ذوبان أم إندماج


المحرر موضوع: ذوبان أم إندماج  (زيارة 344 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل al8oshi

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 91
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
ذوبان أم إندماج
« في: 11:29 07/04/2019 »
ذوبان أم إندماج
د. نزار عيسى مَلاخا
الهجرة مُرّة وقاسية، ولو الظروف التي تعصف بالإنسان لَما ترك وطنه وأرضه وبلاده وهاجر إلى بلدان أخرى عسى أن يجد ما أفتقده في بلده، ولكن السؤال الذي يبقى يدور في الأذهان هو : لماذا الهجرة ؟ أقول هناك عدة أسباب يضطر الإنسان أو يكون أمامها مُرغماً على سلك طريق الهجرة ومن هذه الأسباب : البحث عن حياة كريمة، أو البحث عن مستقبل أفضل، أو لأنه مفقود الكرامة في وطنه، أو لأنه يفتقد إلى الأمن والأمان والحرية والعدل والمساواة والحقوق (بعض الدول تضع البعض من مواطنيها في خانة الدرجة الثانية)،  ولكن ومع كل هذه المنغصات يبقى الوطن عزيز وغالي، وقيل من أجل التندر ( سمعوا بالوطن غالي فقاموا ببيعه)، وتبقى الآصرة خفية تلك التي تربطنا بوطننا الأم ألا وهي "الإنتماء الحقيقي والوجداني للوطن الأم".
الإنتماء للوطن ليس له علاقة بمكان إقامتي الحالية، بل علاقتي بالوطن الأم علاقة حميمة صميمية هي في سويداء القلب، هي في الوجدان، علاقتي بالوطن علاقة الجذور بالتربة، هي ذكريات الطفولة ومرتع الصبا، هي ذكريات الدراسة في كافة مراحلها، هي جميع الذين مرّوا في حياتي وكانت لهم بصمات أثرت على تكوين شخصيتي، هي أبي وأمي، هي اساتذتي، هي اصدقائي في كافة المراحل العمرية، هي كل المتعلقات من مرحلة المراهقة والحب والدفاع عن الوطن، هي ذكريات السواتر ورحلة الموت مع رفاق السلاح، هي ذلك الطريق الذي سرنا فيه مع أشخاص لا يمتون لي بصلة القرابة أو الدم أو الدين، ولكننا واجهنا الموت سوية، هذه هي العلاقة الخفية التي تربطني بوطني الأم والتي تحتّم عليَّ أن أندمج في المجتمع الجديد دون أن اذوب أو اضمحل فيه، العلاقة الخفية مع الوطن الأم هي كل تلك الذكريات التي رسخت في الذاكرة ما دمتُ حيا، فهل يمكن نسيان أو الإستغناء عن الوطن الأم؟
قيل : بلادي بلادي أنت عزي وودادي، وقيل : بلادي وإن جارت عليَّ عزيزةٌ ... أهلي وإن شحّوا عليَّ كِرامُ، وقيل :
 اه ياعراق انت الاسد طبعك جبل ماينكسر
كفكف دموعك وانتفض لَتگول ابد وضعي خطر
 يَـ عْراق انهض وانتخي يَـ عْراق وينك يالنّچر
نخلق صبح من دمعتك ومن ضحكتك نخلق فجر
رحلة الهجرة رحلة مُرّة، وأختيار صعب، وطرق مجهول، لكنك أضطررت إلى السير فيه وسلوك متاهاته إضطرارا وليس إختياراً، ولكن مع كل ما رافقت دربك آلام ومآسي وعينيك تنظر إلى الوراء وفي مخيلتك أسئلة حيرى لن تجد لها جواب، كان هناك بريق أمل وخوض تجربة جديدة، وآلام جديدة وعاناة من نوع جديد، كم بلد مررت به وأنت في رحلتك المجهولة، وماذا عن الوطن الجديد؟ هل ستعشقه كما عشقت الوطن الأم؟ هل ستتغنى بجماله؟ هل ستكتب له الأشعار ؟ هل ستفني ما تبقى من عمرك الذابل في سبيله؟ وهل هو محتاج لكل هذه !!!
البلد الجديد، حياة جديدة لم نالفها من قبل، أستقبلونا بالورود والرياحين ولكن عيوننا مملوءة بالدموع، وفروا لنا ومنذ اللحظة الأولى السكن اللائق والخدمات الصحية والترفيهية والإجتماعية، المدارس المجانية، النقل المجاني، السفرات الترفيهية المجانية، الزيارات للمعامل والمواقع الأثرية والسياحية، وفوق هذا كله الحرية الكاملة المطلقة في ممارسة الشعائر الدينية والمعتقدات وتنظيم المسيرات الإحتجاجية ورفع أعلام بلداننا والتغني بأمجادنا التي أكل عليها الدهر وشرب، وبحماية  رجال شرطتهم لكي يمنعوا اياً كان من تعكير صفو ما نصبوا إليه.
مقابل كل هذا لم يطلبوا منا سوى أن نعتز ونفتخر ونحافظ على تاريخنا وتراثنا وعاداتنا وتقاليدنا ولغتنا مع الإندماج في مجتمعهم. لم يطلبوا منا الإنصهار أو الذوبان، لم يطلبوا منا ترك الأديان، بل أعطونا كل شئ بالمجان،
ولغرض توضيح مفهوم الإندماج لأن الذوبان معروف وهو بتعريفه الإعتيادي تغيير الحالة بكل مواصفاتها وتركيبتها من حالة إلى أخرى، مثل ذوبان الثلج حيث تتغير الحالة من صلبة الى سائلة ومن تسمية ثلج إلى تسمية جديدة وهي (ماء)، أو ذوبان الملح في الماء أو السكر في الشاي ، فلم يعد هناك بلورات سكر بل شاي حلو المذاق.
الإندماج هو أن نتأقلم مع الوضع الجديد، أن لا نعيش حالة الإنطواء على الذات، أن لا نصبح عالة على هذا المجتمع، أن لا نخلق لنا أمراضاً جديدة، الإندماج هو أن نتعلم لغة البلد الذي نقيم فيه، ونطبق قوانينه وأعرافه، ونعمل من أجل الحفاظ على نظام البلد، وأن نجهد أنفسنا من أجل البحث عن فرصة عمل ونبذ البطالة والإتكالية، بالمقابل هناك أمور أطلبها من هذا المجتمع لتطبيق مبدأ الإندماج الحقيقي فيه، وأعتقد إنها موجودة وهي تطبيق مبدأ العدالة والمساواة بين الجميع، فلا معاملة خاصة أو عامة، ولا يوجد في التعامل هذا قريب وذاك غريب، ولا يوجد هذا من مذهبي أو ديني او قوميتي أو قريتي أو عشيرتي لأنتصر له وأفضله على الآخر، هنا العنصرية والطائفية والتفرقة على كل الأسس (دينية، قومية، إجتماعية، قبلية، ...الخ) مرفوضة تماماً، لك حرية التعبير عن دينك، يجب أن تعمل وفق مفهوم تبادل الثقافات والحضارات، أما نحن فالواجب علينا أن نقيم التوازن بين هذه وتلك.
نعم يصعب عليَّ الإندماج وفق هذه المعايير ولكن ليس المستحيل، ولأنني من الفئة العمرية المحالة على التقاعد بسبب السن القانونية(65 سنة فأكثر)  لذا أجد صعوبة كبيرة في بعض الأمور مثل اللغة وغيرها خاصة نحن أبناء بعض المحافظات في العراق والتي تحتّم عليك تعلم أكثر من لغة، فمثلا بعض مناطق محافظة التأميم / كركوك، تجد الفرد يتكلم اللغات التالية حسب مناطق الإختلاط (العربية، والكلدانية والتركمانية والكردية وقليل من الأرمنية عدا اللغات الأخرى مثل الإنكليزية وغيرها) أما بالنسبة لجيل الشباب فتكون نسبة الإندماج لديهم عالية جداً، وبهذا ندخل نحن أولياء الأمور في حالة صعوبة التوافق ويدخل الشباب في حالة صراع بين ثقافتين وجيلين وحضارتين تختلف الواحد عن الأخرى بنسب كبيرة جداً.
الإندماج يا أحبائي هو عملية تفاعل وليس إنصهار، تأقلم وليس ذوبان،
ملاحظة / هذه المقالة جاءت على هامش الندوة المقامة يوم أمس السبت 6/4/2019في مدينة أوغوص في الدنمارك بعنوان "ذوبان أم إندماج" وكان الحضور رائعا جداً.
تحياتي وتقديري