آدم يكتشف الأرض ويوطن عشقه، قراءة انطباعية في رواية (آدم لايشبه جدة) للروائي فهد عنتر الدوخي... بقلم الناقد والأديب المسرحي عبد السادة جبار


المحرر موضوع: آدم يكتشف الأرض ويوطن عشقه، قراءة انطباعية في رواية (آدم لايشبه جدة) للروائي فهد عنتر الدوخي... بقلم الناقد والأديب المسرحي عبد السادة جبار  (زيارة 53 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 279
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
آدم يكتشف الارض  ويوطن عشقه 

قراءة انطباعية لرواية
( آدم لايشبه جده )
المؤلف : فهد عنتر الدوخي
قطع متوسط.
100 صفحة
الاصدار / دار رؤى للطباعة والنشر
الطبعة الثانية

قد يقع بيدك كتاب او يهديك اياه احد الاصدقاء فتلقي عليه نظره عابرة ربما لا تعيره اهتماما بسبب تواضع التصميم او الطباعة  لكنك حين تبدأ بالقراءة  تجد مادة مميزة لم تفصح عنها تلك العتبات او لم تتمكن من التماهي معها حيث تغريك لتكتشف القلب .
هذا الامر حصل معي في رواية ( آدم لايشبه جده ) للروائي والكاتب الكركوكي ( فهد عنتر الدوخي ) غرابة العنوان هو العتبة المميزة والتي تدفعك للدخول الى الرواية 
دار النشر نوهت ( طبع هذا الكتاب في اطار مبادرة رؤى للطباعة والنشر في مشروع تخفيض كلفة الطبع لمئة نسخة لكتاب كركوك حصرا مراعاة للظروف الراهنة )
اذن عرف السبب ولهذا نحمل المؤسسات الثقافية  الحكومية مسؤوليه رعاية الكاتب العراقي ومساعدته لطبع منجزه بافضل شكل لان المنجز الثقافي هو وجه البلد وجانب مهم من حضارته ..ورواية مثل هذه تستحق الاهتمام فعلا
رواية ( آدم لايشبه جده)  ترحل بك الى قرية عراقية من قرى الشرقاط تحفل احداثها بشخصيات متنوعة ولم ترتكز على حدث محدد او شخصية محددة ..بل هي تلخيص اجتماعي وانساني وحيوات  سرديه كتبت باسلوب مكثف وشاعري اخاذ لمؤلف خبر اسلوبا تميز به جعل روايته كانها نهر هادئ وانت في زورق تمر بالضفاف لتتوقف بين حين وآخر لتستكشف حالات او شخصيات تكتظ بها تلك الضفاف دون ان يفجر حدثا كبيرا او مفاجئا غريبا ..في الواقع يكمن جمال السرد في هذه الحميمية الرائعة التي تشعر بها كانك تعيش في هذه القرية في مرحلة سبعينية..تأريخ تشم رائحته من سرد امين جدا على سلوكيات قروية سردها الكاتب بوعي توثيقي مفعم بالشاعرية والخيال الممتع

رواية شخصيات ومكان
الحدث هنا يمر المؤلف عليه من خلال الشخصية..والحدث ليس مفاجئا او غريبا ..بل احداث طبيعية كالتي تحصل في اي قرية  والكاتب لم يتعكز على صنع احداث مثيرة او غرائبية بل اهتم بحفريات دواخل الشخصيات ليكشف انفعالاتها وطبيعة علاقاتها بسرد أخآذ.
المكان محدود قريه ..لكن الشخصيات كبيره متنوعه كانها الناس اجمعين ...
نحن هنا نعيش اجواء تفاعل لشخصيات حية تشعر بها قريبة منك..شخصيات لم يركبها الكاتب لتعبر عن وعيه او فكره..بل تركها تطرح ذاتها ..تاريخها بكل صدق ..معبرة عن مرحلتها .
يشكل آدم السوداني قطبا لرحى تلك الشخصيات العراقية المتوزعه ضمن فضاء القرية ..وآدم هجر بلاده السودان من اجل البحث عن لقمة العيش ليعمل ناظرا زراعيا في قرية عراقية في الشرقاط .ترك خلفه حبيبته على امل العودة ليتزوجها لكن اخيها يغادر الى بلد اوربي وسيلحقها معه ..لكن آدم مرتبط بهذه القرية كانها تشكل مصيره لينتهي الامر به في البقاء  ويتزوج فانوس ابنة القرية   .

قرية تتصل بالعالم.
على الرغم من هذا المكان المحدود ( القرية ) الا ان الكاتب ينقلنا الى العالم الاوسع من خلال الحكايات ويغوص في التاريخ ..ليتصل بآدمية الانسان وسلوكياته المتوارثة وكانه يتواصل مع الجينات وتراكماتها باسلوب مميز فنحن نقرأ هنا احاديث عن موروث حضارة اشور وحضارة تانهو الافريقية ..ثم عربايا..وتارجان..نابولي..وحوادث بعيدة عن القرية ..ومن اروع ما في الرواية صناعته لحدث مميز باسلوب ذكي  وهو تعثر سير قطار يمر بالقرية ليتوقف المسافرون هناك بسبب السيول والمطر ..فيهب ابناء القرية لنجدتهم للتعرف على المسافرين ..وتشهد القرية هنا عرضا مسرحيا من بعض المسافرين ..ونقرأ  في الرواية نص العرض المسرحي ..وبذلك يقدم لنا الكاتب نصا مسرحيا داخل النص الروائي ..ولكن بانسجام تام ويصبح هذا العرض المسرحي من الذكريات الجميله لاهل القرية..  التفاتة ذكية جاءت تلقائية وليس افتعالية..
السارد الداخلي
تمكن الروائي فهد عنتر الدوخي ان يقدم لنا رواية تحفل بشخصيات متنوعة مستفيدا من سارد داخلي ( حاتم سليم عواد / كلية الآداب /جامعة الموصل ) يمنح تلك الشخصيات اهتماما متساويا دون ان يفرد لنا بطلا ..بمافيه السارد نفسه اذ يكتفي بدور السارد الواصف بصدق دون ان يمنح لنفسه دورا مميزا خاصا ..الا انه لا يتخلى عن دور المحلل لما يحصل ولكن دون فرض رأي او استنتاج نهائي ..
المؤلف مكن شخصية السارد من ان تكون قريبة جدا من الشخصيات ولكنها بعيدة عن المواعظ وفرض الافكار ..الا ان السمة الشاعرية كانت ملازمة للون السرد  دون مبالغة او افتعال او تغييب لطبيعة الشخصيات المرتبطة بالمكان ..الرواية تكتظ بعدد كبير من الشخصيات الرئيسية التي ترافقها لتجد باختلاف سلوكها وطبيعتها متعة وهي تتآلف لتشكل مجتمعا صغيرا في القرية يمثل نموذجا لمجتمع كامل ..الرواية تحتوي على اكثر من 10 شخصيات اساسية ( حاتم سليم عواد وهو السارد الداخلي ، آدم السوداني ،غريب الشيخ ،احمد الهندي ، نزيهة وبناتها ، حردان ، حازم ،رجب الباشا ،حميد ،فتحية ، صايل ، فانوس ) وغيرهم
الكاتب لم يحشر الشخصيات في الجوانب السياسية ليجعل روايته تجسيد لعوالم الشخصيات وعلاقاتها المعيشية والاجتماعية  ماعدا مايتعلق بحوادث بطولية في حرب تشرين 1973.
رواية آدم لايشبه جده ..تستحق القراءة والاهتمام ..واتمنى مستقبلا ان تطبع وتوزع بشكل افضل .