صحيفة امريكية: المستقبل المستحيل للمسيحيين في الشرق الأوسط ... الدين القديم يختفي من أولى الأراضي التي تجذرَّ فيها.. ومصير شعب على المحك


المحرر موضوع: صحيفة امريكية: المستقبل المستحيل للمسيحيين في الشرق الأوسط ... الدين القديم يختفي من أولى الأراضي التي تجذرَّ فيها.. ومصير شعب على المحك  (زيارة 1420 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عنكاوا دوت كوم

  • مشرف
  • عضو مميز متقدم
  • *
  • مشاركة: 34040
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
 

The Atlantic/ إيما كرين/
عنكاوا كوم – ترجمة رشوان عصام الدقاق/


جاءت الدعوة في عام 2014 بعد وقت قصير من عيد الفصح، إذ أنه قبل أربع سنوات من هذا التاريخ قدمت عائلة كاترين الماكو طلباً للحصول على تأشيرات فيزا خاصة للهجرة الى الولايات المتحدة. وكان زوج كاترين، إيفان، يعمل في معسكر أميريكي حيث كان يقوم بحلاقة أفراد الجيش الأميريكي في المعسكر خلال السنوات الأولى من احتلال العراق. يتصل به الآن موظف من منظمة الهجرة الدولية ليقول له "هل أنت مستعد" لقد تم تحديد موعد سفر العائلة بعد أسابيع قليلة.

قالت كاترين، كنت مرتبكة جداً خلال السنوات التي انتظرنا فيها حصولنا على هذه التأشيرات. وأضافت، تحدثتُ مع زوجي إيفان فيما إذا كُنا نرغب بالفعل مغادرة العراق. لقد نشأ كلاهما في بلدة كرمليس، البلدة الصغيرة في قلب الأراضي التاريخية للمسيحية في العراق التي تُعرف بسهل نينوى. وكان إيفان يمتلك صالون حلاقة بالقرب من الكنيسة. وكانت كاترين تُحب مطبخها الذي قضت فيه الأيام في صناعة الحلويات المملوءة بالمكسرات والتمر. وكان أقربائهم يعيشون هناك أيضاً، أشقائها الخمسة ووالداها المُسنين وشقيقاه، لكنهم كانوا وسط خطر دائم ومستمر.

قالت كاترين، كل من كان يعمل مع جيش الولايات المتحدة يتعرض للقتل، وكان إيفان قد أُصيبَ بإنفجار وقع بالقرب من قاعدة للجيش الأميريكي في الموصل عام 2004. وكانت كاترين قلقة جداً عليه أثناء قيادته السيارة ذهاباً وإياباً الى القاعدة الأميريكية على طول الطريق السريع الذي يمر من خلال أكثر الأراضي المتنازع عليها في العراق. وحتى بعد توقفه عن العمل للجيش الأميريكي، كانوا يخشون من أن يصبحوا ضحايا للعنف. وقد تفاقم هذا الخوف بسبب إيمانهم المسيحي، إذ استهدف المتمردون خلال سنوات الحرب وبشكل مستمر في حملة إرهابية البلدات والكنائس المسيحية.

وكانت عائلة الماكو تلاحظ الجيران والأصدقاء يتبادلون الحديث حول السؤال نفسه: هل نبقى أم نُهاجر؟ والآن قررت أعداد متزايدة من المسيحيين في المنطقة مغادرة البلاد. وقد تحوّل في السنوات الأخيرة المنحني البياني لتراجع الدين في الشرق الأوسط من منحدر ثابت الى منحدر بشكل هاوية. وأرقام هذا التراجع صارخة بشكل خاص في العراق، فقد كان هناك قبل الغزو الأميريكي 1.4 مليون مسيحي يعيشون في البلاد، أما اليوم فإن أعدادهم تقل عن 250 ألف نسمة، إذ يُعادل ذلك انخفاض بنسبة 80% في أقل من عقدين من الزمن.
قررت عائلة الماكو أخيراً المغادرة. لقد أمضوا وقتهم المتبقي في بلدة كرمليس وهم يتألمون ويفكرون حول ما يتركون وما يجلبون معهم الى الولايات المتحدة. قال إيفان، لانعلم ما الذي سنأخذه، علينا مناقشة الكثير من الأشياء، هذا مهم وذلك غير مهم.... وهكذا. وفي النهاية ثبت أن الاختيار بين ممتلكاتهم هو أمراً صعباً للغاية. لقد قرروا ترك كل تذكار وارث تقريباً، بما في ذلك صناديق من الصوّر للعائلة وطفليهما الصغيرين: أيوب البالغ من العمر 12 عاماً وصوفيا البالغة 10 سنوات. لقد أصرت كاترين على الاحتفاظ بتذكار عاطفي واحد، ألا هو قطعة القماش المنسوجة لصورة يسوع المسيح المصنوعة في إيطاليا.


في أعلى اليسار صورة عائلة كاترين الذين نشأوا في العراق، والى اليمين صورة كاترين في المنزل وعلى يسارها صورة يسوع المسيح على قطعة القماش المصنوعة في إيطاليا والتي احتفظت بها كاترين حين غادرت عائلة الماكو العراق.

وفي الليلة الأخيرة لعائلة الماكو في بلدة كرمليس، خرج سكان البلدة من منازلهم وكأنَّ لكل منهم هدية أرادوا من كاترين وإيفان أخذها معهم لأقربائهم في أميريكا. وكانت تلك الهدايا تشتمل على الحلويات والتوابل والملابس. قال إيفان، ليس هناك شيء غير موجود في أميريكا لكنني لا أتمكن من قول ذلك لهم، وأوضح أن الناس في العراق ينظرون الى الولايات المتحدة على أنها مكان للهبات، لكنه لا يزال غريباً لديَّ وبشكل أساسي أن من بين الحقائب الثلاث للعائلة كانت إحداها مليئة بالهدايا من الوطن.

والواحد تلو الآخر، حاول كل فرد من أفراد عائلاتهما إقناع كاترين وإيفان بالبقاء في كرمليس. وكان أكثر المطالبين في بقائهم في البلدة هو شقيق كاترين الأكبر، القس ثابت، إذ تتذكره كاترين وهو يقول لهم ابقوا هنا ولا تتركون البلدة. وبقيت معهم إحدى شقيقات كاترين حتى منتصف الليل. وتم تحديد موعد مغادرة العائلة في غضون ساعات قليلة. لكن كاترين لم تستطيع النوم وبقيت يقضة تتفحص كل شيء ستتركه في منزلها، وقلِقة بشأن الرحلة المقبلة. لم تكن كاترين قد سافرت على متن طائرة ولم تبتعد في حياتها عن بلدة كرمليس، وظنت أنه بمجرد مغادرتهم سيكون ذلك الى الأبد.

قضتْ الأسرة بضعة أيام في بغداد. وكان لهم أثناء سفرهم محطات وقوف في الاردن وألمانيا ونيوجيرسي. وأخيراً وصلوا ديترويت إذ كانت كاترين مُجهدة جداً. وأمضوا أول اسبوعين في منزل ابن عمها وكانت حزينة وشديدة الحنين الى الوطن. استقرت العائلة تدريجياً ووجد إيفان عملاً له في البناء وحصلت كاترين على وظيفة لها في جيش الخلاص (جمعية خيرية)، واستأجروا مسكناً وظهر لهم شكل اللحياة الجديدة.
لم يمضِ على عائلة الماكو في الولايات المتحدة سوى أقل من 3 أشهر حين سمعوا بأن تنظيم الدولة الإسلامية يتجه شرقاً نحو بلدة كرمليس. كانت هذه الجماعة الإرهابية وأسلافها نشطين منذ فترة طويلة جنوب سهل نينوى، ومع ذلك كانت كاترين وإيفان يعتقدان أن مدينتهما آمنة. وحاولوا بشكل كبير ويائس الاتصال هاتفياً وبالرسائل النصية مع أفراد عائلاتهم ولم يحصلوا على جواب من أحد، لقد كانوا على بُعد مسافة ستة آلاف ميل عن أحبائهم.

تُعّد حالة المسيحية غير المستقرة في العراق مأساوية بظروفها الخاصة، وقد يشهد العالم قريباً النزوح الدائم لدين قديم وشعب عريق. يشترك السكان الأصليون في هذه المنطقة بأمور تتعدى الدين والإيمان فقط، وهم يطلقون على أنفسهم تسمية سورايا، ويقولون بأنهم يرتبطون بالشعوب القديمة التي سكنت هذه الأرض قبل مولد السيد المسيح بفترة طويلة.

لمصير المسيحية في أماكن مثل سهل نينوى أهمية جيوسياسية أيضاً. وتختبر الأقليات الدينية تسامح الدولة مع التعددية، الديمقراطية الليبرالية السليمة التي تحمي الفئات الضعيفة وتسمح لها المشاركة بحرية في المجتمع. وإنَّ إمكان بقاء المسيحيين واستمرارهم وازدهارهم في الدول ذات الغالبية المسلمة يُعتبر مؤشراً حاسماً على ما إذا كانت الديمقراطية قابلة للحياة في تلك الأماكن. لكن التوقعات تبدو قاتمة، كما هو الحال في دول المنطقة الأخرى  التي تضم المسيحيين التاريخيين القدامى، مثل مصر وسوريا وتركيا حيث يتعرض المسيحيين الذين يعيشون في هذه الأماكن  الى التمييز والترهيب، اللذان تُقرهما الحكومات، والى العنف الروتيني المستمر.

بلدة كرمليس في سهل نينوى الذي يُمثل القلب الجغرافي للمسيحية في العراق، وهو يُمثل الأراضي المتنازع عليها بشدة.

وللمسيحيين حليفاً مؤثراً وقوياً، ألا وهو حكومة الولايات المتحدة التي أعلنت في ظل الرئيس دونالد ترامب دعمها للمسيحية في الشرق الأوسط على أنها أولوية السياسة الخارجية الأميريكية، وبشكل أكبر مما كانت عليه في عهد جورج دبليو بوش أو باراك أوباما. ومنذ تولي ترامب منصبه تلقى سهل نينوى مبالغ مهمة من استثمارات الحكومة الأميريكية هناك.

يُركز هذا الموقف في السياسة الخارجية جزئياً على السياسة الداخلية. ويهتم الناخبون المحافظون الذين ساعدوا في انتخاب ترامب بعمق بوضع المسيحيين المضطهدين، وهم ينقلون قلقهم من خلال آلة ضغط فعالة بشكل استثنائي في العاصمة واشنطن. لكن رؤية المسيحيين في المنطقة هي أيضاً سبب طبيعي لإدارة ترامب لكي تنظر الى السياسة الخارجية على أنها النضال من أجل الحفاظ على نفوذ الغرب العالمي. وبالنسبة للرئيس ترامب، يمكن أن تكون المسيحية حصناً للقيم الغربية في منطقة مليئة بالأعداء المنظورين.

يقول المسؤولون في الإدارة الأميريكية، يجب على المسيحيين الذين يُريدون البقاء في وطنهم الأم أن يكون لهم الخيار لتحديد ذلك. لكن العديد من العائلات في سهل نينوى متفاوتة ومختلفة حول مستقبلها هناك ولديها المخاوف نفسها التي دفعت كاترين وإيفان الى الرحيل قبل الكارثة التي سببها داعش، وأصبحت حياة الأقليات المسيحية أكثر صعوبة منذ ذلك الحين. وحين التقيتُ مع عائلات في سهل نينوى العام الماضي كان الجميع تقريباً متفقاً على الرحيل إذا سنحت لهم الفرصة. وحتى أولئك الذين كانو يُظهرون التزاماً أكثر على البقاء اصبحوا قلقين من أنهم ما يزالون عرضة للأخطار، بغض النظر عن مقدار المساعدات التي يتلقونها من واشنطن. إن بقاء المسيحية في احدى الأماكن التي ترسخت فيها جذورها سيعتمد أولاً على ما إذا كان المسيحيون سيُقررون البقاء.

خيم الليل على كرمليس يوم 6 آب من عام 20014 المصادف عيد التجّلي، الذي يُشير الى القصة التوراتية عن يسوع الذي حوّله ألله وسماه ابنه. وعلى مدار أسابيع كان الكهنة عبر سهل نينوى على اتصال مع القوات العسكرية الكردية، التي تُسمى البيشمركة، حول التهديد الوشيك للدولة الإسلامية التي تقدمت بسرعة نحو الشرق. وكان في وقت سابق من ذلك الصيف قد سيطرت الدولة الإسلامية على مدينة الموصل، حيث أعلن رجل الدين أبو بكر البغدادي نفسه رئيساً لخلافة إسلامية جديدة. ومع ذلك، قال البعض في الجيش الكردي أنهم سيدافعون عن المنطقة. وفي تلك الليلة حين كانت داعش تتحرك قرر البيشمركة التراجع حوالي الساعة الحادية عشر مساءً، إذ بدأ شقيق كاترين، القس ثابت، بقرع ناقوس كنيسة القديس أدي الرئيسية في كرمليس، وبصوت عالٍ بما يُكفي لوصوله الى كل المنازل في البلدة الصغيرة. وكان ذلك التحذير الذي جاء في ساعة متأخرة من الليل مجرد تحذيراً وقائياً. وفي خلال ساعتين كانت جميع العائلات البالغ عددها 820 عائلة تقريباً على الطريق السريع خارج البلدة متجهةً نحو الأمان في مدينة أربيل الكبيرة ذات الغالبية الكردية.

وانتظر القس ثابت للتأكد من مغادرة الجميع قبل أن يُغادر هو أيضاً. وحتى بعد فرار رعيته حاول أن يبقى متفائلاً. وقال لي مؤخراً حين كنا نسوق على الطريق الترابي السريع الذي يمتد غرباً من أربيل الى الموصل، قال كان عندي القليل من الأمل في أن لا يأتي داعش الى بلدتنا. لكنه حين شاهد تراجع البيشمركة تاركةً كرمليس من دون حماية، أدرك أن بلدته قد فُقِدتْ، وفي غضون ساعات سيصل مقاتلوا داعش.

وكان ثابت منذ صغره يشعر بالدعوة الى الكهنوت، وكان يحب العمل كصبي في مذبح كنيسته الكلدانية التي نشأت على الطقوس الشرقية القديمة للمسيحية، وهي تتماشى اليوم مع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وبعد سنوات من التعليم الكهنوتي، بما في ذلك قضاء فترة قصيرة في روما، تمت رسامته كاهناً في عام 2008 حين كان في العشرينات من عمره. وتُشير صوره وصور عائلته في السنوات التي سبقت احتلال داعش، خاصة قبل الغزو الأميريكي للعراق، الى حياة مثالية نسبياً. ومن الناحية السياسية كان الوضع مختلفاً بالنسبة للمسيحيين خلال تلك الفترة. وفي فترة حكم صدام حدثت سلسلة من أعمال القمع الديني الوحشي، لكن نظام صدام كان متسامحاً مع الأقلية المسيحية في البلاد. وكان طارق عزيز الذي ينتمي الى الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية أحد ابرز مستشاري صدام حسين.

 الكاهن الشاب ثابت في بلدة كرمليس خلال الاسبوع المقدس.

والآن يُراقب ثابت الناس الذين يعرفهم ويحبهم يهربون من بلدته. وازداد حجم إحدى الأماكن المسيحية الصغيرة الواقعة على مشارف مدينة أربيل بعد وصول 13200 نازح مسيحي من سهل نينوى الذي غادره الناس من دون أخذ الأشياء الضرورية والأساسية معهم، ومن ضمنهم ثابت الذي قال: حين وصلت شعرتً بالارتباك والتعب لأنني لم أنم لمدة يومين. وأضاف، اضطررتُ الى أخذ قسط من الراحة وشراء بعض الملابس.
قال الكاهن ثابت، لعدم وجود مكاناً يذهبون اليه، نام بعض اللاجئين المسيحيين في فناء الكنيسة، وجمعنا الناس من الحدائق والشوارع ووفرنا مكاناً صغيراً لهم. وفي نهاية المطاف استقرَّ العديد من سكان كرمليس في الطابق الثاني من مبنى سكني غير مكتمل له سقف وجدارين فقط. وعاش أبناء رعيته مدة 40 يوماً في ذلك المبنى الى جانب مئات اللاجئين من البلدات الأخرى.
وسرعان ما أصبح واضحاً أن نزوح المجتمع لن يُقاس بالأيام، وبدأت العائلات بالتشتت في أطراف مدينة أربيل. وتمكن البعض من استئجار شققاً لهم في حين انتقل آخرون الى مخيمات شُيدت على عجل. وأصبح القس ثابت قائداً غير رسمي لرعيته في المنفى: كان أحياناً كاهناً وأحياناً العم المحبوب وأحياناً رئيس بلدية غير رسمي. وحين بدأت أموال الإغاثة وغيرها من المساعدات تصل من مجموعات مثل فرسان كولومبس، تدفقت تلك الأموال عبر مسؤولي الكنيسة، مثل الكاهن ثابت. وكان الناس يأتون اليه عند حاجتهم للملابس أو مكان للإقامة.
استغرقت تلك الحالة أكثر من عامين حتى استعاد الجيش العراقي سهل نينوى. وقبل أيام من تحرير بلدة كرمليس ، صعد ثابت جبلاً صغيراً فوق السهل حين كان الجنود الحكوميين يُقاتلون في جميع أنحاء المنطقة، وكان يُشاهد من خلال المنظار الدخان المتصاعد من بلدته. وحين انتهى القتال كان ثابت أول شخص من السكان يدخل البلدة.
كان يجب إلتقاط الأنفاس عند مشاهدة الخراب الذي حصل للبلدة، فقد قُطِعت يدا تمثال مريم العذراء ذو الحجم الطبيعي الذي تظهر فيه مرتدية الثوب الأزرق الفاتح. وناقوس كنيسة القديس أدي، الذي كان قد حذرَّ السكان بوصول داعش، مائلاً ومتكئاً جانباً، وكانت الكنيسة نفسها محروقة جزئياً وقد اسودّت من الاحتراق. ويعتقد ثابت أن المقاتلين فجروها قبل بضعة أيام من انسحابهم. وكانت التماثيل مقطوعة الرأس لمريم العذراء ويسوع الى جانب تماثيل بقية الملائكة مبعثرة في المذبح بعد إسقاطها من على جدرانه. ووجد ثابت قطعة ممزقة بين الأنقاض من ملابسه التي كان يرتديها يوم رسامته، وهو الشيء الوحيد الذي يُذكره بالعهد الذي قطعه على نفسه لخدمة مجتمعه ورعيته.
وببطء بدأ ثابت والكهنة الآخرون في المنطقة عملية إعادة الإعمار. وقد هيأ المسؤولين في كل بلدة تقييمات مفصلة للمباني المحلية وحسبوا الأضرار في سهل نينوى. ووضع ثابت خارطة كبيرة ملونة لبلدة كرمليس على مدخلها ومؤشراً فيها مربعاً صغيراً يُمثل منزل والديه وملوناً باللون الأحمر للإشارة الى تدميره. ومربعاً آخراً يُظهر منزل كاترين وإيفان الذي نُهِبت محتوياته لكنه نجا الى حد كبير من الدمار. وكحصيلة كلية: تضرر أو أحرِقَ 672 منزلاً، بما في ذلك 100 منزل تم هدمهم بالكامل.
في خريف عام 2017 بدأ سكان بلدة كرمليس بالعودة الى ديارهم، وببطء امتلأت الشوارع بالدلائل الصغيرة التي تُشير الى الحياة المجتمعية. وبدأ الناس بمعالجة حدائق المنازل وسقيها ومناداة أطفالهم، في حين يجلس الرجال على كراسي بلاستيكية حمراء زاهية يتجاذبون أطراف الحديث تحت أضواء خيطية تتقاطع في وسط البلدة. وحتى ربيع هذا العام عادت 450 عائلة، علماً بأن البعض منهم عادوا وسكنوا منازل الجيران والأقارب الذين اختاروا عدم العودة. وهناك لافتة قرب الكنيسة باللغة العربية ومكتوبة باللغة الانكليزية أيضاً، ولكن بأخطاء إملائية، تُرحب بالعائدين. ومع ذلك، وحتى الآن تنتشر المنازل الخالية في البلدة بإنتظار أصحابها الذين لا يشعرون بالأمان بدرجة كافية لعودتهم. وغادر بعض المسيحيين المنطقة بالكامل ، وبدأ آخرون حياةً جديدة في مدينة أربيل.

في عيد الفصح لهذا العام تم اتخاذ المزيد من الاحتياطات الأمنية في جميع أنحاء كرمليس، حيث تمركز الجنود عند كل مدخل للبلدة. ويظهر في الصورة أحد أعضاء الكنيسة مشيراً الى خارطة البلدة المستخدمة لإظهار المنازل التي دمرها داعش. وكما تُظهر الصورة، دمر داعش أيضاً والى حد كبير المقبرة الرئيسية في البلدة.

ينظر بعض سكان كرمليس الى تنظيم الدولة الإسلامية بكونه تعبيراً متطرفاً للعداوة التي سبقت ظهور الجماعة الإرهابية، وما زالت هذه العداوة بعد هزيمة داعش. وفي العراق، يظهر التمييز واضحاً بشكل مباشر في الدستور الذي تمت صياغته بعد عامين من الغزو الأميريكي عام 2003. تعلن وثيقة الدستور أن الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد، ويمنع أي قانون يتعارض مع أحكام الإسلام المعمول بها. وهذا يُصوّر الحياة بطرق عادية دنيوية لكنها ذات مغزى. وتحدد بطاقات الهوية المواطنين على أنهم: مسلمين أو مسيحيين أو مندانيين أو يزيديين. ولا يستطيع الرجال غير المسلمين الزواج من نساء مسلمات. ويتم تصنيف الأبناء ذوي الأبوّة المختلطة تلقائياً على أنهم مسلمين، إذا كان أحد الوالدين مسلماً، حتى وإنْ ولِدوا بسبب الإغتصاب. ويُعتبر التمييز جزءاً من الحياة اليومية بالنسبة للعديد من المسيحيين الذين يعيشون في شمال العراق. والكثير من غير المسيحيين لا يُوظفوا مسيحيين في أعمالهم. وتراقب العائلات بناتها خوفاً من تعرضهنَّ للعنف الجنسي.

الكاهن ثابت يُؤدي صلاة المساء خارج كنيسة القديس أدي في كرمليس

وفي مواجهة هذه الإهانات اليومية والبيئة السياسية والاقتصادية المتقلبة في العراق قررت أعداد كبيرة من المسيحيين والأقليات الأخرى الفرار. ولكن فرص القدوم الى الولايات المتحدة أصبحت أكثر ندرةً مما كانت عليه حين هاجرت كاترين الماكو وعائلتها الى ديترويت. ويتوافق إلتزام إدارة ترامب بدعم المسيحيين في الشرق الأوسط مع الإنخفاض الحاد في عدد اللاجئين المسيحيين الذين تم قبولهم في الولايات المتحدة. وفي عهد أوباما قال المدافعون عن المسيحيين أن الديمقراطيين يرفضون قبول المسيحيين المضطهدين. ولكن عدد المسيحيين المقبولين انخفض بنسبة 98% في العامين الماضيين. ووفقاً لتقارير وزارة الخارجية ومؤسسة الإغاثة الخيرية العالمية، تم قبول 23 مسيحياً عراقياً فقط للهجرة الى الولايات المتحدة في عام 2018 مقارنةً بحوالي 2000 شخص في عام 2016. وحالياً، تتطلع العائلات التي ما زالت في العراق للهجرة الى أوربا واستراليا بدلاً من الولايات المتحدة.
يقول المسؤولون في إدارة ترامب أن وجود عدد أقل من المسيحيين في سهل نينوى سيؤدي الى أضرار بعيدة المدى في المنطقة. إنهم على حق من بعض وجهات النظر، إذ أن قِلة المسيحيين تعني تمثيلاً أقل في الحكومة العراقية وأقل فرصةً من أن تستجيب بغداد للمخاوف المسيحية. وقد تُشجع قلة المسيحيين أعداء التنوع في البلاد. وفي الدول التي تتمتع بمزيد من الحرية الدينية تنخفض فيها مستويات كره الأجانب والعنف الديني.
قالت برناديت حنا، طالبة التاريخ التي تعيش في كرمليس، بأن مُشرفها المسلم فوجيء برؤيتها تعود الى عملها بعد أن طرد الجيش العراقي داعش من المنطقة، لقد كان يشعر بالقلق على سلامتها. وأخبرها آخرون أنها يجب أن تغادر العراق وقالوا: لا ينتمي المسيحيين الى العراق المسلم. وتعتقد برناديت أن البعض من جيرانها المسلمين ربما كانوا متعاطفين مع الرؤية العالمية لداعش. إن صعود دولة الخلافة والعمق الثري للمسحيين العراقيين أعطاهم القوة في أن يكونوا أكثر انفتاحاً لعقيدتهم.
تُقدم القداديس الكلدانية تجربة حسية غنية مليئة بالتذكير بأن هذا التقليد كان قد نشأ وتطورَّ في السنوات القليلة الأولى بعد المسيح. وفي الكنيسة يجلس الجنسين منفصلين وتغطي النساء رؤوسهنَّ بالدانتيل دليلاً عللى الخشوع والحياء. وتتأرجح المباخر في أيدي الشمامسة لتعطي الرائحة الزكية وتترك غيوماً من الدخان عبر ممرات الكنيسة. ويُقام القداس الاحتفالي بإحدى لهجات اللغة الآرامية التي تُدعى "سورث"، وهي اللغة الأم للمسيحيين في هذه المنطقة وشقيقة اللغة التي تكلمها السيد المسيح.
والقداس هو المكان الذي يمكن فيه لرجال الدين البارزين استعراض قوّتهم السياسية، وتهدف حججهم الوصول الى ما هو أبعد من المقاعد التي يجلس عليها المصلين. وفي قداس حديث في بلدة عينكاوا، أظهر المطران بشار وردة، أحد أقوى الأساقفة في العراق، قدرته في التأثير على حلفائه في الغرب. في ذلك الأحد بينما كان أبناء الرعية ينشدون ويُدردشون بهدوء، كان يجلس هناك مجموعة من الرجال المرتدينَ الملابس الداكنة، وهم: سفير الولايات المتحدة في العراق دوكلاس سليمان وموظفيه. رحبَ المطران وردة، الذي كان يرتدي ثيابه الخاصة بالقداس وبشعره المنسق وحِلاقتهِ الأنيقة، بالأميريكان بثقة وتأكد من حصولهم على نسخ باللغة الانكليزية لخطبته التي كان على وشك إلقائها. وبدتْ رسالته مقصودة وموجهة لهم أكثر من رعايا أبرشيته.
قال المطران وردة في كلمته، إذا كان بقية العالم يُؤمن حقاً بضرورة وجود شرق أوسط متعدد الثقافات، فيجب عليه أيضاً التحدث بصدق ورفض الصوّر المتغيرة والمشروطة دائماً للتسامح الإسلامي تجاه الأقليات، وجعل مساعدة المسيحيين من المسؤوليات الخاصة للولايات المتحدة. وأضاف، إن الأقليات غير المسلمة في العراق هي ضحايا لتغيير النظام في العراق، وضحايا لفشل النظام السياسي منذ عام 2003 حين غزت أميريكا العراق.
وبعد الخطبة أخبرني دوكلاس سليمان أن الولايات المتحدة ملتزمة بتوفير الدعم لهذه الجماعات. وقال، لا أستطيع أن أتخيل هذا الجزء من العالم، خاصة سهول نينوى، من دون التاريخ الديني والثقافي المتنوع. وأضاف، إنها مجتمعات مقدسة للغاية ولها تاريخ عميق ومتأصل هنا ونحن نريد أن نتأكد من استمرارها. بعد ذلك انتقل السفير الى مرحلة أخرى، هي لقائه الخاص مع المطران وردة.
يعود تاريخ عمل القادة المسيحيين العراقيين ومؤيديهم في واشنطن الى زمن إدارة أوباما، وقد شاركوا في حملة طويلة الأمد لجمع المزيد من الأموال للمسيحيين في سهل نينوى. وقد دفعت الحكومات الأجنبية الأموال لتحقيق الاستقرار من خلال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي كان قبل 18 شهراً المسؤول الرئيسي في تنمية المنطقة. ولكن، وفي وقت سابق عبرَّ القادة الدينيين المسيحيين في العراق بقيادة المطران وردة عن استيائهم من إداء الأمم المتحدة. لقد زعموا أن الأمم المتحدة وظفت عاملين بإجور عالية وعمل غير متقن وكانت النتائج في كثير من الأحيان رديئة. وأخبرتني نائبة الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق، مارتا رويدس، أن ميزانية المنظمة المحدودة هي السبب في مشاريع الإسكان غير المكتملة في المنطقة. وكان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد أنجز مشاريع إسكان في بلدتي برطلة وبعشيقة.
وعمل مندوبون من كنائس المنطقة مع منظمة دولية غير حكومية أطلقوا عليها اسم "لجنة نينوى لإعادة الإعمار" التي استأجرت عاملين محليين لإعادة بناء المنازل في مدنهم. وقالت هذه اللجنة أن أموال الإغاثة ستستخدم بشكل أفضل إذا ذهبت مباشرة الى الكنائس.

قداس في بلدة كرمليس

بدأ المُدافعون المسيحيون إثارة هذه القضية في واشنطن، وفي الحال شاركت إدارة ترامب وبتوجيه من الرئيس، طلب نائب الرئيس مايك بنس من الوكالة الأميريكية للتنمية الدولية، الوكالة التي تقوم بتمويل مشاريع التنمية في جميع أنحاء العالم، طلب استحداث عملية تمويل خاصة لا تعتمد، الى درجة كبيرة، على الأمم المتحدة. وحين لم تتمكن هذه العملية من تلبية مطالب الجالية المسيحية العراقية في أميريكا، أصدر بنس قراراً شديد اللهجة قال فيه أنه لن يتسامح مع التأخيرات البيروقراطية، وأدان فشل الحكومة في الوفاء بإلتزاماتها التي تعهدت بها للأقليات في العراق. وأعلن مارك كرين، رئيس الوكالة الأميريكية للتنمية الدولية عن وشيك رحلته الى المنطقة، وفي الوقت نفسه تقريباً ظهر دوكلاس سليمان في قداس المطران وردة. ولم يستجب مكتب نائب الرئيس مايك بنس لطلبات التعليق عن ذلك.
تبنتْ إدارة ترامب الموقف القائل بأن حماية المسيحيين والأقليات الأخرى هي سِمة أساسية للأمن في الشرق الأوسط. قال لي مارك كرين، إذا تم إقصاء المسيحيين من سهل نينوى فسيعمل ذلك على تعجيل حصول الفراغ غير الخاضع للحكومة والذي سيملأه الأشرار بكل سهولة، وإنهم يسعونَ الى استغلال هذه الأنواع من الفتحات. ويتعلق الاستقرار في هذه المجتمعات ببعض الأمور مثل تحسين الظروف الصحية وتعزيز الأمن وحسن القيادة وخلق العوازل ضد عودة التطرف العنيف.
وقال سام براونباك، حاكم ولاية كنساس السابق وسفير الولايات المتحدة للحرية الدينية، إن دعم الإدارة للأقليات الدينية (التي تضم كلاً من المسيحيين واليزيديين الذين استهدفهم داعش أيضاً) هو استمرار لمشروع حرب العراق، ونسيَّ حقيقة أن الحرب الأميريكية ساعدت على تهيئة الظروف لظهور داعش. وأضاف، إن الحكومة الأميريكية تعزز المباديء الديمقراطية، بما في ذلك حماية الأقليات الدينية، وأعتقد أن ذلك مهماً بالنسبة للعراق وأعتقد أنه مهماً بالنسبة لنا أيضاً، وأعتقد أن كل ذلك مهماً حقاً لتلك المنطقة.
عمِل الجسر الآيدولوجي بين سهل نينوى وواشنطن بلا شك لصالح المسيحيين، ففي شهر تشرين الأول من العام الماضي أعلنت الوكالة الأميريكية للتنمية الدولية عن المزيد من التمويل، وهو الاستثمار الجديد بقيمة 178 مليون دولار. وبذلك وصلَ إجمالي استثمارات الحكومة الأميريكية الى حوالي 300 مليون دولار.

الفناء الخلفي للجامعة الكاثوليكية في أربيل. ويجري بناء ملاعب لكرة القدم وكرة السلة ، وبدأ العمل في المبنى الدائم.

وبالنسبة للقسم الأكبر من المساعدات، ذهبت الأموال الأميريكية لإعادة بناء المدارس والعيادات الطبية وشبكات المياه والكهرباء. وفي أربيل استفاد المطران وردة الى حد كبير من الجماعة القوية من المانحين المسيحيين لبناء مجموعة من المؤسسات المدنية، مثل المدرسة الخاصة ذات الديكورات الجميلة والتي يُدرس فيها الأطفال أربع لغات، وكلية كاثوليكية يمكن فيها للفتيات المسيحيات الدوام من دون المضايقات، ومستشفى جديد. ويقول رجال الدين ومسؤولوا الإغاثة أنه بدون وجود بنى تحتية كهذه فإنه لا تتوفر الفرصة لبقاء المسيحيين في البلاد.
بالتأكيد لا يمكن للبنى التحتية وحدها إعادة بناء الثقة الاجتماعية أو استقرار الحكومة، ولا يمكنها ضمان السلامة الجسدية للناس. ويخشى المسيحيون من أنهم لن يعودوا الى حياتهم السابقة إلا لنزوح آخر. والسؤال المفتوح والذي يطرح نفسه: هل سيكون الدعم الأميريكي والوصول الى الهبات الأميريكية كافيين لدعم المسيحيين في العراق؟
قال أحد المسؤولين في وزارة الخارجية الأميريكية، شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم التصريح له بإجراء مقابلات صحفية، قال: إن الجهود الأميريكية لمساعدة الأقليات الدينية في العراق هي غير مسبوقة، ولكنها قد لا تكون دائمية. والجماعات في شمال العراق هي من بين العديد من الجماعات في جميع أنحاء العالم التي تستحق الحماية من الحكومة الأميريكية. وأضاف، سيتعين في النهاية على الولايات المتحدة تقييم ما إذا كان ذلك سيعمل على إحداث فرقاً فعلياً في الاستقرار على المدى البعيد في العراق، وما إذا كانت الأماكن والأشخاص الآخرين هم بحاجة أكثر الى تلك الاستثمارات.
منذ الغزو الأميريكي للعراق، تنافست القوى الاقليمية على تحديد مصير البلاد، وجميعها تقريباً طالبت بضم سهول نينوى إليها. ففي الشمال هناك كردستان، المنطقة شبه المستقلة التي الأقلية العرقية الكردية في البلاد. وفي الجنوب توجد المنطقة التي تحكمها بغداد، التي تُنافس بقوة الحكم الذاتي الكردي. وفي خريف عام 2017 عندما بدأت العائلات العراقية بالعودة الى ديارها، أجرى الأكراد استفتاء عبرَّ عن محاولتهم الاستقلال التام عن العراق. وقامت بغداد بالرد حيث حظرت الرحلات الجوية الدولية من مطارات كردستان، وتحركت للاستيلاء على الأراضي الغامضة بين المنطقتين، بما في ذلك أجزاء من سهل نينوى. وقد ترك ذلك بعض المسيحيين عالقين في بلدة باطنايا حيث كانوا يأملون في إعادة بناء منازلهم بعد هزيمة داعش لكنهم اضطروا الى المغادرة مرة أخرى لتجنب القتال الجديد.


في أعلى يسار الصورة منزل تجري إعادة بنائه في بلدة كرمليس، على اليمين عامل بناء يدخل مستشفى كاثوليكي قيد الإنشاء في عنكاوا، وفي أسفل الصورة تظهر كاتدرائية القديس يوسف (كنيسة المطران بشار وردة) في وسط عينكاوا.

إن المحورين الشرقي والغربي لسهل نينوى ليسا أقلُ سخونةً، ففي الغرب تقع سوريا حيث بقيت فيها معاقل داعش حتى وقت قريب، والى الشرق هناك إيران التي تعمل بإستمرار على توسيع نفوذها على جارتها القديمة ومنافسها التقليدي وتدعم مصالح الغالبية الشيعية في العراق. واكتسبت الجماعات المرتبطة بالشيعة نفوذاً في سهل نينوى في السنوات الأخيرة، حيث اهتمت إيران بالمنطقة على اعتبارها موطيء قدم استراتيجي لها في الطريق الذي يمر عبر أربيل والموصل الى سوريا. جعل ذلك المسيحيين يخشون من أن تصبح ديارهم هدفاً رئيساً في جهود إيران لتصبح القوة المُهيمنة في الشرق الأوسط. وفي شهر أيار الماضي أمرت وزارة الخارجية الأميريكية جميع الموظفين غير الأساسيين من سفارتها في بغداد وقنصليتها في أربيل الانسحاب والمغادرة، بناءً على المخاوف من هجمات محتملة قد تقوم بها إيران.
في خِضم هذا الصراع المتشابك، اًصبح المسيحيين والأقليات الأخرى شظايا للأطراف الأقوى في المنطقة. ويجب على مسيحيي العراق التنقل بإستمرار في شبكة معقدة من المصالح الطائفية والسياسية. ومن الممارسات المؤثرة في أربيل، مقر حكومة اقليم كردستان، هي السرعة في دعم جيرانها الأكراد، كما لها مصلحتها الخاصة في حماية الأقليات الدينية داخل أراضيها. ويُمثل ذلك جزءاً من خطوة الأكراد تجاه حلفائهم في الغرب لبيان أنهم أكثر تسامحاً والتزاماً بالتعددية من العرب. وعبر الحدود الى الأجزاء التي يُسيطر عليها العرب في العراق وبتبديل الولاء والممارسات: قال القس ثابت، أنا أعتقد بأن تكون البلاد تحت السيطرة الموحدة لبغداد. وبشكل خاص، يشكو المسيحيون على جانبي الحدود من الممارسات التي يرتكبها العرب والأكراد على حد سواء، مثل الاستيلاء على الأراضي، والى ما يعتقدون أن هناك خطب متطرفة في المساجد والجوامع المحلية.
يمكن أن تعمل هذه التوترات الاقليمية الى أن تشك هذه الأقليات شكاً عميقاً ببعضها البعض. ويرى القادة المسيحيين في سهل نينوى تهديداً وجودياً من قِبل أقلية تم استهدافها هي الأخرى أيضاً وتهميشها في السنوات الأخيرة. وهذه الجماعة هم الشبك الذين يُمثلون مجموعة عرقية صغيرة متزامنة ومتنوعة. ويُصنّف أعضاء هذه الجماعة على أنهم سنَّة وشيعة وعرب وأكراد، أو أنهم مزيج من كل ذلك. وكالأقليات الأخرى في العراق واجه الشبك صعوبات كبيرة، لقد أُجبِر البعض الى اختيار أحد جوانب الصراع بين القوميتين العربية والكردية في حملة بدأت في سبعينيات القرن الماضي. وعوقِبت هذه الجماعة بعنف خلال حملة الإبادة الجماعية التي قام بها صدام حسين. وبعد سقوط صدام حسين، تعرض الشبك، حالهم حال المسيحيين واليزيديين، للترهيب والتهجير أثناء سيطرة الدولة الإسلامية. لكن في السنوات الأخيرة وكما يدّعي القادة المسيحيين وجد الشبك دعماً قوياً من إيران. ونفى قادة الشبك وجود أية علاقة مع النظام الشيعي القريب. ووفقاً لمصادر مسؤولة، لم تعثر وزارة الخارجية الأميريكية على أي دليل قاطع يُشير الى هذه العلاقة المزعومة. ومع ذلك، يعتقد القادة المسيحيين أن هذه الجماعة تُحاول إخراج مجتمعاتهم من سهل نينوى.


الطريق الى كرمليس

على بُعد 10 دقائق من الطريق السريع الفوضوي عن كرمليس تقع بلدة برطلة، وهي بلدة مسيحية تاريخية أخرى والتي يخشى الكاهن ثابت أن تصبح بلدته كرمليس في المستقبل في وضع يُشابه ما آلت اليه برطلة. وتقليدياً، تميل الجماعات العرقية العراقية الى البقاء في بلداتها. ولسنوات طويلة عاش الشبك جيراناً للمسيحيين في سهل نينوى وتنتشر قراهم الصغيرة في المناطق المحيطة بكرمليس وبرطلة. ولكن حين وصلت الأحزاب السياسية الشيعية الى السلطة بعد الغزو الأميريكي للعراق عام 2003، بدأ الشبك شراء العقارات في المناطق المسيحية التاريخية بمساعدة، كما يعتقد القادة المسيحيين، من يدعمهم مالياً من الإيرانيين.
يقول المسيحيون الذين عادوا الى برطلة أن الحياة في مدينتهم أصبحت أكثر صعوبةً مما كانت عليه قبل احتلال داعش. وأعيد فتح الأعمال الخاصة ولكن الكثير من أصحاب هذه الأعمال لا يُوظفوأ مسيحيين. قال بهنام بينوكا، الكاهن السرياني الكاثوليكي، إن عدداً من العائلات أبلغتهم عن مُضايقات من قِبل سكان شبك، وهو شيء كان غير عادياً في السنوات السابقة. وكذلك تم الاعتداء على إبنة إحدى العائلات البالغة من العمر 10 سنوات وسُرقت أقراطها وهي في طريقها من المدرسة الى البيت.
تعيش عائلة الفتاة في دار خالية مقابل منزلين محترقين إذ دمر داعش منزلها، وهم يعيشون الآن في هذا المنزل لأحد الأقارب، ويحتفظون بصوَر لممتلكاتهم المفقودة في مجموعة من الألبومات الملونة، وكذلك هم قلقون أثناء تجوالهم في البلدة ويزداد قلقهم عند ذهاب ابنتهم الى المدرسة لوحدها. ويحلمون بالهجرة الى سان دييكو (كاليفورنيا) لينضموا الى أقاربهم هناك. يُفكر الكاهن ثابت دائماً بالوضع في برطلة لأنه يُحاول إقناع رعيته بالعودة الى كرمليس والبقاء فيها. ووفقاً لِما قال، يُنظر في الغرب الى التنوع والاندماج في المجتمع على أنها أهداف جديدة يتم الثناء عليها، أما في العراق فالعقلية مختلفة. وقال، للشبك والكلدان ثقافات وعادات مختلفة ويُفسرون الاشارات والإيماءات الاجتماعية بشكل مختلف ويتحدثون لغات مختلفة. وشدد بالقول، من الأفضل لنا إذا انتقلوا الى قرية أخرى.
في مناطق أخرى من الشرق الأوسط يُواجه المسيحيون تهديدات وجودية مماثلة، ففي تركيا تقوم الحكومة بدور نشط في القمع الديني، ويُعاني المسيحيون الأرمن هناك من تهديدات شبه يومية، وإساءة وتخريب من الجيران الذين تمنحهم الشرطة المحلية الحصانة. وفي مصر أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي عن رغبته في منع العنف والتمييز ضد المسيحيين، لكن ثبتَ الى حد كبير عجزه عن القيام بذلك. لقد أحتفل مؤخراً بإفتتاح كاتدرائية كبيرة شرق القاهرة أعلن فيها السيسي خلال الافتتاح، نيابة عن المسيحيين والمسلمين، وقال "نحن واحد وسنبقى واحداً". ومع ذلك تعرض الأقباط، وهم أكبر جماعة أقلية في مصر، للتفجيرات الروتينية وإطلاق النار الجماعي على مدى السنوات العديدة الماضية. وفي أحد السعانين عام 2017، خلّف تفجير كنيستين أكثر من 40 قتيلاً، وفي شهر تشرين الثاني من العام الماضي، هاجم متشددون إسلاميون الحافلات في الصحراء الغربية وأسفر الهجوم عن مقتل 7 أشخاص وإصابة آخرين.
على الرغم من اختلاف وضع الأقليات في جميع أنحاء المناطق لكنها تشترك جميعاً في نقطة مهمة واحدة، ألا وهي حدوثها جميعاً في دول شددت في وقتٍ ما على هوية دينية منفردة. وفشلت هذه الدول في حماية حقوق الأقليات، هذا فيما إذا كانوا قد حاولوا ذلك أساساً. ويبقى المسيحيون مثل باقي الأقليات في المنطقة في حيرة من أمرهم، وهو الخيار المستحيل الذي عانت منه كاترين وإيفان قبل هجرتهم: البقاء أم الهجرة. ويجب على العائلات الموازنة بين الرغبة للبقاء في ديارها وديار أسلافها مع الرغبة في العيش من دون تمييز أو خوف.
وللمسيحيين الذين ترعرعوا على هذه التربة الكنسية والشعور العميق بالمكان، يُثير فيهم التحوّل أو الانتقال احتمال رهيب من أنهم سيفقدون صفةً أساسية تتعلق بإيمانهم. في صباح يوم الأحد من الخريف الماضي انضممتُ الى كاترين وإيفان في حضور قداس كنيسة سيدة النجاة، كنيسة كلدانية كاثوليكية كبيرة في مدينة ديترويت. ومدينة ديترويت هي موطن لأكبر جالية كلدانية في بلدان الشتات في العالم، إذ يعيش فيها 160 ألف مسيحي من العراق. ووفقاً لغرفة التجارة الكلدانية الأميريكية، يوجد في المدينة وأطرافها مسيحيين شرق أوسطيين ينتمون الى كنائس أخرى، مثل كنيسة المشرق الآشورية، إضافة الى عدد كبير من المسلمين العراقيين.



يحضر إيفان وكاترين الى كنيسة العذراء سيدة النجاة، وهي كنيسة كلدانية كاثوليكية كبيرة في مدينة ديترويت.
كان بهو الكنيسة مزدحماً بالعائلات، بما فيهم النساء  اللواتي يضعنَّ أغطية الرأس من الدانتيل الشفاف مثل تلك التي تضعها النساء في العراق، وهي مطرزة بأسماء ومواقع الحج مثل لورد والقدس. وفي القداس يتنقل الكهنة بين اللغتين العربية والسورث إذ يقومون بتكريس القربان المقدس بلغة قريبة من اللغة القديمة لمخلصهم يسوع المسيح. قالت كاترين إن الكثير من الأطفال في المجتمع، بما فيهم أولادها، يتحدثون باللغات الانكليزية والعربية والسورث، وأن العائلات تُكافح أحياناً لنقل لغتها الأصلية الى أطفالها، وقد يكون ذلك صحيحاً في نقل إيمانهم أيضاً. وقال أيوب ابن كاترين، البالغ من العمر 17 عاماً، أن معظم أصدقائه في المدرسة هم من الكلدان لكن القليل منهم يذهب الى الكنيسة، وأضاف بأنه ليس مهتماً بالدين ويجد أن القداس طويلاً ومملاً. وفي الصباح الذي قمتُ فيه بزيارتهم ذهبت كاترين مع إيفان الى الكنيسة لوحدهما.
قالت كاترين إن الحياة في أميريكا بطيئة وأصبحنا الآن أكثر دراية بها. وفي البداية لم يكن بإمكانها فهم اللغة الانكليزية، ناهيك عن لهجة المشيكانيين، وكان إيفان يُترجم لها في أسواق البقالة، مثل ولمارت وميجر، سلسلة متاجر البقالة في الغرب الأوسط. وإيفان يعترف الآن وبخجل أن ترجمته كانت غير صحيحة أحياناً. وبعد أربع سنوات تمكنوا من شراء منزلاً متواضعاً جدده إيفان بمساعدة الأقارب والأصدقاء، وهم يُحاولون الآن التوفير من أجل شراء الآثاث. وحين زرتهم لم أجد في غرفة المعيشة عير سندانة النبات.
قال إيفان وكاترين أنهما يفتقدان بلدتهما كرمليس بشدة، يفتقدان رائحة الهواء في الربيع وطعم الخضراوات الطازجة المزروعة في ترابها. وجمال شوارعها المتألقة بزينة عيد الميلاد، والأهم من كل ذلك هو افتقادهم للناس. وقالوا، إن الحياة في كرمليس منظمة الى حد كبير من ناحية التواصل مع الأقرباء والجيران، إذ كانت كاترين معتادة على قضاء ساعات في الدردشة والضحك مع صديقاتها. وتابعوا بالقول، كان الجيران وأبناء العم يجلسون في صفوف خارج المتاجر ويتناقلون الأخبار ويُصافحون المارة. وقال إيفان بأنه وجد معظم الناس في ديترويت منشغلين ويبقون في منازلهم. وتعمل كاترين بدوام جزئي في حين يعمل إيفان ساعات طويلة لكسب ما يكفي لتغطية قرض المنزل وضرائبه. ومع ذلك، يُؤكدون أن قرار مغادرتهم العراق كان صحيحاً. وقالت كاترين، أعتقد أنه يجب على الجميع مغادرة العراق لأنه غير آمن وما تعلم ما الذي سيحدث. ومع ذلك، لا تعلم كاترين ما إذا كان شقيقها ثابت سيغادر العراق أم لا. لكن الكاهن ثابت يعتقد أن من واجبه البقاء في العراق طالما كان هناك مجتمع مسيحي في كرمليس. وقال إيفان، إن ثابت قائد والقائد يهتم بالجميع، وهذا هو الفرق بيني وبينه.
يشعر الكاهن ثابت أنه يتحمل مسؤولية إعادة بناء البلدة وغرس شعور الفخر بتاريخها في الجيل القادم، لكنه يعرف حق المعرفة مخاطر البقاء في العراق وحدود نفوذه في الحفاظ على مجتمعه على وضعه. ومنذ أن غادرت كاترين الى الولايات المتحدة، غادر المزيد من الأشقاء لبلدة كرمليس، إحدى شقيقاتها الآن في الاردن والأخرى بقيت في أربيل بعد فرارها من داعش وهي خائفة من العودة الى بلدتها كرمليس.


بعد قداس دام أربع ساعات تجمع سكان كرمليس في الساحة المركزية لكسر البيض الملون والرقص احتفالاً بعيد الفصح.

على بعد 35 ميلاً الى الشمال الغربي من كرمليس تقع بلدة ألقوش تحت الجبال التي تفصل العراق عن تركيا. وبالنسبة للمسيحيين في سهل نينوى تُعتبر ألقوش مكاناً للفخر القومي والديني، وهي محطة على الطريق لشخصيات مهمة في العالم المسيحي، ويُقارن البعض هنا أهميتها بالقدس أو روما. وهناك تاريخ آخر لبلدة ألقوش، إذ يوجد في طرقها المتعرجة قبر يُقال أنه يعود للنبي ناحوم، وهو نبي جاء ذكره في الكتاب المقدس وعاش في المنطقة في القرن السابع قبل الميلاد. وسواءً كان ناحوم مدفوناً بالفعل هنا في بلدة ألقوش أم لآ، كان اليهود يُصلون في هذا المكان، وكان المبنى عبارة عن كنيس يهودي تُغطي جدرانه الكتابات العبرية. وعلى إحدى الألواح كُتب بشكل نقش محفور في اللوح الصخري " سيكون هذا مسكنك الى الأبد". وكان اليهود قد عاشوا في ألقوش لعدة قرون، وفي العراق آلاف السنين. وعلى الرغم من أن الكاهن آرام الذي دلني وتجول معي أطراف المكان لكن ما يعرفه عن ناحوم واليهود تعلمه من القصص التي تُروى فقط.
كان التلموذ اليهودي الذي يُمثل النص الرئيسي لليهودية الحاخامية قد كُتِبَ هنا. وبعد سنوات قليلة اختفى اليهود من هذه المنطقة. وتم طرد جميع اليهود الباقين في العراق تقريباً في أواخر أربعينيات وأوائل خمسينيات القرن الماضي وسط ضغوط سياسية شديدة وعنف الغوغاء.
يرى الكهنة في سهل نينوى من هذا التاريخ تحذيراً لهم، فقد تختفي مجتمعاتهم أيضاً في يومٍ ما ولا يبقى شيء أكثر من المقابر. وإذا استمر المسيحيون مغادرة سهل نينوى ومناطق أخرى مثله فسوف يصل التاريخ القوي لوجود المسيحية في المنطقة الى نهايته. في الاعتقاد البروتستانتي المُهيمن في الولايات المتحدة: يكون جسد الكنيسة أينما وجد الناس. لكن بالنسبة للجماعات المسيحية القديمة في العراق ليس هذا هو الحال ويختلف الوضع. ويُذكرني الأشخاص الذين قابلتهم هناك بإستمرار أن الثقافة الآشورية نشأت قبل المسيحية وأنهم يُشيرون الى بقايا القنوات القديمة وتلال المستوطنات التي تمثل دليلاً على الامبراطورية التي ازدهرت في هذه المنطقة. وبالنسبة لهم، المسيحية ليست مجرد إيمان، وإنما مرتبطة بالمكان واللغة والجنسية. ومن الصعب جداً على الناس المشتتين بين الأقطار والقارات المختلفة الحفاظ على شعورهم بهوية شعب واحد وليس أعضاء ينتمون الى الدين الواحد. وقال القس ثابت، إن تأمين مصير سهل نينوى ضرورياً لحماية هويتنا وتراثنا ولغتنا، " نحن شعب العراق الأصلي"
قدم الدعم لهذا المقال مبادرة هنري ر لوس لشؤون الدين والشؤون الدولية التابعة لمؤسسة هنري ر لوس



أي نشر، أو إعادة تحرير لهذه المادة، دون الإشارة الى " عنكاوا كوم " يترتب عليه أجراءات قانونية