هل فكرة وجود الله منتوج عقلي/ الجزء الخامس


المحرر موضوع: هل فكرة وجود الله منتوج عقلي/ الجزء الخامس  (زيارة 317 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز جدا
  • ***
  • مشاركة: 2026
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
هل فكرة  وجود الله منتوج عقلي/ الجزء الخامس
سلسلة من مقالتي التي نشرت في نشرة نسمة الروح القدس التي تصدرها ارسالية الروح القدس للسريان الكاثوليك في مدينة ملبورن/ استرالياهل فكرة

بوثيوس (480-524م)
المقدمة
ياتي الفيلسوف بوثيوس ضمن قائمة الفلاسفة واللاهوتيين الكبار، على الرغم من عدم اعتراف الكنيسة به كقديس الا ان البعض يضعه في مصافي الآباء الكنيسة من أمثال اوغسطينوس وافرام والبيرت وتوما الأكويني(1). ذاع صيته بسبب أفكاره اللاهوتية العميقة ونهاية حياته المأساوية على غرار نهاية الفيلسوف الكبير سقراط.

 لا يُعرف بالضبط نسب هذا الفيلسوف سوى انه أصله عائلة رومانية أرستقراطية، لان فقد والده في مقتبل العمر(2)، تبناه الحاكم اورليوس الخامس، الذي كان له دور كبير في تهذيبه واطلاعه على الفلسفة الاغريقية وزيادة ولعه في معارفها.
تسلم عدة مناسب سياسية في روما الى ان وصل منصب القنصل او الحاكم العام في شبه جزيرة الإيطالية التي حكمها القوطيون، حكم الملك الغوطي ثيودرك عليه بالإعدام بتهمة الخيانة(3) ونفذ فيه الحكم بعد تأييد المجلس الملكي في فيرونا سنة 524م، بعد فترة وجبزة ندم الملك عليه كثيرا بعد ان اكتشف ان التهمة التي لصقت به كانت مزيفة.

إنجازاته الفكرية
رغم قصر عمره، الا انه نال شهيرة كبيرة بسبب الأفكار العميقة والجمل الساحرة التي أتت في كتابه الذي يحمل عنوان (عزاء الفلسفة Consolations of Philosophy)، الذي ألفه وهو في سجن ينتظر إعدامه، فقد كان من أشهر الكتب في القرون الوسطى، والبعض الاخر يصفونه بالكتاب الثاني من بعد الكتاب المقدس. كذلك قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفة الاغريقية، ولكن أعدم قبل ان يكمل مشروعه بترجمة اعمال ارسطو وافلاطون.

على الرغم من انتمائه الى المدرسة الافلاطونية، الا ان ذلك لم تصنفه غير مسيحي، كان قريبا من اتباع البدعة البجانية ايضا(4).
بسبب أفكاره اللاهوتية المتقدمة حول الثالوث المقدس اعتبره آباء الكنيسة في القرون الوسطى ومن اللاهوتيين الارثوذكسيين العظماء، وفسر ذلك البعض بسبب تشرب أفكاره اللاهوتية بأفكار الفلسفة الافلاطونية فنال هذه المكانة المحترمة، بخلاف ذلك كانت الشكوك ستحوم حوله.
وضع كتابه(عزاء الفلسفة) على شكل حوار بين الاثنين، بيت شعري (مقطع) ومقطع آخر نثري، السائل (الفضولي) يسال، والفيلسوف الحكيم (بوثيوس) يجيب، وهنا تظهر براعته وسعة ثقافته وعمق فكره وسحر عباراته.

يبدا كتابه بعبارات مهمة للفلاسفة الاغريق، بالأخص العظماء الثلاثة سقراط وافلاطون وارسطو، بينما يعتبر الفلاسفة البقية مثل ابقور و زينون ..الخ  اقل شأنا، واحيانا يصفهم بعبارات قاسية كمغتصبون ومضلين للمجتهدين ومحبي الفلسفة. تبنى وصية فيتاغورس التي تقول "اتبع الله". في كتابه كان يحاول ان يعزي نفسه، ويعزي كل من مات او استشهد بنفس الطريقة حيث يقول: " وأن عنايته الالهية لا تسمح بان يحل الأذى بالشخص التقي المستقيم، وأن الألم المؤقت إنما هو ابتلاء للأخيار وعقاب للأشرار"

  اهم ما تناول بوثيوس في هذا الجدال (كتاب عزاء الفلسفة)، هي المواضيع المهمة مثل الخير والنعمة والشر والإرادة الحرة والعدالة ومصدرها والتي جوهر اللاهوت المسيحي. هناك تقارب كبير بين افكاره وأفكار الفيلسوف الرواقي سينيكا. كما (قلنا) ان نظرية المُثل لأفلاطون بصماتها واضحة على آرائه الميتافيزيقية في تفسير مفهوم الخير والكمال او المُثل.

من اراء المهمة لبوثيوس والتي جعلته من الفلاسفة الكبار هي :" ان المادة التي يتكون منها الله هي الخير وحده، بل ان الخير والله شيء واحد"، وقد زادت شهرته بسبب هذه الفكرة كلما زاد النقاش عن هوية الله ، فيقول :" بالنسبة  لشخص  يحب الخير ويعمله او ان يكون مصدرا له،  فهذا الشخص فيه شيئا من الالوهية، فكل من هو سعيد (السعادة المقصودة هنا هي امتلاك النعمة او الفضيلة) نتيجة الخير الذي يعمله، فان ذلك الشخص يعيش في الاتحاد مع الله ، لكن في (العالم) الوجود هناك اله واحد، فكل من يعمل الخير هو مشارك في هذه الطبيعة، أي الطبيعة الالهية".

  السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل كان يقصد انه جزء منه، كما هي مفاهيم الفلسفة الحلولية؟). الجواب كلا، لان الفيلسوف بوثيوس على غرار ارسطو يظن ان الله لا يتدخل في العالم (الطبيعة) بل هو مراقب له. من أشهر أقواله ايضا:" من الأفضل للخطأة ان لا يتهربوا من العقاب، لان عاقبهم سيكون اشد من الذي ينالونه"، أي من الأفضل ان ينال الانسان الخاطئ عقوبته لأخطائه في اقرب فرصة ويتحول الى حالة النعمة او السعادة، لان استمراره في حالة الخطيئة تزيد من ميراث خطاياه، وبالتالي عقوبته تكون أقسى فيما بعد، فكلما كان الانسان بعيدا عن حالة القداسة (الاتحاد مع الله)، كلما زادت تعاسته، فالإنسان الذي يعيش في النعمة هو انسان قوي وسعيد، بينما الانسان الخاطئ او السيء هو انسان ضعيف.
اما قضية الدينونة حسب راي بوثيوس، هي نتيجة لقراره الشخصي، فهو يتخذه يقرر فيما اذا كان يميل نحو الخير او الشر، فالشرير هو من يقرر الدينونة على نفسه بميوله نحو الأفعال الشريرة. والقديس هو من يقرر ان يعيش حياة النعمة والقداسة بالاتحاد مع الله عن طريق الخير الذي يعمله.
شبه كثير من الكتاب والباحثين لحظات كتابة بوثيوس لكتابه (عزاء الفلسفة) في أيامه الأخيرة، بالساعات الأخيرة للاب الفلسفة الأخلاقية "الفيلسوف سقراط" حينما رفض الهروب من شرب كاس السم ومات شهيدا للحقيقة.

في الختام نقول، مرة أخرى نجد نجاح احد الفلاسفة في التوفيق بين الفكر اللاهوتي والفلسفي، في هذا العدد ( 24) نجد ان الفيلسوف بوثيوس استطاع ان يجعل مفهوم الله أكثر وضوحا لدى عامة الناس  بعد ربطه بالمشاعر والعواطف،  فالعلاقة بين الله والخير المطلق أتت بنتيجة مهمة هي ان الناس يحتاجون بل يحبون عمل الخير وهذا له ارتباط بمواقف الحياة اليومية.
........................................................
1-   المصدر الأول ص 367
2-   هناك أكثر من راوية عن أصله.
3-   كانت علاقة الملك الغوطي ثيودرك سيئة مع الامبراطور جستنيان الأول، بسبب انتماء معظم مملكة ثيودرك الى البدعة الايروسية، فحكيت تهمة ضد رئيس المجلس الوطني(البيونس) على أساس تحالفه مع الامبراطور جستنيان، فاضطر بوثيوس ان يدافع عن صديقه بكل قوة، فكلف موقف رأسه.
4-   هي بدعة ظهرت في القرون الأولى من المسيحية التي ادعى مؤسسها ان الانسان يستطيع ينال نعمة الخلاص بنفسه من دون حاجة الى عمل الفداء ليسوع المسيح، بصورة عامة هذه البدعة هي وريثة الديانات الاوربية القديمة(الافريقية والرومانية وغيرها).

المصادر

1-   History of Western Philosophy, Betrand Russel, and George Allen & unwin Ltd., London 1961.
2-   Philosophy of 100 Essential Thinkers, Philip Stokes, U.S.A, 2005.