أسلمة العراق تراجع في الحريات العامة وانتكاسة في الديمقراطية


المحرر موضوع: أسلمة العراق تراجع في الحريات العامة وانتكاسة في الديمقراطية  (زيارة 329 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 268
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
أسلمة العراق تراجع في الحريات العامة وانتكاسة في الديمقراطية
لويس إقليمس
بغداد، في 10 تموز 2019
يبدو أن مضيّ البرلمان العراقي في نهجه الحالي بالإصرار على مناقشة قانون المحكمة الاتحادية المثير للجدل بصيغته القائمة سيخلق توترًا جديدًا بين مكوّنات البلاد. هذا في الوقت التي تتضافر جهود الطيبين والوطنيين والمثقفين باتجاه انتشال البلاد من براثن الماضي وترسباته الطائفية وما زرعه أوثانُ التشدّد والطرّف في الحقبة الماضية. كما أنّ هذا الإصرار وبقوّة سيكسر كلّ الجهود المتجهة نحو بناء وطن مستقلّ بنظام علمانيّ مدنيّ متحرّر ومتطوّر وصالح لكلّ الأزمان ولكافة المكوّنات والفئات والأديان والطوائف. وإنْ صحّ ما يتمّ تداوله في أروقة البرلمان ولاسيّما التحرّكات غير المأمونة من جانب كتل وأحزاب الإسلام السياسيّ التي أثبتت فشلها وكادت أن تقوّض العملية السياسية برمتها في وقت من الأوقات وما تزال تسعى لذلك، فإنّ هذا يُعدّ مؤشرًا آخر بالرجوع إلى الوراء والتقهقر في جهود نسيان حقبة سوداء من الشحن الطائفي منذ السقوط المأساوي في 2003.
ممّا لا يقبل الشك أن غير المسلمين من المكوّنات الأصيلة من المسيحيين واليهود والصابئة والإيزيديين كانوا ذات يوم أصحاب الأرض والكلمة والثقافة والحضارة، ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة برمتها. وهم مازالوا لها لغاية هذا اليوم في أفعالهم وانتمائهم ووطنيتهم، ولا غبار على هذه الحقيقة. فكيف بالدخلاء الذين أعانتهم عوادي الزمن وأتاحت لهم نكباتُ الأصلاء وعيون المتفرجين من دول وشعوب العالم والمنطقة أن ينقلبوا على حقوق هذه المكوّنات التي تراجعت أعدادُها بسبب مثل هذه السياسات الشوفينية والتمييزية وغير الوطنية وغير الإنسانية بحق شعوب ومكوّنات لها تاريخُها وحضورها الفاعل بالرغم من تناقص أعدادها؟
حقًا، لو حصل هذا الإقصاء في قانون المحكمة الاتحادية بحق هذه المكوّنات غير المسلمة، فهذا مؤشر خطير على توجه البلاد الحقيقي نحو نهج أسلمة الشعب والبلد وقراءة الفاتحة على ما تبقى من وجود وقدرات هذه المكونات. كما أنّ مثل هذا التوجه، لو صحّ فعلاً ومن دون حصول تدخل عاجل لإيقافه، فإنّه يُعدّ تهديدًا إضافيًا آخر للنسيج الاجتماعي الذي لم يستطع النهوض من كبوته على أيدي الإرهاب الداعشيّ ومَن والاهم في فكرهم وأفعالهم وسياستهم الرعناء. وهذا من الأدلّة على وجود ذات الفكر في مخيلة وإرادة عدد كبير من أحزاب السلطة المتنفذة ولاسيّما الاسلامية منها التي تتجلبب بالدين وبفتاوى مراجع تعود في فقهها إلى شريعة استبعاد وتجاهل كلّ ما ليس مسلمًا. وإن اقتضت الحاجة، فلا بدّ من تدخل سريع من أصحاب الشأن من ممثلي هذه المكوّنات، ولاسيّما من نوابهم ومرجعياتهم الروحية مجتمعة ومن دون تردّد أو خوف أو مجاملة، لأنّ مصير أتباعهم سيكون على المحك لا ريب. وهذا يستدعي من جملة الإجراءات السريعة التواصل الحثيث مع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية كي تُضمن صيانة حقوق الجميع على أساس المساواة في المواطنة وفي الحقوق والواجبات، وليس باعتبار المكونات غير المسلمة مواطنين من الدرجة الثانية.
إنّ النخوة تشدّ أصحاب الأمر من مرجعيات دينية وقيادات سياسية ومنظمات مجتمع مدني لوأد هذه الفرية الجديدة والنهج الخطير بسيادة رأي خبراء الفقه الإسلامي بوصفهم أعضاء في المحكمة الاتحادية العليا على إدارة هذه السلطة القضائية، ومن ثمّ ضمانهم رفض أية تشريعات أو قوانين لا تتماشى مع الشريعة الاسلامية. وهذا يعني من جملة ما يعنيه، تثبيت تشريعات تؤسس وترسخ لمبدأ أسلمة البلاد حتى لو كان ذلك على حساب مواطنين غير مسلمين. وهو تمييز واضح وخرق جائر لمبدأ حقوق المواطنة التي كفلها الدستور ومن قبله دساتير البلاد قاطبة. كما أن مثل هذا الإجراء لو حصل، فإنه يعني تراجعًا في الحقوق وفي الحريات العامة ورفضًا لمبادئ الديمقراطية التي أتت بأحزاب السلطة ومنها الإسلامية إلى الحكم في البلاد في 2003. وكان الأَولى بممثلي الشعب ممّن سار في هذه الطريق الشائكة والمحذورة، العمل على ترسيخ مبادئ الديمقراطية والحرية بدل تقويضها وإعادة البلاد إلى دائرة الظلمة وإبعادها عن الركب المدني والحضارة الإنسانية التي يُراد لها التقدم نحو الأفضل في بناء البلدان والإنسان وليس التراجع في وضع القيود والمحظورات والتلوّن بلون واحد سيفقد طعمه ورائحته ولونه مع مرور الزمن.
إن الدول المتقدمة بسائر أنظمتها السياسية وأحزابها تسعى دومًا للإمام في تطوير قوانينها وتشريعاتها بحيث لا تقف حاجزًا أمام الحريات العامة لمواطنيها جميعًا. وهذا ما نلاحظه في قوانين الغرب المتقدم عمومًا التي غيّرتها وطوّرتها كي تتجاوب مع التغييرات الحاصلة في تركيبتها السكانية، لاسّيما بعد غزوها من قبل مواطنين تعود جنسياتهم لدول شرق أوسطية وآسيوية تدين بالإسلام حصرًا. ولعلّ مّما جعل دول الغرب تسمو بسياساتها المدنية المتحضّرة أنها "تركت ما لله لله وما لقيصر لقيصر". وهي بهذه السياسات الديمقراطية المتقدمة قد وضعت دولها وشعوبها في مصاف الرقيّ الإنساني والمجتمعي والعلميّ والتربوي والثقافي والصناعيّ والاقتصادي بلا منازع مع قدر كبير من الاحترام لخياراتها الدينية والمذهبية والاتنية. وما على سياسيّي العراق ومراجعهم الدينية والروحية وقيادات المجتمع الثقافية والقضائية إلاّ أن تنتبه لهذا التحوّل في فكر الغرب باتجاه ترسيخ الحريات العامة وتطوير الديمقراطيات ضمن بناء الإنسان ومؤسسات الدولة. هذا إذا صحّ إيمان هؤلاء بهذه المبادئ الإنسانية السامية التي عزّزتها لائحة حقوق الإنسان التي وقّع عليها العراق رسميًا وهو ملزم بالعمل وفقها من دون تمييز في مستويات المواطنة على أساس الدين والمذهب والقومية واللون. ومن ثمّ لا ينبغي أن يكون كلّ شيء، حتى حركات الشعوب وكيفية عيش حياتها وحرياتها وسلوكياتها، تحت رقابة رجال الدين وفقهاء هذا الأخير. فلكلّ جهة واجباتُها والتزاماتُها، ولا مجال للحاكمية في تشريعات البلاد، حتى لو وُجد مواطن واحد مختلف في الدين.
ولكن يبدو بحسب التقارير، أنه بالرغم من عدم اكتمال النصاب القانوني لتمرير مشروع هذا القانون غير المنصف، فإنّ كتلاً سياسية تدين بالإسلام السياسي تقف وراء الإسراع بإنجازه بأيّ ثمن ضمن صفقة كسائر الصفقات التي سبقت غيره، في مخالفة صريحة بعدم مراعاة الاغلبية المطلوبة عند مناقشته. وهذه دعوة مفتوحة لنواب الشعب بمراعاة مواطني المكوّنات غير المسلمة التي ستدفع ثمنًا إضافيًا آخر بعد ما لقيته من مصاعب ومشاكل وتحديات، كانت بعض الكتل السياسية السبب في ما أصابها من أذى ونزوح وهجرة متفاقمة بسبب مثل هذه الإجراءات والقوانين الطاردة للمواطنة الصادقة بعيدًا عن الانتماء الديني والمذهبي. وهذا لن يكون ممكنًا إلاّ بسنّ قوانين مدنية تضع المصلحة العليا للوطن والمواطن من دون تمييز في أولى الأولويات بحيث تتفق مع الدستور نصاً وروحاً وتحفظ الإطار القانوني المدني لدولة عراقية مدنية متحضرة على غرار سائر الدول التي تحترم شعوبها وتصون حقوقهم.