الأب يوسف عتيشا الدومنيكي، مسيرة حياة مشرقة


المحرر موضوع: الأب يوسف عتيشا الدومنيكي، مسيرة حياة مشرقة  (زيارة 573 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل الأب نويل فرمان السناطي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 151
    • مشاهدة الملف الشخصي
الأب يوسف عتيشا الدومنيكي، مسيرة حياة مشرقة
(تلكيف، حزيران 1928- باريس، حزيران 2019)
[/font][/font]

الأب نويل فرمان السناطي
________________

انتشر الخبر الذي وزعته مايليس ديلوزارشز، من سكرتارية اقليم فرنسا للآباء الواعظين- الدومنيكان، عن رحيل الأب يوسف ميخا عتيشا، يوم الاحد 2 حزيران 2019 (المولود في تلكيف 29 حزيران 1928)، ومنذئذ والمَشاهد عن حياته تتعاقب في الذاكرة... فرأيت ان اشارك بها القراء الكرام، ممن عرفوه أو يتطلعون الى معرفة هذه الشخصية الدومنيكية المنحدرة من أسرة كلدانية عريقة.
لسنوات خلت، عاش الأب الراحل، في دار لرعاية الآباء المسنين بفرنسا، التي قصدها منذ 2015 مستجيبا لطلب الرئاسة العليا، عندما تجاوزت به السنوات عمر الاعتماد على الذات، فكان يعيش فيما سماه زميله الراحل قبله، عن المكان عينه، الأب توما كوسماوو - سائق الشوفرليت 57- "صالة انتظار الأبدية".
بعض أصداء سنوات الانتظار هذه أوردها الأب رامي شاول، المتتلمذ على يديه في أولى خطواته الرهبانية، منذ أن وقـّع أمامه بابتسامة، في صيف 1994، وعلى مرأى مني إذ كنت مررت في تلك اللحظة هناك، أثناء عملي بالدير، على طلب الانتماء الى هذه الرهبانية، كواحدة رهبانيات الكنيسة الكاثوليكية. جاء ذلك خلال قداس أقامه عن راحة نفس الفقيد يوم الثلاثاء 4 حزيران 2019 في كاتدرائية القديس يوسف بالسنتر، سيادة جان بنيامين سليمان، مطران ابرشية اللاتين في العراق بمشاركة الدومنيكان من دير بغداد وأبوين من الابرشية وحضور صاحب النيافة المغبـّطة الكردينال لويس روفائيل ساكو، بطريرك الكلدان، ومعاونيه الثلاثة مع سكرتير السفارة البابوية وكهنة من بغداد، من مختلف الكنائس. وحضرت القداس رهبانيات متنوعة مع جمهور من المؤمنين.

من الكلمة التأبينية للأب رامي الدومنيكي
____________________________

 عن تلك المرحلة وما الهمته من استرسال عن خبرته معه، تحدّث الأب رامي، رئيس دير الآباء الدومنيكان في بغداد، خلال كلمته التأبينية، مخاطبا الحضور ومشيدا باستجابته، حال إعلان القداس قبل يوم واحد فقط، قال:
"آخر مرة التقيت فيها أبونا عتيشا كانت في شهر أيلول الماضي عندما زرته في ديرنا في باريس المخصص للإخوة كبار السن. كان لقاءا صعبا جدا معه هو الذي كان يحب الحلويات، رغم ان مرض الزهايمر دمر ذاكرته منذ حوالي خمس سنوات، الا انه لم ينسى حبه للحلويات خلال تلك السنين، لكن هذه المرة لم تعجبه ولا قطعة من المجموعة المختارة التي قدمتها له. وأيضا لم ترنّ على مسمعه كلمات مثل: العراق، التعليم المسيحي، المقالات، مجلة الفكر المسيحي، معهد التثقيف المسيحي وكلية بابل... كلمات كانت سابقا تحرك ذاكرته فيذكر الشي غير قليل من حياته العراقية. وبعد نقاش طويل عن كل نشاطاته، يتوقف، يأخذ نفسا ونفسين ثم ينظر إلي باستغراب ويسالني: من أنت؟  لماذا انت هنا؟ كأنه يذكرني بأول لقاء لنا في بغداد حيث سألني من انت؟ قدّم نفسك؟ وبعدها يسألني: ماذا تريد؟
وفي حينها (سنة 1994) وما بعدها ساعدني الأب في الإجابة على هذين السؤالين: من انا؟ وماذا أريد؟ وخاصة عندما بدأ يحكي لي عن الدعوة، ودعوة الله لأبينا إبراهيم، ودعوة صموئيل النبي وصولا  الى الدعوة الرهبانية والدومنيكية. طريق طويل رافق خلاله الاب عتيشا الكثير من الشباب بل أيضا الشابات، منهم من اختار ان يواصل حياته في طريق آخر والبعض واصل السير في الطريق على خطى ابينا القديس عبد الاحد او في رهبانيات أخرى او دخل المعهد الكهنوتي (السمنير)."
وفي مقارنة بين خبرة الراهبين الواعظين (الأول من خلفية كلدانية، والثاني من خلفية آشورية) قال الأب رامي:  "ساعدتني كثيرا خبرته الشخصية الرهبانية، وخاصة ما يتصل بخبرته من جانبه مع أهله عندما علموا أنه قرر أن يسافر الى فرنسا ليصبح راهبًا دومنيكيًا، ومع أنه، هو في حينها، كان أصلا قد ارتسم كاهنا كلدانيا وخدم في البصرة حوالي سنتين، لكن بكاء اهله وتفكيرهم في قطيعته، كل هذا لم يثنه عن السفر لفرنسا، إزاء ما كانوا يحسون به من صعوبة بشأن ذهابه إلى بلاد الغربة والهجرة والفراق..." 
أما عن عطائه الفكري، فذكر الأب الواعظ، أنهم سوف ينظمون مناسبة بشأن ما قدمه، في حياته الفكرية الغنية والكتب العشرة او أكثر التي قام بتأليفها، واحد منها بالاشتراك مع الاب البير ابونا وآخر بالاشتراك مع غبطة البطريرك ساكو وسيادة المطران يوسف توما. إلى جانب عشرات المقالات في مجلة الفكر المسيحي ونجم المشرق، وعمله في الدورة اللاهوتية حيث حاضر لمدة 19 سنة، إلى جانب تدريسه في كلية بابل للاهوت او معهد التثقيف المسيحي، او خدمته الراعوية في هذه الكاتدرائية وغيرها، إلى جانب خدمته، ومشاركته في عدد من خدمات الخورنات.
 
حياته الرهبانية
 _________

"أما عن حياته الرهبانية، فبعد نذوره المؤبدة في فرنسا، عاد إلى العراق سنة 1965 ليساهم في تأسيس وافتتاح دير الدنح في بغداد. هذه العودة والتواجد في العراق حافظ على وجود الآباء الدومنيكان في العراق، لان الحكومة السابقة وفي سبعينات القرن الماضي أخرجت تباعا كل الآباء الدومنيكان الفرنسين. لولاه ولولا الاب المرحوم خليل قوجحصارلي لا نعرف هل كان سيكون اليوم دومنيكان في العراق أم لا؟" وأردف:
"عاش الحروب والحصار ومشاكل الحياة العراقية والديرية والجماعية، الا انه رفض ان يترك العراق. فتنقل بين تلكيف مسقط رأسه، والموصل وبغداد والبصرة وباريس وبغداد والموصل وقره قوش وعينكاوه الا أنه رفض ترك العراق الا بأمر الطاعة من الرئيس الإقليمي بسبب اشتداد المرض عليه وذلك في سنة 2015 ولم تكن في العراق الإمكانية لمتابعته صحيا..."
الدومنيكان: الصلاة والتأمل، الدراسة والكرازة
"أحب حقا عيش الحياة الدومنيكية بكل ابعادها، من الصلاة والتأمل، الدراسة، الكرازة والوعظ والحياة الجماعية. لم ينقطع عن الصلاة والتأمل يوما، لا بسبب محاضرة ولا بسبب كتابة ما. عاش الفقر والعفة والطاعة بكل أمانة وبكل ابعادها. يكفي انه بعد 40 سنة في بغداد وافق على الانتقال الى مدينة ودير الموصل في سنة 2004 لكي نتمكن من افتتاح مرحلة الابتداء للإخوة الجدد."
"ولا يعلم الكثيرون كم اهتم الاب عتيشا بالفقراء اهتماما كبيرا وهو الذي أسس صندوق الفقراء في دير بغداد وفي فترة الحصار كانت سفراته الى أمريكا مصدر خير وبركة لصندوق الفقراء حيث كانت تبرعات الاحبة والأصدقاء وخاصة عائلته (بيت عتيشا) في أمريكا الدور الأكبر في تغذية الصندوق ومساعدة الفقراء."

حب العراق
__________

عن حب العراق اختتم الأب رامي كلمته بالقول:
حافظ الاب عتيشا على حبه لهذا البلد حتى بعد ان كانت ذاكرته قد بليت، فكان يقول لي في كل مرة ازوره في فرنسا: رجعني معك للعراق، أقول لك رجعني معك  للعراق! وأنا أقول له الى اين ترجع؟ ستموت خلال أيام!  ليجيب بثقة وصدق: ما يخالف رجعني  للعراق... فيا أبانا يوسف عتيشا، اليوم العراق يتقدم نحوك ليحتضنك بقوة في عيون وصلاة وقلوب كل من عرفوك واحبوك واحبوا العراق."

مشهد كتابي من تعليم الأب يوسف عتيشا
__________________________

بقي عالقا في الذاكرة، من محاضراته في الدورة اللاهوتية بكاتدرائية القديس يوسف، السنتر، ذلك المشهد المكون من صورتين متناظرتين:
وبما يجعل الصورة الاولى، كأنما المرآة للصورة الثانية، بما تحمله من معالم ورموز:
الصورة المرآة: شجرة المعرفة في الإرث النهريني وامتدادها إلى شجرة عدن، الرجل آدم لصيقا بالشجرة، المرأة حواء أمام الشجرة، وينحدر على مرأى منهما نهر الفردوس.
الصورة الثانية: المشهد الحقيقة التي عكسته المرآة: الشجرة، خشبة الصليب، المعرفة الجديدة، والجهالة عند الأمم، آدم الجديد، يسوع المسيح لصيقا بشجرة الصليب، المرأة حواء الجديدة التي داست رأس الأفعى، في ونهر الملكوت، في المشهد: نهر دم وماء يجري من جنب آدم الجديد لصيق خشبة الصليب.

ذكريات وطرائف
___________

خلال العشر سنوات التي أمضيتها في مجلة الفكر المسيحي، بعد تسلم إدارتها من قبل الاباء الدومنيكان، تحضرني بعض الذكريات. منها أنه يوما ما أحسسني بمسؤوليتي، في نشر مقالاته عن التعليم المسيحي، فيما كنت أحسب مع نفسي أني لست الطرف الوحيد المسؤول عن تقرير نشر المقال، وتلك كانت المرة الأولى التي أتذكره فيها في موقف: عندما تهتز الشوارب.
ولكن الطابع الذي رافق طلعة الأب عتيشا، هو أن وجهه يعكس كالمرآة علامة الحزن، امام أمر مؤسف وأمام الصعوبات التي مرّت بها البلاد، وبالقدر عينه، كانت تعكس سلامه الداخلي، وفرحه وابتسامة عينيه قبل شفتيه عندما يخاطبك.
وعندما يحدث طارئ، يأخذه بروح النكتة لدى استذكاره، خصوصا مع سيارته، التي كان أول عهده بها، عندما كانت مركونة في كراج الكنيسة. فعندما أراد أن يخرجها، حول محرّك السرعة إلى أمام بدل أن يحوله إلى الخلف، فهمّت السيارة بالخروج من الحائط المقابل.
وعندما حدث له حادث على طريق الموصل، مع حمار سائب، قال: لم يكن الذنب ذنبي، بل الحمار جاء وارتطم بالسيارة.
وكانوا يدعونه في الدير، باسم جوزيـيـف، كاسم دلع، وذلك لتمييزه عن أسم أخيه في الرهبانية الأب (المطران) يوسف توما، ورافقه الأسم، كما سنرى حتى لدى انقاله إلى قره قوش.
وكان يقال، إنه لشغفه بالقراءة، كان يمضي ساعات من عطلته الصيفية السنوية في فرنسا، في غرفة بالدير بقراءة كتاب أو مقال في جريدة...

مقتطف من كتاب الأب (المطران) نجيب ميخائيل
________________________________

تهيأ لي أن اترجم للأب (المطران) نجيب ميخائيل، كتابه الصادر بالفرنسية، وسوف يطبع بعنوان: انقاذ الفكر وانقاذ البشر. وجاء في الكتاب ذكر لبعض النكات المتبادلة بينهم:
في الطابق العلوي، ما زال جوزيف (أ. يوسف عتيشا) نائما على سريره. أعرف ذلك من خلال سماعي لشخيره، مثلما يسمعه الآخرون في المحيط...! فقمت، في ليلة بتسجيله ليتأكد من ذلك! لكنه رفض الاعتراف بذلك. قائلا  أن ذلك ليس بشخيره، وأنني قمت بتوليف ذلك من خلال تسجيل صوت غسالة الملابس...
ومن باب شر البلية ما يضحك، ذكر اسمه، هو الذي كان يتحاشى أفلام الرعب، وذلك عند الخروج المرعب من بلدة قره قوش، أمام غزو تنظيم الدولة الاسلامية داعش، وجاء في الكتاب:
ها هي الساعة 11 ليلا. إنها النهاية هذه المرة. لقد باتت طلقات الكلاشنكوف قريبة جدا. إذن ليس أمامنا سوى الفرار. وها قد امتلأت السيارتان بالمخطوطات، ولكن ثمة حاجة قليلة إلى المزيد من المكان...
... وتقترب المعارك. استقلّ الأخ هاني السيارة الأمامية. ونوشك على الانطلاق... وإذا به يقفز من سيارته. "جوزيف! لقد نسينا جوزيف!" ونذهب كلانا إلى غرفته، حيث لم يزل نائما، لنأخذ صديقنا الشيخ من ذراعيه وهو بعد ببجامته. وإذا به يقول: "أدويتي!" قال ذلك بعد أن تيقـّن أنه ليس في حلم.

نم قرير العين
_________

أجل ايها الأب العزيز (جوزيف) لم يكن ذلك حلما، بل كابوسا حقيقيا وانتهى، وعاد الكثيرون الى قره قوش وسائر بلدات سهل نينوى، في الأشهر الأولى من 2017، وكنت آنذاك قد دخلت في حلم انتظارك لراحتك الأبدية وقد حانت، هذه الأيام، فنم قرير العيش، باسما مشرقا في قلوبنا ومع أجمل الذكريات.