الربيع والقيامة


المحرر موضوع: الربيع والقيامة  (زيارة 418 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نمير لوسيا

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 10
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الربيع والقيامة
« في: 05:25 27/04/2019 »

الربيع والقيامة

كان الشتاءُ في طريقه الى الغروب خلف افق الزمان لتشرقُ من بعدهِ شمسُ ربيع جديد في سماء الحياة . شمسُ تبعثُ الروح في جسد كل من كان في سبوت لتبدأ خليقةُ جديدة تحل هذه الارض الطّيبة فتتبدل الاجواء وتتلطف النسائم وتنتعش النفوس. بأطلالة الربيع بدأت ساعات النهار تطول اكثر فاكثر ودفئ الشمس راح يَطُول عروق كل من تطرب روحه مع طلّتها الجميلة وتتراقص ذاته مع اشعتها البهية فتمدها بما تحتاج من إكسير الحياة لتواصل دورها في دوامة الحياة اللامتناهية . رويداً رويداً لبست الارض حلتها الخضراء الجميلة في تلك السهول المتموجة الممتدة على مرمى النظر والتي زاد في رونقها وجمالها مَسَحاتُ حمراء لشقائق النعمان تعالت برشاقتها من بين الخضارفي مجموعات غير منتظمة واخرى صفراء وبنفسجية لزهور برية تناثرت هنا وهناك وبشكل خاص في التخوم والاراضي البائرة ولبست السماء حلّتها الزرقاء الجميلة لتضفي على تلك البانوراما الطبيعية بُعداً جمالياً اضافياً فبدت البلدة وكأنها لوحة ربانية رائعة تتحضر للاحتفال بالربيع لتواكب مشاعرذلك الشعب المؤمن الذي كان في خضم الصوم الاربيعني الذي يسبق الفصح منتظراً فجرالقيامة من ظلمة ليل القبر فكلاهما كانا يترقبان بشوق بزوغ شمس الحياة من بين ظلمات الموت . كانت صلاة الجمعة العظيمة قد انتهت في ذلك المساءالربيعي برهبته وسَكِينته فألبست نفوس اهالي تلك البلدة الحزن والألم وخيّم عليها سَكِينْةُ مملؤة بالصمت العميق وفي تلك الاثناء كان الشعب البسيط المؤمن يتألم جسدياً ونفسياً رغبة منه في مشاركة المسيح عذاباته وآلامهِ وهو في طريق الجلجلة وكثيرون كانوا يعلمون بفطرتهم ان انسانهم القديم ينبغي ان يُصلب مع المسيح لكي يُتلف جسد الخطيئة حتى يكون مؤهلاً لنيل اكليل القيامة .اذاك ترك يوسف الكنيسة متجها الى بيادر البلدة الشرقية باحثاً عن اجواء تُتيح له التأمل في اوجاع والآم المسيح في جبل الجلجلة فقد كانت نفسه مسحوقة حتى الموت اذ حفرت في روحه مشاهد رحلة المسيح المُخضّبة بالدم الى الجلجلة انهار من الالم فقد كان يوسف الشاب اليافع قد فقد والدته منذ مدة قصيرة وكان لفراقها تداعيات كبيرة على حياته اذ كانت ذاته اليتمة تبحث عن بصيص نور في ظلمة ليل الحياة القاسية فوضع أمله وفرحه كله في القيامة وكان مؤمناً في اعماق نفسهِ انه لابد ان تكون هناك فرصة لقاء جديدة في احدى محطات الزمان والمكان اللامحددين في عالم اخر بعيد عن مدارك الانسان فبلغ مزار مارتشموني ( ܡܵܪܬܵܐ ܫܡܘܿܢܝܼ )الذي يلتجئ اليه كل ابناء البلدة المارين من هناك وكانت في نفسه رغبة جامحة في ان يدخل تلك القبة الصغيرة ويصلي بين جنبات جدرانها المقدسة فدخل وصلى فيها ومن هناك واصل مسيره بين الحقول الخضراء حتى وصل منطقة روما عليا (ܪܘܿܡܵܐ ܥܸܠܝܵܐ ) اذّاك كانت الشمس في طريقها الى الغروب فحس فجأة بعزلة شديدة ورغبة كبيرة في مشاركة المسيح كأس خمرة الالام فطل بنظره الى الشمال فأتاحت له السماء الصافية رؤية جبال القوش الشامخة . وفيما هو منغمس في تلك التأملات ترأى امام مُخّيلته المسيح مُثقلاً بصليب انسانيتنا ومُخضّباً بالدم يترتقي جبل الموت وتعالت الى مسامعه تنهيدات المسيح المتألم فحس بألم عميق شق اعمق اعماق كيانه ومن ثم طرقت اسماعه صرخة المسيح الواقف على ضفة الموت إيل إيل لْمَانا شْوَقْتَان اي الهي الهي لماذا تركتني فأجهش في البكاء مدركاً ان المسيح الانسان قد وصل قعر بحرالالام فخيّم السكون والصمت على كل شئ واخيراًً سمع صرخة المسيح الاخيرة يا ابتاه في يديك استودع روحي اذاك استولى عليه الخوف والذعر من ظلال الموت الثقيلة التي اجتاحت المكان فحاول جاهداً الهروب من وعيه الغارق فنهض ونظر بأمل الى الشمس التي كانت تلقي اخر اشعتها الحمراء مدركاً بأن المسيح سيقهر ظلمات القبر كما ستقهر شمس الغد ظلمات الليل.