك الموضوع . وبهذا يتم الحفاظ على الطاقة النرجسية لكن مع أستخدامها لصالح بقاء المجموعة بدلاً من بقاء الفرد. لأنه من منظور أي جماعة تريد البقاء، من الهام للجماعة أن يشحنها أعضائها بطاقة النرجسية . لأنه يجب أن تعتقد الجماعة بتفوقها في كل شيء على الأخرين في العلوم والأخلاق بدون هذا الأساس ستتناقص الطاقة الضرورية لخدمة الجماعة والتضحية في سبيلها . لهذا نرى أي مجموعة حتى لو كانت نكرة في الحياة وصفر على الشمال في دورها الحضاري تضع نفسها في مواقع خيالية بعد فقدانها جاذبية نيوتن وتنظر إلى الأخرين كأحياء مجهرية كأنه هذا الكون يسير بأوامرهم .
ومن منا لا يذكر شعار هتلر " ألمانيا فوق الجميع" التي تفوح منه رائحة النرجسية النتنة ، فالأنتماء إلى العرق الجرماني بحد ذاته كان فخر وأعتزاز وبلسم يداوي جراح حتى الذين يتسولون في الشوارع وينامون على أرصفة الطرقات .
وبالرغم من التخلف الفكري والحضاري للعرب فأنهم مصرين بأنهم خير أمك أخرجت للناس وبين الفينة والفينة نسمع أسطوانتهم المشروخة حتى من بعض المثقفين بأنه لولا العرب لما وصلت اوربا إلى ما هي عليه من العلم والحضارة . هذا ان دل فأنه يدل على صوت النرجسية الصارخ من أعماقهم والذي لا يقر بالحقيقة ولا يعترف بالواقع. وكثيرة من نكت الموجهة ضد جماعات أخرى والتي فيها السخرية والأستهزاء والأنتقاص منها مثل الصعايدة والحمصيين والهنود والأكراد والسود تصب في هذا المجرى.
ولم تسلم من التضخم النرجسي كافة الاديان والمذاهب والفلسفات عندما أدعت أحتكار الحقيقة والأخر المختلف في ضلال مبين ونحن في الجنة وأنتم حطب النار ونحن الأخيار وأنتم الأشرار  نحن المؤمنين وأنتم الكفار .
إن الهستيريا القومية في كل البلدان المتحاربة الرأسمالية ضد الشيوعية والعرقية الهتلرية وعبادة الحزب الستالينية والتعصب الهندوسي الأسلامي هذه مظاهر النرجسية الجماعية أدت ضربة قاضية للحركة الأنسانية .
من منظور القيم تخوض النرجسية صراعاً دائماً مع العقل والحب . النرجسية تقيد العقل والمنطق ، وفي كل حب يوجد عنصر نرجسي قوي كما يقول فرويد.
طالما النرجسية الجماعية لها مركز الثقل في ثقافة  الأفراد ودور الريادة في التفكير العام يعني العالم سيكون مهدد بالزوال وعلى شفير هاوية .وللشفاء من هذا المرض الفتاك يجب على كل الحركات الأنسانية والأديان العظمى بما  فيها من قيم حب الجار والغريب والعدو ان تعي حجم المشكلة وتتكاتف لتعمل جاهدة في تحويل الطاقة النرجسية من الدين والقومية والعرق ...ألخ إلى الجنس البشري والهوية الأنسانية لتأسيس أخلاق عالمية وديانات أنسانية لا ديانة قطيع يكون فيها الانسان أعلى قيمة في الحياة وليس الأنتماءات الضيقة التي يكفي لها حد أدنى من النرجسية وإلا تحولت إلى هويات قاتلة كما يقول أمين معلوف وأول ضحيتها هو الانسان نفسه.
المرجع :

_ أيريش فروم ، جوهر الأنسان ،ص79 النرجسية الفردية والأجتماعية .