الدبلوماسية الروحية.. مدخل لخلط الدين بالسياسة أم خطوة لإحلال السلام


المحرر موضوع: الدبلوماسية الروحية.. مدخل لخلط الدين بالسياسة أم خطوة لإحلال السلام  (زيارة 696 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Janan Kawaja

  • اداري
  • عضو مميز متقدم
  • ***
  • مشاركة: 23387
    • مشاهدة الملف الشخصي
الدبلوماسية الروحية.. مدخل لخلط الدين بالسياسة أم خطوة لإحلال السلام
لماذا اختار الفاتيكان أن ينزل ثقله الروحي في جنوب السودان دون كل زوايا الأرض المكتظة بالأزمات؟

العرب / عنكاوا كوم
لقاء البابا بقادة جنوب السودان يثير لغطا حول دوافعه

لندن- “الخلوة الروحية” التي جمعت في الفاتيكان الخميس الماضي، البابا فرنسيس بالزعماء المتناحرين في جنوب السودان، طرحت أسئلة كثيرة، لم تقتصر على المآلات التي يمكن أن تترتب على الوساطة البابوية في نزاع تطور إلى حرب أهلية لم تتوقف عن إنتاج الدمار والقتل والتشريد، بل توسعت لتطال خلفيات التحرك ذاته، أي التركيز على الجزء المسيحي من السودان المنقسم منذ العام 2011.

الأسئلة المتصلة بالتدخل البابوي، الروحي الديني الإنساني، تداعت لتنفرج على مختلف متاهات السياسة، لا رفضا للتدخل في حدّ ذاته، ولا بحثا في المآلات الممكنة والقابلة للتحقق أو للتنسيب، وإنما التدقيق في جوهر التدخل ذاته.

في نهاية الخلوة الروحية كسر البابا فرنسيس البروتوكول المعتاد وجثا على ركبتيه لتقبيل أقدام سيلفا كير ورياك مشار ونائب الرئيس المعينة ريبيكا نياندينج دي مابيو، وكان “يتوسلُ” اتفاقهم والسلام.

 ثم حصل زعيم جنوب السودان على البركة وكتاب مقدس وقعه فرنسيس. وهذه الإجراءات الدينية والهالة الإعلامية التي صاحبت اللقاء الذي اختير له اسم “الخلوة الروحية” إمعانا في استحضار اللوازم الدينية للقاء السياسي، لم تنفع في إرساء اتفاق يصمد أمام مزاجي الزعيمين المتناحرين، اللذين عادا إلى تدبر التبريرات والأعذار السياسية لعدم الاتفاق.

 التدخل البابوي، على نبله الذي حرصت مؤسسات الفاتيكان على صونه وإشاعته، لم يحل دون طرح أسئلة كثيرة من قبيل، ما مدى مشروعية التدخل البابوي في فض النزاعات السياسية وإن ارتدى اللبوس الإنساني؟ وهل سيتبع هذا التدخل بتدخلات أخرى في أرجاء أخرى من العالم؟

ألا يعد ذلك تداخلا فجا بين الدين والسياسة، وهي الظاهرة التي يجمع العالم على محاربتها ومحاربة تبعاتها؟ ولماذا اختار الفاتيكان أن ينزل ثقله الروحي في جنوب السودان دون كل زوايا الأرض المكتظة بالأزمات؟

تلك الأسئلة كانت تمثل عمق التوجس أو الارتياب من الدبلوماسية الروحية التي دشنتها مؤسسة الفاتيكان في جنوب  السودان، والتي اختلفت كثيرا عن التصريحات والمواقف البابوية السابقة من قضايا عالمية كثيرة، أدلى فيها البابا بدلوه من منطلقات إنسانية وحقوقية، من دون أن يفتح باب التدخلات المباشرة في النزاعات السياسية المباشرة.

علق البابا سابقا على الأزمة في بورما واليمن وليبيا وصلى للمسيحيين في العراق وفي مصر، وعلى ضحايا مجزرة نيوزيلندا، والتقى زعماء دينيين مسلمين ويهودا باحثا معهم سبل إرساء التعايش. وكل ذلك كان يعتبر من صميم الدور البابوي لكن “الاستقبال” الأخير كان مختلفا في شكله ومغايرا في تفاصيله.

على أن الاعتراضات الكثيرة التي واجهت الخلوة الروحية، والدبلوماسية الروحية، لاقت أيضا تجاوبا مقابلا وترحيبا واضحا من أطراف كثيرة رأت في الدبلوماسية الروحية التي دشنها البابا فرنسيس محاولة مشروعة لوقف الأزمة من أن تعيد إنتاج حرب أهلية أخرى، ودليلا آخر على فشل كل الوساطات السياسية المعتادة، الأممية والإقليمية وغيرها، وكأن هذه المقاربة تقول إذا  فشل الساسة عن حل أزمات العالم فلنجرب تصدي الزعماء الدينيين، فربما ينجحون بثقلهم الروحي في فتح كوة بجدار الاستعصاء في جنوب السودان أو في غيره.

بصرف النظر عن نجاح الدبلوماسية الروحية من عدمها، فالواضح أن التدخل البابوي دليل على أن العالم اليوم، بمؤسساته الدولية الراهنة وبعلاقاتها الحالية، غير قادر على تدبر الحلول للأزمات السياسية الكثيرة المتداخلة، لا فقط للإعياء الذي أصيبت به المنظومة الدولية، وعجزت من خلاله عن تدبر حلول لأزمات عمرها يناهز القرن، بل لأن المنظومة الدولية ذاتها، بتشابكاتها الاقتصادية والإعلامية والسياسية، هي جزء أساسي في صنع هذه الأزمات وتوليدها، بالتظافر مع المعطيات الداخلية.

هنا نتساءل هل تصبح لهذه الدبلوماسية الروحية، رغم كل الاعتراضات التي تواجهها وستواجهها لاحقا، محاولة لتعويض القصور الدبلوماسي العالمي في تبين الحلول لتصدعات العالم الكثيرة.