وقع الإغتراب على الإبداع


المحرر موضوع: وقع الإغتراب على الإبداع  (زيارة 169 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نجاة تميم

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 26
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
وقع الإغتراب على الإبداع
« في: 19:40 06/06/2019 »
وقع الإغتراب على الإبداع
                                                                                             
نجاة تميم
   الغربة بمعناها المتداول هو الانتقال اختياريا، من بلدك ومسقط رأسك للعيش في بلد آخر، للعمل أو الدراسة أو ما شابه ذلك، أو قسريا كاقتلاعك من جذورك، نفيا أو تهجيرا اضطراريا. وفي الحالتين، يغمرك إحساس بالاغتراب عن هذا الوسط الجديد. لكن يمكنك أن تعاني من هذا الإحساس  ببلدك وبين أهلك وخلانك.
   فحالة الاغتراب، هاته، التي يمر بها الانسان، بحسب د. ملحم بركات في كتابه الموسوم "الاغتراب في الثقافة العربية"، تتصل بمشكلات التفكك الاجتماعي والثقافي والسياسي. فعندما يكون المرء عاجزا، ويعي عجزه في علاقاته مع المجتمع ومؤسساته، تكون ثلاث خيارات أمامه؛ إما الانسحاب أو الرضوخ أو التمرد أي أن يثور على وضعه الاجتماعي والثقافي والسياسي.
   لقد استخدم مفهوم "الاغتراب" في الفلسفة والدين وعلم الاجتماع والطب النفسي والأدب والاقتصاد والقانون. وتعددت دلالاته بحسب كتاب كثر؛ مرورا بروسو وهيغل ووصولا إلى علماء الاقتصاد والاجتماع؛ (كارل ماركس) و(إميل دوركايم) و( ماكس فيبر) و (كارل مانهايم) وغيرهم.
   أما هيغل، فيعتبر حالة الاغتراب مرحلة ضرورية وعابرة ووسيلة لخروج الفكر من ذاته ولبلورة محتواه، ويجعل المرء نفسه غريبة عنه و يقوم بإنشاء عالما موضوعيا لا يتعرف فيه على نفسه، لكن هذا الضياع هو اغناء في نفس الوقت، فلولا هذا الاغتراب لما تمكن الفكر من معرفة إمكانياته الحقيقية و لما حقق تلك الإمكانيات.
   وباختصار يقول سارتر أن الانسان يصبح غريبا عن ذاته بفعل الصورة التي يعكسها الآخر عنه والتي لا تكون مطابقة مع صورة ذاته التي يحملها، ويضيف أن الاغتراب عن الذات يتضمن وعيا مؤلما بغياب الذاتية الحقة للفرد.
   هذا، عن الجزء الأول من عنوان الندوة فسننتقل الآن إلى الجزء الذي يخص موضوعنا الأساسي: الإبداع.
   إن الروائية سلوى جراح تقدم لنا سيرة ذاتية، تحت عنوان "لملمة أوراق تبعثرت"، ومن خلالها، سنكتشف معا، خبايا هذا الاغتراب؛ وهي التي تنتمي "إلى عيلة لا تُزوج بناتها للأغراب". ص 10 
   وبالمناسبة، فالسيرة الذاتية هي جنس من أجناس الأدب: ظهرت في بداية القرن التاسع عشر في بريطانيا. وعادة تكتب السيرة الذاتية بعد أن يتجاوز الكاتب عمرا معينا لكي يتسنى له أن يقدم حصيلة تجاربه الحياتية التي ساهمت في تكوينه.
   لكن هناك حالات خاصة؛ فالكاتب الإنجليزي جورج مور والفرنسي ميشيل ليغيس كتبا سيرتيهما الذاتية الموسومتين بالتتالي " اعترافات شاب" (1888) و"عمر إنسان" (1939)،  وعمرهما لا يتجاوز الستة والثلاثين ربيعا. وفي عالمنا العربي المعاصر، اشتهر الكاتب والروائي المغربي محمد شكري  بثلاثية سيرته الذاتية الموسومة؛ "الخبز الحافي" 1982، "زمن الأخطاء" 1992 ، و"الشطار" 2000. مع العلم أنه كتب الجزء الأول منها وهو في الثلاثين من عمره.
  وبحسب فليب لوجون، السيرة الذاتية عبارة عن حكي استيعادي نثري يقوم به شخص عن وجوده الذاتي وذلك عندما يركز على حياته الفردية وبالأخص على تاريخ شخصيته. وقد وضع فليب لوجون ميثاقا سير ذاتيا لجنس السيرة الذاتية والذي ينص على أن يصنف الكاتب مؤلفه، على غلاف الكتاب كأول عتبة أو على أول صفحاته. أما الشرط الثاني وهو أن السارد والشخصية يحملان اسم الكاتب نفسه والشرط الثالث والأخير ينص على أن يكون هناك توافق بين هوية الكاتب والسارد، وتوافق بين هوية السارد والشخصية، بالإضافة إلى الصدق والمصداقية التي يجب أن يسودا هذا النص السير ذاتي.
   إذا تمعنا في كتاب سلوى جراح، فإننا نجده مصنف كسيرة ذاتية وأن الكاتبة تتحدث بالضمير المتكلم "أنا" وأن هناك توافق بين هوية الكاتبة والسارد وكذلك بين السارد والشخصية. كما أنها تتعهد أمام قرائها أنها ستحاول "أن أقول ما عندي بقدر ما أستطيع من صدق وأمانة". ص (8) وعليه فإن كتابها سيرة ذاتية بامتياز؛ تتوفر فيها شروط الميثاق الأتوبيوغرافي الذي وضعه الكاتب الفرنسي لوجون.
   تتكون  هذه السيرة الذاتية من اثنتي عشر فصلا دون عدّ المقدمة التي تشرح فيها الكاتبة سبب مشروعها السير ذاتي وتلخصه في دفاعها عن نفسها؛ لكي تبرأ نفسها أمام قرائها وتنفي الطابع السير ذاتي في باقي روايتها. بدأت مشوارها السير ذاتي من ولادتها بفلسطين عام 1946 وانتقال والدها بعد ذلك، الذي كان آنذاك يعمل مهندسا في شركة نفط العراق، إلى البصرة في العراق في نهاية عام خمسين من القرن الماضي.
   وقد كان أول اتصال لها بالعالم الخارجي بمدرسة الفاو الابتدائية النموذجية التي نصحت مديرتها الوالد "ذا النون" جراح بأن يسجل ابنته سلوى في مدرسة أخرى لأنها لا تشبه أطفال الصرائف. بالإضافة إلى الارباك الذي أصاب الطالبات وبائعة اللبلبي والذي حصل بسبب القطعة النقدية التي أرادت سلوى شراء اللبلبي بها. يبدو أن هذه القطعة النقدية، التي أخذتها من علبة أبيها الزجاجية دون علمه، كانت مبلغا ضخما من المال.
   وبعد تجربة الفاو، أرسلت إلى مدرسة الشويفات الدولية في بيروت، لتحظى بتعليم يساعد على تطوير شخصيتها. قضت بضعة أشهر فيها، ثم عادت سلوى إلى مدرسة الراهبات، بالبصرة. وهناك أحست، في هذه السن المبكرة، بالانتماء إلى مكان وناس وتاريخ وجغرافية. واكتسب هذا الانتماء للمكان والناس أبعادا، وتسترسل : "لوّنتني وشكلت رؤيتي ومشاعري على مدى سني العمر". ص 67
   ففي عام 1956، خلال إقامة العائلة بمدينة كركوك، التحقت سلوى، لفترة، بالمدرسة الأمريكية بيروت لدراسة اللغة الإنجليزية. فهذه المدرسة الأمريكية، تستقطب الطالبات من  دول متعددة، يتكلمن فيما بينهن لغات بلدانهن. لم ترق لها الحياة بالمدرسة الداخلية التي عانت فيها من حرمان الحرية الشخصية والحياة الاسرية. أحست سلوى لأول مرة بالوحدة والاغتراب. ولم تجد من يتحدث معها؛ لأن الطالبات العراقيات كن يعتبرنها الفلسطينية " المعرَقة".
   ومن بيروت عادت إلى كركوك، التي قضت بها سنين أطول، بمدرسة مار يوسف للراهبات الكلدان بين 1955 و1962. وهناك "عادت لعراقيتها التي تراكمت مع السنين وصار البعد عن العراق يقلقها". ص. 78
   مع نهاية صيف 1958، انتقلت العائلة للسكن في بيت بناه الوالد "ذا النون" في مزرعة، في منطقة خالية، خارج كركوك. عرفت هذه الحقبة التاريخية أحداثا كثيرة. لكن ما أثر بها هو ما قاله لها والدها أثناء اعتقاله واتهامه بالتخاطب مع الشواف الذي قاد التمرد ضد الثورة الفتية عام 1959: "لا تبكي أبوك وطني يحب بلده ولم يفعل ما يسيئ له". ص94 وفعلا أطلق سراحه في اليوم التالي. وخلال تلك الحقبة التاريخية، حدثت سلسلة من الانقلابات والنكبات والانتكاسات الدامية في العراق وفلسطين. ذاقت سلوى مرارتها ولها أيضا موقفا صريحا منها.
   مرحلة جديدة تبدأ بترقية الوالد وانتقال العائلة إلى بغداد. لكن ما لم يخطر على بال سلوى أنها، الآن، تعتبر طالبة قادمة من مدينة صغيرة "كركوك" ولا ترقى، حسب زميلاتها، إلى مستوى العاصمة بغداد. فبالرغم من اعجابها الشديد بمدينة بغداد، "فهي ليس الفلاح القادم من القرية إلى المدينة لأول مرة". ص. 109 وهنا تتغير نظرة الآخر لها. ولم تذكر أنها كوَنت صداقات بهذه المدرسة. مما جعلها تتقوقع على نفسها وتقول: "وصار الطعام المتنفس الوحيد وتراكمت سمنتي". ص 110
   كانت تشعر بالضياع وهذا أثّر على معدلاتها بامتحانات البكالوريا، وبذلك لم تستطيع تحقيق حلم أبيها بأن تصبح طبيبة. ولإرضاء والدها، قدمت أوراقها لعدة جامعات مصرية، لكن بدون جدوى وعادت إلى بغداد لتسجل بجامعة الحكمة  للآباء اليسوعيين، وذلك لدراسة اللغة الانجليزية والفلسفة وأساليب التعليم وتتخرج منها عام 1969. فخلال دراستها، كانت تعمل مساءا مترجمة بتلفزيون بغداد وعينت بعد التخرج مترجمة، في القسم التجاري، في شركة نفط العراق.
    لكن الإحساس بالاغتراب، عاد ليسيطر عليها، من جديد، بعد تأميم شركة نفط العراق، عام 1972. فنُقلت مع مجموعة من عمال النظافة والفراشين  إلى مبنى أمانة العاصمة في مدينة بغداد. وتَعترف أن الكتابة عن هذه المرحلة من حياتها شلَت تفكيرها، وكانت مرحلة معقدة عاشت خلالها ضياعا وصل في لحظات إلى حالة من الهلع والخوف. تعقدت الأمور بحيث صعُب عليها تحمل مسؤولية طفلها الصغير وغياب الزوج لفترة تدريبة في الخارج، وعمل لا يروق لها، ولا يرق لما درسته في جامعة الحكمة. فهذا الضياع والإحساس بالاغتراب الاجتماعي والسياسي يولد  شعورا بعدم التفاعل بين الذات وذوات الآخرين، وهو احساس بالعجز وعدم القدرة على التأثير وعلى تغيير الوضع الاجتماعي، بحيث يخلق شعورا بالتهميش وبقمع الآخر له، وسيطرته عليه وعلى مستقبله.
   نصل والكاتبة سلوى جراح إلى محطة مهمة، بالنسبة لها: لندن. هذه الفترة، لم تخلو، هي الأخرى، من اغتراب مضاعف ومتعدد الأوجه إذا صح التعبير؛ الانتقال للعيش في مجتمع غربي؛ تستغرب الكاتبة لعدم تمكنها من تكوين صداقات مع أسر انجليزية ولا تعرف السبب الحقيقي لذلك، واحساس باغتراب آخر داخل الخلطات العربية اللندنية، حسب قولها، خلال اثنين وعشرين سنة من عملها بالقسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي.
   لكن بالرغم من ذلك كله، وبالعزم والإصرار وتعزيز الثقة بالنفس في وسط غربي، يُأمن بتمكين المرأة ويؤمّن لها حريتها،  حققت سلوى جراح نجاحا في إعداد وتقديم برامج متعددة ومهمة. وبعد اعتزالها العمل بهيئة الإذاعة البريطانية وهي ما زالت بكامل طاقاتها، استغلت وقتها وصقلت مواهبَها المتعددة وانطلقت من نجاح إلى نجاح.
   ونخلص أن تجربة الاغتراب، ليست سلبية، لأننا نساهم في صنعها بأنفسنا، فهي تجعل نظرتنا للأمور ثاقبة أكثر وتمكننا من التأني خلال سيرورة نظرتنا للآخر ولأنفسنا.
   وأخيرا، عندما تسامت الكاتبة وتجاوزت المثل الشعبي" همّ نزل وهم يدبّج"، نجحت في التراضي مع نفسها، واثبات ذلك في تأليف روايتين رائعتين، عن العراق، الموسومتين بالتتالي "صورة في ماء ساكن" (2014) و"أبواب ضيقة" (2016)، بعدما أرضت جدّتها ووالديها وأهلها بالكتابة، عن فلسطين، في الرواية  الموسومة "صخور الشاطئ"، ولها أيضا روايات أخرى "الفصل الخامس" و"أرق على أرق" و"بلا شطآن". وكان آخر كتبها سيرة ذاتية تحت عنوان "لملة أوراق تبعثرت" قالت فيها كل ما عندها وأبقت لنفسها بعض الأوراق، ربما تطلعنا على فحواها في عمل جديد.