عقيل حبش ولهيب معركة هور الغموگة


المحرر موضوع: عقيل حبش ولهيب معركة هور الغموگة  (زيارة 383 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نبيل عبد الأمير الربيعي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 157
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
عقيل حبش ولهيب معركة هور الغموگة
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
      بطل تلتهب عنده الأحداث , ذلك البطل الثائر هو عقيل حبش , الذي تتوقف عنده الاضطرابات , لكن الزمن عنده ايضاً يضطرب , إذ كان زمن اعتقاله مع رفاقه رفاق السلاح في الدواية أيضاً مضطرب , مضطرب بذاته , يحمل متغيرات كثيرة غير أن عقيلاً هو عقيل ويسوقه قدره الفطري للثورة المسلحة.
      التقيت به مساء يوم الخميس المصادف 24 نيسان 2019 في صالة فندق فلسطين مرديان قبل ليلة من انعقاد انتخابات المجلس المركزي لاتحاد أدباء وكتاب العراق , لم أعرفه سابقاً ولكن ما قرأته عنه الكثير , سألني من أي مدينة , كان جوابي المولد في مدينة الديوانية أما السكن ففي مدينة الحلة , قال هل تعرف محمد علي محيي الدين وحامد كعيد الجبوري وعقيل الربيعي وعبد اليمة (أبو نصار) , كان جوابي بالإيجاب , اعرفهم حق المعرفة , اتصلنا بمحمد علي محيي الدين والشاعر حامد كعيد الجبوري إذ كانا في نفس الفندق وكان لقاءاً ممتعاً , ودارت الذكريات دورتها في ذاكرتي حول دور هذا المناضل وهروبه من نفق سجن الحلة المركزي عام 1967م مع البعض من رفاق الطريق , وقد كُتب الكثير من المقالات وصدرت عشرات الكتب حول الهروب , فضلاً عن دوره في ثورة هور الغموگة  يوم 28 نيسان 1978م.
    لمذكرات عقيل حبش (شهادة حيّة من لهيب المعركة) الدور في معرفتنا على الدور البطولي لأثنى عشر مناضلاً قادوا الثورة المسلحة في هور الغموگة وبما يعرف جماعة (القيادة المركزية) , عند اطلاعي عليها احسست بالانبهار وكأنك في حكايات ألف ليلة وليلة , لصدق الكلمات والوصف , لكن حديثه في صالة الفندق وجهاً لوجه هو الأمر الأشد غرابة , مملوء بالصدق والعفوية وسحر التعبير , كانت لأيام سجنه وقتاله وتعذيبه لها لذة الألم , وذكريات رفاقه العالقة في ذاكرته الحية وفي حياته كلها , إذ يمتلك ذاكرة طرية مملوءة بحب الحزب والثورة.
    كانت بداية ثورتهم المسلحة في أهوار الغموكة يوم 28 نيسان 1968 بعد أشهر من هروبهم من نفق سجن الحلة المركزي , تلك الثورة التي قادها الشهيد خالد أحمد زكي (جبار) واحدى عشر من رفاقه , مثلت بداية لحركة ثورية كان يمكن لها أن تغيّر وجه العراق , وتسقط الحكم الرجعي الذي سيطر عليه , لكن تكالب القوى المعادية لها مما أدى إلى سقوط جبار (خالد أحمد زكي) , وشلش (محسن حواس) , وكاظم (منعثر سوادي) شهداء أبرار للشعب العراقي والحركة الشيوعية , أما الآخرين فتم إلقاء القبض عليهم وهروب حسين ياسين , كانت معاناتهم واحباطاتهم تصارعها نفوسهم الثائرة , وتبعث الحياة فيها لتنهض من جديد , كان عقيلاً عندما فكر بالانضمام إلى حركة الكفاح المسلح لا يوقفه توسل ولوم , ولا تثنيه دمعة أمه , أو مشورة صديق , سار يتبع ثورته وعشقه للمواجهة.
     كان عقيلاً قد تبنى قضية تبناها مع رفاقه , فهي لم تعد قضية أفراد ووجهة نظر مجموعة , بل قضية يهتم بها عموم الشعب ويتحدث عنها الجمهور بفخر , إن هناك أبطالاً أرادوا وفعلوا ليدخلوا بوابات الأسطورة والتاريخ بكل ما أنجزوا من أفعال , ويكونوا رمزاً ليؤكدوا لنا أن الأمة الحيّة قادرة على أن تلد الأبطال في كل مرة من المواجهة والتحدي.
    عندما تقرأ مذكرات عقيل حبش تعرف الحقيقة وتشعر بصدق العمل في مجال العمل الحزبي والكفاح المسلح , ففي يوم أيلولي ساخن من عام 1968 "عقيل ورفاقه الأربعة في سجن مقر انضباط الفرقة الأولى في الديوانية , تقلبهم أخبار مقلقة , تعصرهم بين تنفيذ حكم الإعدام الصادر ضدهم وأخبار الحزب المنقطعة وغصة الألم التي تولدت لديهم بعد أحداث انقلاب 17 تموز 1968 , إحباطات ومرارات , غير أنهم ما زالوا يتحدون اليأس ينشدون أناشيد الثورة والصمود , لتلك الأناشيد أثر معنوي يدركه عقيل فيكرر غير مرة , في أحداث محددة . في لحظة صدور حكم الإعدام أو تنفيذه في لحظة عودة أحدهم من التعذيب أو ذهابه إلى الاستجواب . تلك الأناشيد تحافظ على تأجيج الثورة وحس التحدي . تبعد اليأس من التسرب إلى بعض الرفاق , خمسة في السجن , يتوالى دورهم في الاستجواب والتعذيب بعد أن انهار سادسهم فأفشى كل أسرار الحزب الخطيرة , حتى عزله المحقق في زنزانة أخرى ليبعده من تأثير ردود أفعال الرفاق , صدر الحكم عليه بالسجن المؤبد (عبد الأمير الركابي) , على خلاف رفاقه الستة كانوا البقية الباقية من خلية هور الغموگة الإثنى عشر يمارسون الحياة بطرق بدائية , يصنعون من عجين الخبز المتبقي لعبة الشطرنج , يتقاسمون السيگارة التي يغنمونها , ويتناقشون في أمور المعتقل والتحقيق والمحكمة , عن أخبار الحكومة الجديدة في 17 تموز 1968 وبصيص الأمل الذي بدأ يصل مسامعهم بالعفو أو بتخفيض الأحكام القاسية , ما زالوا متماسكين حتى الساعة.
    في الديوانية في سجن مقر انضباط الفرقة الأولى وهي المحطة الثانية بعد سجن الناصرية عندما انتهت قاعدة الكفاح المسلح في هور الغموگة في أولى عملياتها بنهاية درامية عظيمة , تحتاج بذاتها إلى دراسات وتقييم عن مدى الارتباط والإيمان الذي كان يتمتع به أولئك الإثنى عشر  شاباً هم كلٍ من :-
1-    خالد أحمد زكي (جبار) . قائد المجموعة.
2-    محسن حواس (شلش).
3-    منعثر سوادي (كاظم).
4-    حسين ياسين (أبو علي).
5-    عقيل عبد الكريم حبش (أبو فلاح).
6-    عبد الأمير عبد الواحد يونس الركابي (لفتة).
7-    عبد الجبار علي جبر (أبو هادي).
8-    عبد الله شهواز زنگنة.
9-    عبود خلاطي.
10-                       محمد حسين الساعدي.
11-                       علي أبويجي.
12-                       حمود (صالح).
    كانت تتملكهم أخلاقيات احترام الحياة حتى يفضلوا عدم قتل الشرطة ... في لحظة المواجهة , كانوا حقاً وطنيين ترف قلوبهم بنفس النبض الذي ينبض في قلوب الآخرين من أفراد الشعب ولو كانوا شرطة.
    جاءت عائلة (هادي) أو (أبو هادي) إلى سجن مقر انضباط قيادة الفرقة الأولى في الديوانية , وهو الاسم الحركي لبطل عظيم اسمه عبد الجبار علي جبر من قرية برنون من محافظة بابل , كان لهذا البطل موقف عام 1968م وفي شهر أيلول تقدمت القوات العسكرية والشرطة , ملأت مدينة الدواية تلك المدينة الصغيرة من نواحي لواء الناصرية , كان عدد القوات العسكرية كبيراً , أصبحت المدينة كأنها ترافقها البرمائيات والسيارات المسلحة والشرطة والمسؤولون , الكل يعرف أنهم جاءوا بعد عملية الغموگة بأيام . عملية الغموگة التي قامت بها قاعدة الكفاح المسلح في الهور , حتى بلغ أن طائرة هليكوبتر قد أسقطوها , كان حجم الحدث مؤلماً للسلطة رافقه خبر مصرع طيارها الملازم الأول طيار بنوئيل بابيلا أغاسي وهو مسيحي من أهالي الموصل , ومعاونه الملازم الطيار يحيى حديث التخرج من أهالي البصرة وكان مسالماً لم يصب بأي أذى , خبر جديد يهز معنويات جموع العسكر والشرطة المحتشدة.
     أثارت تلك الأخبار أن الهور يحترق وأن حجم المقاومة كبير , فمن عملية مخفر الغموگة ومصادرة السلاح إلى إسقاط طائرة ومقتل طيارها , بلغ الأمر مقتل شرطة وجرح بعضهم . عمل كبير يثير الخوف والقلق لدى الحكومة التي وقعت بين حيرة التقارير والوشاية والاعترافات عن حجمهم وهذا الفعل الذي لا يمكن أن تنجزه تلك الأعداد . انتهت المواجهة عند المساء , أو بالتحديد في بدايات عصر ذلك اليوم والشمس تقارب الأفق , قدمت القوة بسيارات الشرطة المختلفة وخلفها عاصفة من التراب , كان حوض السيارة الشوفرليت الزيتونية يسعهم خمسة أو أربعة . اثنان على كل جانب توسط الجلسة خامسهم يرافقهم شرطيان "إلى الأمام , وثالث نزل حال توقفها ليدخن سيگارة , كانت وجوههم مرفوعة , عيونهم تلتقي بعيون المتجمهرين إصراراً وإباء , الثياب الممزقة وشكلهم يوحي بأنهم أعظم مما يرتدون . قال أحدهم قطعت يده اليمنى , بقيت متصلة بذراعه , ضاق ذرعاً بها ... وضعها تحت قدمه اليمنى وسحبها , انقطعت كف يده وبقيت تحت قدمه الأنسجة والأعصاب المتصلة . اقشعر الجميع لتلك الصورة التي وصفها الشرطي للواقفين , جرأة صورت ارادت الثورة واستفزت معنويات الجموع الواقفة عند الخندق المتناثرة على جوانبه اضلاف الرصاص والبنادق المرمية وشواجير الرشاشات , ثلاثة كانوا على جانبي الخندق أو ذلك الجدول الجاف متجمدة أجسادهم في معركة مقاومة , بنادقهم بأيديهم أو في أحضانهم , التصق أحدهم بالأرض , شهداء ثلاثة على الأرض (خالد أحمد زكي , ومحسن حواس , ومنعثر سوادي) . تدلت يده بعد أن تلقف القنبلة المتدحرجة على الأرض المرمية من قبل الطيار ليبعدها عن خندق رفاقه ويعيدها إلى الجموع المحتشدة على مقربة منهم المكونة من الجيش والشرطة وشرطة خيالة , إلا أن الزمن كان حرجاً ... انفجرت بيده , قطعت يده اليمنى من الرسغ , بقيت يده متدلية ولم تزل في يده اليسرى بندقيته , إحساس فطري بإصرار على الثورة , أخذه النزف والجروح التي توزعت على جسده الواهن.
     كانت آلام التعذيب الجسدي وألم الروح من كل الإحباطات , إحباطات قاعدة الهور ومرارة انهيار بعض الرفاق الذي بلّغ عقيل حبش الحزب عنها برسائل وتقارير ورسائل شفوية وتنويهات وتحذيرات إلى الحزب وإلى الرفاق عبرَ منافذ متعددة , قمة معاناته أن يحافظ على تماسك رفاقه من الانهيار.
     انهار أحدهم ليكون جرحاً نازفاً في جسد الحزب , اعتقلت بسببه قيادات الحزب العاملة والنشطة لاطّلاعه على أسرار الحزب المهمة . لحظة ضعف في سجن مظلم وقسوة مفرطة ونفس آثرت أن تقدم ما لديها مقابل لحظة رحمة . انفصل عن المجموعة... كانوا ستة وهم عقيل حبش/ عبد الجبار علي جبر/ حسين محمد حسن الساعدي/ علي بوجي/ عبد الأمير عبد الواحد يونس الركابي/ عبد الله شهوار زنگنة/ لكن حسين ياسين قد هرب في بداية الموجهة لينفذ بجله , وكان عبد الأمير عبد الواحد الذي انهار في التحقيق . قدم كل شيء حتى عزل في أخرى من سجن انضباط الفرقة الأولى في الديوانية خوفاً من مضايقات رفاقه أو ضغطهم عليه , المحنة هي مقياس قوة الرجال , اقترب من المحقق يسجل أسماء وعناوين كانت تعمل من أجل الحزب , لم يحترمه المحقق لأن الخونة لا يحترمهم المستفيدون ولا يأمنونهم. 
    كان أول من أعلن الخيانة هو هروب حسين ياسين مسؤول التنظيم وعضو الارتباط الذي أثبت للمرة الثانية أنه ضعيف عند المواجهة , ترك رفاقه في محنة المواجهة في خندق مجهول الاتجاهات أمام قوة العسكر والشرطة , فافتعل سبباً , صدقه رفاقه بإنقاذ رفاقهم الذين سبقوه بالهروب وهم سيد درعان (صالح) وعبود خلاطي (حمود) تسلل وهو ابن الهور الذي يعرف الطريق دون أن يلتفت إلى الوراء , مرة أخرى يقدم نفسه ومصالحه , كانت المرة الأولى عندما أراد أن يهرب وحده من نفق سجن الحلة المركزي , ويجهز على مشروع له دلالة أكثر من الهروب نفسه , وقد كان أيضاً مسؤول فريق العمل عن مشروع النفق , هكذا النفعيون يحبطون الثورات في لحظة المواجهة , أو التنفيذ التي توهم الآخرين بالحقيقة.
      وكانت رسالة الشاعر مظفر النواب تحاكي الواقع الذي مرَّ به ثوار الغموگة , وهي رسالة مرسلة إلى عقيل حبش , انقل جزء منها :"((أيها الحبيب.... مرٌ لوني , مرٌ طبعي ومرٌ طعمي , مرّتان عيناي حتى أراك ثانية وحتى ذلك اليوم توقظني الوحشة والنار التي في حزامي وفي قلبي ألومك كثيراً لأشياء وأشياء وفي قلبي أحكي معك كثيراً عن أشياء وأشياء وفي قلبي أقبلك وأنت ترفض كثيراً وكثيراً عن أشياء وأشياء)).