قراءة في رواية ( الجنائن المغلقة ) الجزء الاول


المحرر موضوع: قراءة في رواية ( الجنائن المغلقة ) الجزء الاول  (زيارة 407 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل جمعه عبدالله

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 391
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

قراءة في رواية ( الجنائن المغلقة ) الجزء الاول
المبدع الكبير ( برهان الخطيب ) يبرز قدراته المتمكنة من الفن الروائي , وتقنياته الفنية , واساليب التعبير السردي , واشكال التي يوظفها لتعطي قوة تعبيرية في رؤية النص الروائي , وفي البنية المعمارية المتناسقة , في طرح رؤيته وافكاره , في ارتباط وثيق في صلب  فضائية المكان , وارتباط الشخوص المحورية , التي تلعب وتمتد وتتحرك وتتفاعل من اصل هذه الفضاء  المكانية . ومقوماتها الدالة والوثيقة لطبيعة التضاريس والمناخ . الذي لا يحيد عن جغرافية المكان  , وفي التوجه وتسليط الضوء الشاسع والكاشف لهذا الانتماء , عبر التمدد المكاني والجغرافي ( الحلة . بغداد . روسيا / موسكو . السويد / ستوكهولم )  , بافعال الشخوص المحورية ,  التي تحملها في عقليتها وثقافتها البعد وخلفيات المكان الاصل , مهما كانت  مسالمة , او عدوانية شرسة , او مظلومة ومسحوقة ومطاردة , يطلب رأسها ثمناً  . لذلك فأنه  هذه الشخوص , تنتمي  الى الازمة العراقية , السياسية والاجتماعية  , عبر الحقب والمراحل  المختلفة  التي مرت على تاريخ  العراق , وجعلته  يعيش  في حالة الصراع العنيف والدموي والعدواني , في الصراع السياسي , الذي  لا ينتهي إلا بكسر العظم .  , لذلك البنية السردية ,  تسلط الضوء على بانورما السياسية في العراق , على حقبها ومراحلها  متنوعة ومتقلبة , التي شهدت الصراع العنيف والدموي , منذ سقوط العهد الملكي , مروراً بقيام الجمهورية الاولى وسقوطها في انقلاب الدموي , ثم انقلاب عارف على البعث  , ثم انقلاب البعث على عارف ثانية . والعراق يشهد الانتهاك وجريان الدم , والسلوك والتصرفات العدوانية , التي لا يحكمها , لا خلاق ولاضمير , حتى بتعرض اعراض الناس وانتهاك كرامتهم , وتوج بمجيء البلطجي  ( صدام حسين ) ثم اشعال  الحرب العدوانية المدمرة , التي شنها بجنون ضد ايران , هذا التوثيق السياسي , الذي يكشف اشكال الصراع السياسي والاجتماعي في العراق , بهدف  الاستحواذ على السلطة والنفوذ , واخضاع الناس بقوة الارهاب والبطش والتنكيل . من اجل جعل الناس تحت طاعتهم وقوتهم الشرسة والبشعة , وبعض الاحيان ترتقي الى الهوس المجنون , واطلاق العنان للغرائز المريضة والعدوانية الشرسة ,  ان تبرز على السطح السياسي  , كرجال وقادة للحكم الجديد , استلموا السلطة في غفلة من الزمن . وماهم  في حقيقة الامر ,  إلا عصابات اجرامية , خالية من الشرف والضمير , وتغوص في المستنقع السياسي المليء الحقن والاختناق  والدماء . مثل هذه الشخصيات العنيفة  ( صدام . عدنان . اياد ) . يمتلكون فن المراوغة والخداع والتقلب . وهناك شخصيات مغلوب على آمرها مثل ( صلاح . خالد . ضرغام ) وهناك  شخصيات تلعب على الحبلين , لكنها في النتيجة تقع  كضحية  . مثل ( رباب . حامد ) . هذا التشابك المعقد , هو نتيجة الصراع السياسي الثعلبي المتشابك  , الذي تمرست عليه الفئية الاولى والعائدة الى حزب البعث ( صدام . عدنان . اياد مجيد )  . وكشفت عن وجهها العدواني الكاسر في استلام السلطة , ولم يتوانوا بالفتك الدموي حتى  برفاق تنظيمهم واصدقائهم القدماء . هذه منصات المتن الروائي  في البناء الروائي . ومن ابرز التوظيفات  , هي توظيف زمن الاسترجاع الزمني ( فلاش باك ) الذي اخذ مساحات واسعة من الحبكة السردية في النص الروائي  , في كشف عن اصول هذه  الشخصيات المحورية , واسلوب تعاملها بالسلوك والتصرف , وانتمائها السياسي ( بعثي . شيوعي . مستقل ) . ويبرز التصرف العدواني لشخصية البلطجي ( عدنان ) بشكل عدواني بارز  ,  كسياسي ادواته المستخدمة  العنف المفرط , والثعلبية الساسية  , ولن يتوانى في اطلاق النار حتى  على اقرب اصدقائه .  ويتقلد منصب  في   السلك الدبلوماسي . كقنصل تابع لسفارة العراقية في  ( موسكو / روسيا )  وجدها فرصة في التحرر من كبته الجنسي , الى اشباع غرائزه بالمتعة الشبقية والحياة الناعمة والمخملية , واصطياد الفتيات الروسيات . من السهرات والحفلات والمطاعم الفخمة  , لينتهي التجوال  الى فراش المتعة الجنسية  . لذلك نجد في المتن السردي ,  العمق العراقي الجغرافي ( الحلة . بغداد ) حتى اثناء تواجدهم في ( روسيا . السويد ) .
        ×× احداث المتن الروائي .
تحدثت وسائل الاعلام والنشر بصخب بارز  , واصبح الحدث الاول  في نشرات الاعلامية والخبرية  , عن وقوع  جريمة مروعة  في احدى الغابات , وجدوا في كيس القمامة , اعضاء بشرية مقطعة ببشاعة . وبدأ العمل المثابر والمهتم بالتحريات من جانب الاجهزة الامنية والتحقيقية  . في الاهتمام  بهذه الجريمة المروعة , ولمعرفة الدوافع لهذه البشاعة , وكذلك بدأ في تقصي الحقائق في معرفة القاتل والقتيل , وبعد جهود في التحري والتحقيق , عرف اسم الضحية . عراقي بأسم ( أياد مجيد ) وانه كان ضابطاً في السابق في الجيش , وتنقل الى روسيا خلال الدورة التدريبية في ( موسكو ) فترة من الزمن  . ثم اللجوء الى السويد . ربما أسمه غير حقيقي , مستعار او وهمي لتوميه . لان بعض العراقيين يخفون هويتهم واسمائهم الحقيقية , ويتشبثون بالاسماء المستعارة والوهمية , لمحاذير ودوافع شتى . ثم ينقلنا الحدث السردي في زوم ( فلاش باك ) على خلفيات الجريمة المروعة . الى مدينة بابل ( الحلة ) وارتباط ( أياد مجيد ) بعصابة ( عدنان ) وانتمائهم الى حزب البعث , وبروز دورهم الارهابي والعدواني , بعد انقلابهم على الجمهورية , في انقلاب دموي . واطلاق العنان للكلاب المسعورة ( الحرس القومي ) ان تنهش الناس وتبيح القتل والاعتقال  , والفتك بأعراض الناس . فقد كانت عصابة ( عدنان . اياد . يعرب ) تفعل الجرائم والاعمال اللاخلاقية  وتقوم بمطاردة وملاحقة الناس وخاصة الشيوعيين  . واقترفت  عصابة ( عدنان ) جريمة قتل في بيت ( سالم عبدالستار / والد خالد ) اثناء المطاردة لعمه الشيوعي البارز ( صلاح ) . ولكن بعد سقوطهم في  انقلاب عارف عليهم . بدأ التحري في بيت ( سالم عبدالستار ) لمعرفة  الدوافع الجريمة واسبابها التي وقعت في بيتهم , وتم استدعى ( خالد ) لمعرفة المزيد عن جريمها والمجرم  . ومن خلال التحقيق معه , انكر وقوع الجريمة في بيتهم ,  واعتراف  بأن عمه ( صلاح ) شيوعي بارزلا يعرف عنه شيئاً . واراد  المحقق ,  معرفة  هوية ( خالد ) السياسية . هل هو من الشيوعيين .  أم من  البعثيين .  أم من  القوميين .  أم من  الاسلاميين . فأجاب خالد :
( - اميل الى ذوي الاخلاق الحسنة , لا دعوى لي بأفكارهم
- لا تتهرب من السؤال , من مصلحتك ان لايساء فهمك , الكل يعرف نظامنا محايد الآن , وهناك سباق بين الشيوعيين والبعثيين على الوصول الى القصر الجمهوري لاستلام المسؤولية .
- أنا مهندس ولا دعوى لي بالسياسة .
- أنت تكتب في الصحافة ايضاً ؟!
- ميلي تجده فيما اكتب ) ص112 .
وعند مجيء البعث ثانية الى السلطة . تعرض ( سالم عبدالستار / والد خالد ) الى اطلاق ناري من مسدس المحافظ الجديد ( خيرالله طلفاح )  في اجباره لبيع بيته  الى  المحافظ , وكان نتيجة الرفض ,  اطلاق النار عليه  بشكل مباشر . وبعدها  انتهز ( خالد ) فرصة البعثة الحكومية الى روسيا , بالمواصلة دراسته هناك ,  والهرب من العراق . ولكن لابد ان  نرجع الى الخلفيات قبيل انقلاب البعث الثاني على ( عارف ) ومحاولة ( عدنان ) كسب ( حامد ) شقيق ( خالد ) الى تنظيم البعث , والتعرف عن قرب على صدام , بقول  عدنان  ( اسمع حامد , واصل عدنان كلامه يوجد الآن شخص من جماعتنا سوف يصبح قائداً كبيراً في المستقبل القريب , اسمه صدام , هذا اسمه الحقيقي لا الحزبي , هو بحاجة الى شباب مخلصين من امثالك , اذهب وقابله مرة , سوف يكون هذا ذا نفع كبير لك ) ص136 . وينخرط ( حامد ) في البعث ومخططاته وينسى خطيبته ( رباب ) من خلال انخراطه في الجهاز الامني وانشغالاته الكثيرة . حتى  شارك  في عمليات مطاردة عمه الشيوعي ( صلاح ) بدافع من عدنان العدو اللدود الى ( صلاح ) . في تصاعد الحملات الارهابية ضد الشيوعيين , واستخدام اسلوب البطش والتنكيل بحق الناس الابرياء , وكذلك المعارضين لسلطة البعث . وقد كشف صهر الرئيس الهارب الى الاردن ( حسين كامل ) عن ضخامة التصفيات الجسدية . حيث قال في مؤتمره الصحفي آنذاك  , بأنه  حدثت  (تصفيات عديدة لمعارضين , حدث وبطرق مختلفة تصفية اكثر من اربعة الآف وست مئة شخص , صفوهم مثلاً في يوم واحد ) ص161 . هذه هي صور من  وحشية العنف الدموي آنذاك  . في اغراق العراق في بحر من الدماء . وجاءت الحرب لتزيد الطين بلة . وانقلبت  الحياة الى رعب  , على وقع صفارات الانذار ودوي الصواريخ . اصبح ليل العراق مخيف ومرعب  . بالركض الى الملاجئ لتفادي الصواريخ الساقطة على بيوت الناس  عشوائياً . وينقل ( عدنان ) الى السلك الدبلوماسي , كقنصل تابع لسفارة العراقية في روسيا . ويسهل عملية منح بعثة دراسية حكومية الى روسيا , الى خطيبة حامد ( رباب ) حتى تكون قربه وايقاعها في حبائله الجنسية , في اشباع غرائزه الشبقية  الدفينة ,  في المتعة الجنسية . وبالفعل نجح في ايقاعها في حبائله  , حتى اجهضها اكثر من مرة . وكانت من جملة عشيقاته , وكذلك اصطاد الفتاة الروسية الجميلة ( غالا ) فكان يلتقي بها في الحفلات وسهرات الخمر والمطاعم الفاخرة , لينتهي الليل على فراش المتعة الجنسية . ولكن كانت ( غالا ) تمارس عملية التجسس والرصد الى جهاز الامن الروسي عليه  . وكانت تنقل كل شاردة وواردة وتقصي الاخبار والاسرار , في عمل تجسسي متقن , ومحاولة جذب ( عدنان ) بالتعاون معها , بحجة انه مطلوب رأسه من الحكومة والمعارضة . وفي عملية تخويف وهي توجه كلامها الى عدنان :
( - بل احتمال موتك مثلاً  .... من يدري !
- ما جعلك تفكرين هكذا ؟
- الحرب . ومعارضة متزايدة لكم في كل الاتجاهات .
- ماذا تعرفين عن المعارضة ؟
- اكثر مما تتصور .
- مثلاً ؟
- بعضهم يتمنى قتلك .
- تقصدين أياد ؟
- ولماذا اياد ؟!
- ربما تصور , أنني أخذتكِ منه أو أضمر له سوء )ص250 .
ولكن قائمة اعداء ( عدنان ) المتربصين في قتله , يضاف الى القائمة أبن مدينته القديمة الحلة ( ضرغام ) فقد كان ( عدنان ) السبب المباشر في قتل ابيه واتهامه بالتجسس . لذلك تصرح ( غالا ) بحقيقة نواياه في التربص لقتل ( عدنان ) وقد صرح ( ضرغام ) في نيته في قتل عدنان , طلباً لثار مقتل ابيه . بدعوى النار تبقى ملتهبة , لا تنطفئ إلا بقتل عدنان . هكذا افشى سره الى صديقه القديم ( خالد ) بقوله ( هناك اشخاص مستعدون لدفع المطلوب مقابل تنفيذ عقاب بعدنان يكون درساً لاصحابه . هو عدو لكثيرين ) ص291 . ويحاول ( خالد ) ان يقنع صديقه بترك  اقتراف جريمة . ويضرب مثلاُ بأن أبيه تعرض الى اطلاق نار من قبل محافظ بغداد . ولكن ( ضرغام )  يصر على فعل القتل والثأر
( - العين بالعين والسن بالسن والبادئ اظلم ) ص293 . ويساهم  ( عدنان ) , في ترحيل وابعاد ( خالد ) عن روسيا بطرده منها . وكذلك تتسارع الامور . في استدعى ( عدنان ) الى بغداد , وترك ( رباب ) حامل , لانها لا يمكن هذه المرة , ان تجهض مرتين في عام واحد , يكون خطراً على حياتها . لذلك تواجه كلامها الى  عدنان  ( لسنا روس ولا الطفل جالس في احشاء بطني . نذالتك معروفة ولكن الى درجة التملص مني الآن  . أستخدمتني طول الوقت للتجسس على الناس . اغريتني . فحملت منك . خنتني مع الرايحة والجاية ) ص330 . . ويذهب ( عدنان ) الى بغداد ويتوجه الى القصر الجمهوري . وهو متيقن بأن حياته انتهى بها المطاف بالموت المرعب   , وساعات طويلة من  الانتظار قابله  ( صدام )  وهو  في حالة يرثى لها من الرعب ,  في مواجهة  صدام المرعب ( ليس اي رئيس كان . بل صدام باعث الرعب في الآنام ) ص336 . وبالفعل عرف انها وشاية من صديقه القديم ( أياد مجيد ) وبعد اذلال ومهانة يطلق سراحه , ولكن عليه ان ينفذ حكم الاعدام بصديقه ( أياد مجيد ) باطلاق الرصاص عليه مباشرة . وبالفعل نفذ حكم الاعدام . وتيقن بأنه على قائمة الموت والاعدام القادم  , اذا لم ينتهز فرصة الهروب , لينجو من الموت المرتقب , وبالفعل , قام بعملية الهروب الى خارج العراق  .
× رواية : الجنائن المغلقة / الجزء الاول
× المؤلف : برهان الخطيب
× الطبعة الاولى : عام 2006 . بغداد
× الطبع والنشر : دار الشؤون الثقافية العامة
× عدد الصفحات : 375 صفحة
 جمعة عبدالله