قراءة متأنية في ديوان (الحب في قريتي) للشاعر إبراهيم على عبدالله الجبوري...... تحليل نقدي، الدكتور محمد سلطان المشوح


المحرر موضوع: قراءة متأنية في ديوان (الحب في قريتي) للشاعر إبراهيم على عبدالله الجبوري...... تحليل نقدي، الدكتور محمد سلطان المشوح  (زيارة 189 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 290
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
قراءة متأنية في ديوان (الحب في قريتي) للأديب الكبير إبراهيم علي عبدالله الجبوري (أبو يعرب)...
بقلم د. أبو ولاء السلطان
من يتعمق في قراءة هذه المجموعة الشعرية التي صدرت للشاعر يدرك أنه عمل على تطوير مضامينه الفكرية، وأدواته الفنية بدأبٍ وإخلاص بوصفها الوسيلة الأولى للسير على طريق الشعر الطويل.
يقع الديوان في(88) صفحة من الحجم المتوسط، ويضم(45) قصيدة، تتراوح بين الطول والقصر، وقد صدر في طبعة أنيقة، فضلاً عن اشتماله على إهداء شعري  إذ جاء متعدداً، فشمل كلاً من: الأب والأم، والأخ والأخت، والحبيبة، واهل الزاوية المحروسة بوديانها وروابيها وسهولها، وهذا الإهداء بوصفه عتبة نصية يشي بما تصطبغ به قصائد الديوان من روح إنسانية وأسرية، مفعمة بصدق العاطفة وتوهجها.
يضم هذا الديوان قصائد عديدة ومتنوعة في موضوعاتها الوطنية، والعاطفية الحزينة، والقصائد العامة، بيد أن الرؤية العامة في هذا الديوان تتألف من بعدين أساسيين هما: البعد الأسري والبعد العاطفي، وهما يمتزجان معاً امتزاجاً عضوياً بارعاً، الأمر الذي ضمن لهما درجة عالية من النضج والعمق والتكامل.
عندما  قرأت الديوان شعرت أنني أقف إزاء القصائد إذ أدهشتني وحركتني ارتكازاتها وحركت في داخلي ارتباطاً بين اللغة الشاعرية وبين انزياحاتها الفاعلة،
وما من شك أن الشاعر تمرد على كل شيء ، حتى على قلمه الذي هو الوسيلة التي يحفر بها ما تنبجس عنه أحاسيسه ومشاعره ، فها هو يصرخ عاليا بأن قلمه لم يعد يسعفه في رسم هواجسه وهمومه وترجمة مداركه وعواطفه ، لأن هذا القلم ما عاد هو السلاح الذي لا يحسن استعماله إلا ذوو المشاعر والخواطر التي تصدر عن رؤى صادقة ، وإنما أصبح مطية طيعة يعتليها كل متسلق باليد ، فاسمعه يقول من قصيدته الأولى أو التي عنونها بـ (أولى القصائد):
دنياي عطرها عبير شذاها..... مذ تاه لحن الحب في دنياها
مرت كما مر النسيم معطراً......... وبدَت كأنّ الله قد حيّاها
إلى أن يقول:
أولى القصائد قد كتبت لأجلها........ والله جلّ جلاله يرعاها
من العنوان وهو عنوان القصيدة الرابعة فيه "الحب في قريتي"، يعثر القارئ على الفكرة المركزيّة التي يقوم عليها مجمل الديوان، فهو يصل الحكايات بوساطة هذا الحوار الغنيّ بثيمات أربع رئيسيّة ومؤسِّسة هي: الزمان والرغبات أو (الأمنيات) والذكريات والحب في القرية (الزاوية) مرتع الطفولة وعنوان الصبا، حيث يقول:
رقت بلقياك أنسام بوادينا..... من وحيها ولها رقّت أغانينا
واخضوضر الربع والجنات وارفةً...... ظلالها وبها أخضرت روابينا
هذي مرابعنا عادت وقد لبست...... ....من بعد ما عريت فلاً ونسرينا
إلى أن يقول:
فالحب لحن خلود لا شبيه له..... فإن دعانا أجبناه مُلبينا
الحب في قريتي بل في مناطقنا....... مقيّدٌ بتقاليد تعنينا
إلى أن يختمها بقوله:
يبقى الوفاء أكيداً في ضمائرنا..... للقرية الأم نغليها وتغلينا
أما الحوار في الديوان يجيء من الرغبة في اختراق الزمن وعدم التسليم بوقائعه المؤلمة، وذلك باللجوء إلى الذكريات واستعادة ما فيها من جمال مفقود، يميزها التنوع والتلامس بعمق مع نهر الحياة، والاقتراب بلغة الشعر من الحياة اليومية بقصائد متنوعة وأصوات مختلفة وألوان متدرجة في القوة والإيحاء.
أن الشعر وجدان في المقام الأول، وتعكس قصائد الديوان هذه الوجدانية الخالصة في إبحار داخل عالم الكلمة وأجواء الصورة ومسرح الأخيلة والاشعارات. والشاعر يملك أدواته الجميلة وهدفه كشف هوى الذات وتعلقها بصور الجمال ومظاهر الحياة والتعلق بالقيم والغناء على قيثارة الشعر لنقل الذات إلى عالم الكلمة الحية المتجددة.
إن ما يلفت نظر القارئ لهذا الديوان هو ولع الشاعر بالتفاصيل والتقاطها ثم الحديث عنها بأسلوب شاعري لا يسع المرء إلا الاستكانة له والإنصات إليه، ولا ريب أن ما يميز الشعر الرفيع هو البحث عن التفاصيل ومحاولة التعمق فيها
وقد تنوعت قصائد الرثاء في ديوان الشاعر ، وقد رثى الشاعر والدته وشقيقه الاستاذ صالح والشيخ محمد عبيد العلي والشيخ نايف المهيري والشيخ حروش سالم الجرباء والفقيد ابن اخته حسين خلف سليمان وابن اخته محمد السيد حمد ( أبي فراس) والفقيد النائب محمد حسين العوضوالشيخ عبدالله الروضان والفقيد ياسين العماش والمربي الفاضل أبي أياد والشيخ ادهام خلف السالم ( أبي رشاد) والاستاذ الفاضل عماش حسين العلوك والمرحومة شفاء الابراهيم والفقيد هاشم حسين الرضوان (أبي قيس) واللواء الركن الشهيد فرحان المطلك
وهنا يقدم نفسه وقد وضع يده على جمرة الشعر.
يقول الشاعر راثياً والدته:
محا اليأس من طول البلى والتقادم..... رسوماً لليلى بالدموع السواجم
فيا قلب دع ذكرى الاحبة والهوى..... فما عاد يشجيني هديل الحمائم
ودع ذكر سلمى والرباب وزينب..... فذلك اضحى من حديث المواسم
فمذ رحلت أمي بقيت مولهاً............ وقد قوض الهدام اقوى دعائمي
وكنت قرير العين حين فقدتها......... فعدت وحيداً مثل وحش التهائم
 عندما ندخل حدائق هذه المجموعة الغنَّاء ستسحرنا القصائد التي تضوع حروفها بالحب والهيام والشغف ويعبق بين جنباتها الشذا والعبير, قصائد مندَّاة بألق وسحر الكلمات, يتوهّج المعنى وتومض العبارة فوَّاحة بالياسمين فتزهر براعم العشق فوق دروب الحالمين بمواسم أكثر بياضاً وخصباً, مواسم يحلو فيها القطاف وتتوارف فيها الأحلام والآمال .‏
ومن يقرأ هذا الديوان يجب أن يتوقف طويلاً عند رائعته (الطحالب)، فتجد للشاعر قدرة فائقة على البوح الذاتي المتأمل تارة، والمتألم أخرى عبر سبر أغوار ما تزخر به هذه الذات من قلق وتوتر، من أسى وكمد على حال الجماد والعباد.
وفيها يقول:
يقلدون ذوي الأفضال في سفهٍ..... ..وهم طحالب لا جذرٌ ولا ورقُ
حتى الثوابت فيهم لم تعد سنداً..... غير المراءآة والتسويف ما رزقوا
شاعر معمّد بالعشق واكتحل به فهو يرى الكون جميلاً ونقيّاً مزهراً فالحب قد فرش له دروب الفرح وفتح له أبواب الهناء، فلحظات الفراق أجّجت فيه نار الحنين والشوق فصارت الآهات تخرج من بين ضلوعه كألسنة الّلهب, هي آهات حالمة بلقاءٍ قصير ولو لبرهة من الزمن يكحّل الشاعر أهدابه وناظريه بمشاهدة ليلى وكم تمنّى أن يطير إليها لاغياً كلّ المسافات والحواجز ليلملم العطر المنساب من لماها ويثمل من رحيق الحب في غفلةٍ من الزمن فهوى ليلى قد أذاب القلب وهيَّج لواعج الشوق .‏
حيث يقول:
أنا يا جميلة والهوى عبداك..............أقصى مناي بنيل بعض رضاكِ
إن قلت أني لن اكون متيماً............. هتف الفؤاد بأنني أهواكِ
إلى أن يقول:
لولاك. ما دونت حرف قصيدةٍ................ أنا ما كتبت لغادةٍ إلاكِ
عيناك منها أستمد قصائدي.................... تعس الزمان إذا همت عيناك
سمراء أنت ملكت كل مشاعري..... ........جودي بوصلك وأطلقي أسراكِ
إلى أن يقول:
فترفقي بمتيمٍ ومولهٍ...... قد كاد يلثم من أساهُ خطاكِ
لم يلتفت لجميلةٍ ومليحةٍ..... ما مال يوماً قلبه لسواكِ
يطمئن الشاعر حبيبته ورفيقة دربه بأنَّ هواها ما زال متجذّراً في أعماقه يداعب أوتار قلبه ويسكن أحداق العيون وينبض مع الوريد وأنه سيصون هذا الحب ويحافظ عليه ويبقى وفيّاً لها:
يقول في قصيدةٍ مهداة إلى زوجته أم يعرب:
ذكرتك عند الضيق كل جوارحي..... وشغلت كل مشاعري يا حانيه
إلى ان يقول:
لم أنسَ انك فد فزعتِ لحالتي..... ...وذرفت دمعك المصون الغاليه
هيهات يوفيك القريض فأنتِ من..... ضحّت فكانت في العواطف ساميه
إن الحديث عن الأديب أبا يعرب، هو الحديث عن الأنسان المنخطف للوعة العشق، والمتأمل في ملامح الجمال أينما تجلى، والكاشف لمكامن السحر الذي تعبق به الصورة الفاتنة، والنغمة الشاردة، والحركة الميادة، إنه حديث عن أحد أهم الشعراء الذين استهواهم التأمل الوجداني الخالص، والاحتفاء بما هو عميق، ومن ثم تبدو قصائد أبا يعرب وكأنها لوحات تشكيلية لملامح الذات العاشقة لأطياف مكامن الجمال، والسحر الماثل في مظاهر الطبيعة، إنها شحنات من الانفعالات الحادة، ولمسات مفعمة بنفحات روحانية لم يستطع الشاعر لها رداً.
إن روح قصائده توقظ الأحاسيس وتؤججها، وتنعش الذوات لتسري فيها حلاوة الفرح بانبعاث الحب الكبير في أوصالها، وهذا ما منح قصائده طابعها الأصيل غير القابل للاستنساخ.
والملاحظة التي تسترعي الانتباه هنا أن الشاعر كان حريصا على توظيف نوع من المراسلات الوجدانية بين الذات الشاعرة، والمظاهر الطبيعية باعتبارها رموزا تساعد على الإبلاغ الشعرية حيث يسقط الشاعر عليها حالات وجدانية يروم من خلالها البحث عن وسائط تعبيرية تساعده على البوح الذاتي الصرف، حسب اللحظة الشعورية كما هو واضح في قصيدته (طائر على شجيرتنا)، حيث يناجي بقايا شجرة الصفصاف التي زرعت قبالة نافذة غرفته ونتيجة لأحدى العواصف العاتية هوت، ثم نمت جذورها من جديد، والشاعر يراقب طائر الهزاز الذي هجر المكان منذ أن هوت تلك الشجرة، ثم يعود ليغرد  من جديد بعد ان نمت غصونها، فيقول:
يا طائراً يشدو بلحنٍ صافي..... متسربلاً بشجيرة الصفصافِ
لينبه الأجفان بعد رقودها......... فعلى صداحهِ يستفيقُ الغافي
إلى أن يقول:
وهوت وديعتنا بيومٍ بائسٍ............ والقول من ذا الهول ليس بكافي
وعجبت ممن يستخف بما جرى..... فالبعض قد يعزوه للإسفافِ
الحبُ عند الناس ليس بواحدٍ..... ومحبة الأشجار من أعرافي
لا يسعنا أخيراً إلا أن نقول بأن المجموعة الشعرية (الحب في قريتي) جاءت على شكل غمام مثقل بالبوح والوجد والحب فتناثرت الحروف والقصائد تعطّر نوافذ العشّاق والمحبّين وتدغدغ أرواحهم الحالمة بصباحات ملوّنة بأطياف الحب والجمال وأيام مشرقة حبلى بالمسرّات.‏
وفي المجموعة قصائد أخرى يبوح بها الشاعر في ديوان حبّه علَّه يجد الطريق ويلقى الهناء, قصائد معجونة بخمر العشق النقيّ الصادق والمعتّق في دنان الزمن, قصائد تحمل معاني الوفاء والإخلاص والشوق والحنين وجراح ضجَّ بها قلب الشاعر وناح بها على شرفات حزنه.‏
المجموعة صادرة عن مطبعة الكرم للطباعة والنشر – موصل – شارع النجفي عام 2011‏.